عنونت هذه السورة في المصاحف التي بأيدينا قديمها وحديثها وفي معظم التفاسير { سورة الكافرون } بإضافة { سورة } إلى { الكافرون } وثبوت واو الرفع في { الكافرون } على حكاية لفظ القرآن الواقع في أولها .
ووقع في الكشاف وتفسير ابن عطية وحرز الأماني { سورة الكافرون } بياء الخفض في لفظ { الكافرين } بإضافة { سورة } إليه أن المراد سورة ذكر الكافرين ، أو نداء الكافرين ، وعنونها البخاري في كتاب التفسير من صحيحه سورة { قل يا أيها الكافرون } .
قال في الكشاف والإتقان : وتسمى هي وسورة قل هو الله أحد بالمقشقشتين لأنهما تشقشقان من الشرك أي تبرئان منه يقال : قشقش ، إذ أزال المرض .
وتسمى أيضا سورة الإخلاص فيكون هذان الاسمان مشتركين بينها وبين سورة قل هو الله أحد .
وقد ذكر في سورة براءة أن سورة براءة تسمى المقشقشة لأنها تقشقش ، أي تبرئ من النفاق فيكون هذا مشتركا بين السور الثلاث فيحتاج إلى التمييز .
وقال سعد الله المعروف بسعدي عن جمال القراء أنها تسمى سورة العبادة وفي بصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي تسمى { سورة الدين } .
وهي مكية بالاتفاق في حكاية ابن عطية وابن كثير ، وروي عن ابن الزبير أنها مدنية .
وقد عدت الثامنة عشرة في عداد نزول السور نزلت بعد سورة الماعون وقبل سورة الفيل .
وسبب نزولها فيما حكاه الواحدي في أسباب النزول وابن إسحاق في السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف في الكعبة فاعترضه الأسود بن المطلب بن أسد ، والوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل . وكانوا ذوي أسنان في قومهم فقالوا : يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد سنة وتعبد ما نعبد سنة فنشترك نحن وأنت في الأمر ، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظه منا وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه فقال : معاذ الله أن أشرك به غيره ، فأنزل الله فيهم { قل يا أيها الكافرون } السورة كلها فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقرأها عليهم فيئسوا منه عند ذلك وإنما عرضوا عليه ذلك لأنهم رأوا حرصه على أن يؤمنوا فطمعوا أن يستزلوه إلى الاعتراف بإلهية أصنامهم .
وعن ابن عباس : فيئسوا منه وآذوه وآذوا أصحابه .
وبهذا يعلم الغرض الذي اشتملت عليه وأنه تأييسهم من أن يوافقهم في شيء مما هم عليه من الكفر بالقول الفصل المؤكد في الحال والاستقبال وأن دين الإسلام لا يخالط شيئا من دين الشرك .
افتتاحها ب { قلْ } للاهتمام بما بعد القول بأنه كلام يراد إبلاغه إلى الناس بوجه خاص منصوص فيه على أنه مرسل بقول يبلغه وإلا فإن القرآن كله مأمور بإبلاغه ، ولهذه الآية نظائر في القرآن مفتتحة بالأمر بالقول في غير جوابٍ عن سؤال منها : { قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء للَّه } في سورة الجمعة ( 6 ) . والسور المفتتحة بالأمر بالقول خمس سور : { قل أوحي } [ الجن : 1 ] ، وسورة الكافرون ، وسورة الإخلاص ، والمعوّذتان ، فالثلاث الأول لقول يبلِّغه ، والمعوّذتان لقول يقوله لتعويذ نفسه .
والنداء موجه إلى الأربعة الذين قالوا للنبيء صلى الله عليه وسلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ، كما في خبر سبب النزول وذلك الذي يقتضيه قوله : { ولا أنتم عابدون ما أعبد } كما سيأتي .
وابتدىء خطابهم بالنداء لإِبلاغهم ، لأن النداء يستدعي إقبال أذهانهم على ما سيلقى عليهم .
ونُودوا بوصف الكافرين تحقيراً لهم وتأييداً لوجه التبرؤ منهم وإيذاناً بأنه لا يخشاهم إذا ناداهم بما يَكرهون مما يثير غضبهم لأن الله كفاه إياهم وعصمه من أذاهم . قال القرطبي : قال أبو بكر بن الأنباري : إن المعنى : قل للذين كفروا يا أيها الكافرون أن يعتمدهم في ناديهم فيقول لهم : يا أيها الكافرون ، وهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفر .
وهي مكية في قول ابن مسعود والحسن وعكرمة . ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك . وهي ست آيات .
وفي الترمذي من حديث أنس : أنها تعدل ثلث القرآن . وفي كتاب ( الرد لأبي بكر الأنباري ) : أخبرنا عبد الله بن ناجية قال : حدثنا يوسف قال : حدثنا القعنبي وأبو نعيم ، عن موسى بن وردان ، عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ( قل يا أيها الكافرون ) تعدل ربع القرآن " . ورواه موقوفا عن أنس . وخرج الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد عن ابن عمر قال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الفجر في سفر ، فقرأ " قل يأيها الكافرون " . و " قل هو الله أحد " ، ثم قال : " قرأت بكم ثلث القرآن وربعه " . وروى جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أتحب يا جبير إذا خرجت سفرا أن تكون من أمثل أصحابك هيئة وأكثرهم زادا " ؟ قلت : نعم . قال : " فاقرأ هذه السور الخمس من أول " قل يا أيها الكافرون " [ الكافرون : 1 ] إلى - " قل أعوذ برب الناس " [ الناس : 1 ] وافتتح قراءتك ببسم الله الرحمن الرحيم " . قال : فوالله لقد كنت غير كثير المال ، إذا سافرت أكون أبذهم{[1]} هيئة ، وأقلهم زادا ، فمذ قرأتهن صرت من أحسنهم هيئة ، وأكثرهم زادا ، حتى أرجع من سفري ذلك . وقال فروة بن نوفل الأشجعي : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : أوصني قال : " أقرأ عند منامك " قل يا أيها الكافرون " فإنها براءة من الشرك " . خرجه أبو بكر الأنباري وغيره . وقال ابن عباس : ليس في القرآن أشد غيظا لإبليس منها ؛ لأنها توحيد وبراءة من الشرك . وقال الأصمعي : كان يقال " لقل يأيها الكافرون " ، و " قل هو الله أحد " المقشقشتان ، أي أنهما تبرئان من النفاق . وقال أبو عبيدة : كما يقشقش الهناء{[2]} الجرب فيبرئه . وقال ابن السكيت : يقال للقرح والجدري إذا يبس وتقرف ، وللجرب في الإبل إذا قفل{[3]} : قد توسَّف جلده ، وتوسف جلده ، وتقشقش جلده .
ذكر ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس : أن سبب نزولها أن الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن عبدالمطلب ، وأمية بن خلف ، لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد ، هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله ، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا ، كنا قد شاركناك فيه ، وأخذنا بحظنا منه . وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما بيدك ، كنت قد شركتنا في أمرنا ، وأخذت بحظك منه ، فأنزل الله عز وجل " قل يا أيها الكافرون " .
وقال أبو صالح عن ابن عباس : أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو استلمت{[16507]} بعض هذه الآلهة لصدقناك ، فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه السورة فيئسوا منه ، وآذوه ، وآذوا أصحابه . والألف واللام ترجع إلى معنى المعهود ، وإن كانت للجنس ، من حيث إنها كانت صفة لأي ؛ لأنها مخاطبة لمن سبق في علم الله تعالى أنه سيموت على كفره ، فهي من الخصوص الذي جاء بلفظ العموم . ونحوه عن الماوردي : نزلت جوابا ، وعني بالكافرين قوما معينين ، لا جميع الكافرين ؛ لأن منهم من آمن ، فعبد الله ، ومنهم من مات أو قتل على كفره ، وهم المخاطبون بهذا القول ، وهم المذكورون . قال أبو بكر بن الأنباري : وقرأ من طعن في القرآن : قل للذين كفروا { لا أعبد ما تعبدون } وزعم أن ذلك هو الصواب ، وذلك افتراء على رب العالمين ، وتضعيف لمعنى هذه السورة ، وإبطال ما قصده الله من أن يذل نبيه للمشركين بخطابه إياهم بهذا الخطاب الزريّ ، وإلزامهم ما يأنف منه كل ذي لب وحجا . وذلك أن الذي يدعيه من اللفظ الباطل ، قراءتنا تشتمل عليه في المعنى ، وتزيد تأويلا ليس عندهم في باطلهم وتحريفهم . فمعنى قراءتنا : قل للذين كفروا : يأيها الكافرون ، دليل صحة هذا : أن العربي إذا قال لمخاطبه : قل لزيد : أقبل إلينا ، فمعناه : قل لزيد : يا زيد أقبل إلينا . فقد وقعت قراءتنا على كل ما عندهم ، وسقط من باطلهم أحسن لفظ وأبلغ معنى ؛ إذ كان الرسول عليه السلام يعتمدهم في ناديهم ، فيقول لهم : " يأيها الكافرون " . وهو يعلم أنهم يغضبون من أن ينسبوا إلى الكفر ، ويدخلوا في جملة أهله إلا وهو محروس ممنوع من أن تنبسط عليه منهم يد ، أو تقع به من جهتهم أذية . فمن لم يقرأ { قل يأيها الكافرون } كما أنزلها الله ، أسقط آية لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وسبيل أهل الإسلام ألا يسارعوا إلى مثلها ، ولا يعتمدوا نبيهم باختزال الفضائل عنه ، التي منحه الله إياها ، وشرفه بها .
وأما وجه التكرار فقد قيل : إنه للتأكيد في قطع أطماعهم ، كما تقول : والله لا أفعل كذا ، ثم والله لا أفعله . قال أكثر أهل المعاني : نزل القرآن بلسان العرب ، ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والإفهام ، كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز ؛ لأن خروج الخطيب والمتكلم من شيء إلى شيء أولى من اقتصاره في المقام على شيء واحد ، قال الله تعالى : { فبأي آلاء ربكما تكذبان } [ الرحمن : 13 ] . { ويل يومئذ للمكذبين } [ المطففين : 10 ] . { كلا سيعلمون ، ثم كلا سيعلمون }[ النبأ : 4 - 5 ] . و{ فإن مع العسر يسرا . إن مع العسر يسرا }[ الشرح :5 - 6 ] . كل هذا على التأكيد . وقد يقول القائل : ارم ارم ، اعجل اعجل ، ومنه قوله عليه السلام في الحديث الصحيح : " فلا آذن ، ثم لا آذن ، إنما فاطمة بضعة مني " . خرجه مسلم{[16508]} . وقال الشاعر :
هلا سألتَ جموعَ كندَةَ *** يوم وَلَّوْا أينَ أيْنَا
يا لَبَكْرٍ أَنْشِرُوا لِي كُلَيْبًا *** يا لبكرٍ أينَ أينَ الفِرَارُ{[16509]}
يا علقمهْ يا علقمهْ يا علقمهْ *** خيرَ تميم كلِّها وأكْرَمَهْ
يا أقرعُ بن حابس يا أقرعُ *** إنك إن يصرع أخوك تُصْرَعُ{[16510]}
ألا يا اسلمي ثم اسلمي *** ثلاثَ تحياتٍ وإن لم تَكَلَّمِ
ومثله كثير . وقيل : هذا على مطابقة قولهم : تعبد آلهتنا ونعبد إلهك ، ثم تعبد آلهتنا ونعبد إلهك ، ثم تعبد آلهتنا ونعبد إلهك ، فنجري على هذا أبدا سنة وسنة . فأجيبوا عن كل ما قالوه بضده ، أي إن هذا لا يكون أبدا . قال ابن عباس : قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم : نحن نعطيك من المال ما تكون به أغنى رجل بمكة ، ونزوجك من شئت ، ونطأ عقبك ، أي نمشي خلفك ، وتكف عن شتم آلهتنا ، فإن لم تفعل فنحن نعرض عليك خصلة واحدة هي لنا ولك صلاح : تعبد آلهتنا اللات والعزى سنة ، ونحن نعبد إلهك سنة{[16511]} ، فنزلت السورة . فكان التكرار في { لا أعبد ما تعبدون } ؛ لأن القوم كرروا عليه مقالهم مرة بعد مرة . والله أعلم . وقيل : إنما كرر بمعنى التغليظ . وقيل : أي { لا أعبد } الساعة { ما تعبدون . ولا أنتم عابدون } الساعة { ما أعبد } . ثم قال : { ولا أنا عابد } في المستقبل { ما عبدتم . ولا أنتم{ في المستقبل { عابدون ما أعبد } . قاله الأخفش والمبرد . وقيل : إنهم كانوا يعبدون الأوثان ، فإذا ملوا وثنا ، وسئموا العبادة له ، رفضوه ، ثم أخذوا وثنا غيره بشهوة نفوسهم ، فإذا مروا بحجارة تعجبهم ألقوا هذه ورفعوا تلك ، فعظموها ونصبوها آلهة يعبدونها ، فأمر عليه السلام أن يقول لهم : { لا أعبد ما تعبدون } اليوم من هذه الآلهة التي بين أيدكم . ثم قال : { ولا أنتم عابدون ما أعبد } أي وإنما أنتم تعبدون الوثن الذي اتخذتموه ، وهو عندكم الآن . { ولا أنا عابد ما عبدتم } أي بالأمس من الآلهة التي رفضتموها ، وأقبلتم على هذه . { ولا أنتم عابدون ما أعبد } فإني أعبد إلهي . وقيل : إن قوله تعالى : { لا أعبد ما تعبدون . ولا أنتم عابدون ما أعبد } في الاستقبال . وقوله : { ولا أنا عابد ما عبدتم } على نفي العبادة منه لما عبدوا في الماضي . ثم قال : { ولا أنتم عابدون ما أعبد } على التكرير في اللفظ دون المعنى ، من قبل أن التقابل يوجب أن يكون : ولا أنتم عابدون ما عبدت ، فعدل عن لفظ عبدت إلى أعبد ، إشعارا بأن ما عبد في الماضي هو الذي يعبد في المستقبل ، مع أن الماضي والمستقبل قد يقع أحدهما موقع الآخر . وأكثر ما يأتي ذلك في أخبار الله عز وجل . وقال : " ما أعبد " ، ولم يقل : من أعبد ؛ ليقابل به { ولا أنا عابد ما عبدتم } وهي أصنام وأوثان ، ولا يصلح فيها إلا { ما } دون { من } فحمل الأول على الثاني ، ليتقابل الكلام ولا يتنافى . وقد جاءت { ما } لمن يعقل . ومنه قولهم : سبحان ما سخركن لنا . وقيل : إن معنى الآيات وتقديرها : قل يا أيها الكافرون لا أعبد الأصنام التي تعبدونها ، ولا أنتم عابدون الله عز وجل الذي أعبده ؛ لإشراككم به ، واتخاذكم الأصنام ، فإن زعمتم أنكم تعبدونه ، فأنتم كاذبون ؛ لأنكم تعبدونه مشركين . فأنا لا أعبد ما عبدتم ، أي مثل عبادتكم ، " فما " مصدرية . وكذلك { ولا أنتم عابدون ما أعبد } مصدرية أيضا ، معناه ولا أنتم عابدون مثل عبادتي ، التي هي توحيد .