التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ} (6)

تذييل وفذلكة للكلام السابق بما فيه من التأكيدات ، وقد أُرسل هذا الكلام إرسالَ المثل وهو أجمع وأوجز من قول قيس بن الخطيم :

نَحْن بما عندنا وأنتَ بما *** عنْدك راض والرأي مختلف

ووقع في « تفسير الفخر » هنا : « جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية عند المتاركة وذلك غير جائز لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به بل ليتدبَّر فيه ثم يعمل بموجبه » ا ه .

وهذا كلام غير محرر لأن التمثل به لا ينافي العمل بموجبه وما التمثل به إلا من تمام بلاغته واستعداد للعمل به . وهذا المقدار من التفسير تركه الفخر في المسودة .

وقدم في كلتا الجملتين المسندُ على المسند إليه ليفيد قصر المسند إليه على المسند ، أي دينكم مقصور على الكون بأنه لكم لا يتجاوزكم إلى الكون لي ، وديني مقصور على الكون بأنه لا يتجاوزني إلى كونه لكم ، أي لأنهم محقق عدم إسلامهم . فالقصر قصر إفراد ، واللام في الموضعين لشِبه الملك وهو الاختصاص أو الاستحقاق .

والدين : العقيدة والملة ، وهو معلومات وعقائد يعتقدها المرء فتجري أعماله على مقتضاها ، فلذلك سمي دِيناً لأن أصل معنى الدين المعاملة والجزاء .

وقرأ الجمهور { دين } بدون ياء بعد النون على أن ياء المتكلم محذوفة للتخفيف مع بَقاء الكسرة على النون . وقرأه يعقوب بإثبات الياء في الوصل والوقف . وقد كتبت هذه الكلمة في المصحف بدون ياء اعتماداً على حفظ الحفاظ لأن الذي يُثبت الياء مثل يعقوب يُشبع الكسرة إذ ليست الياء إلا مَدّة للكسرة فعدم رسمها في الخط لا يقتضي إسقاطها في اللفظ .

وقرأ نافع والبزي عن ابن كثير وهشام عن ابن عامر وحفص عن عاصم بفتح الياء من قوله : { ولي } . وقرأه قنبل عن ابن كثير وابنُ ذكوان عن ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف بسكون الياء .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ} (6)

قوله تعالى : { لكم دينكم ولي دين }

فيه معنى التهديد ، وهو كقوله تعالى :{ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم }{[16512]} [ القصص : 55 ] أي إن رضيتم بدينكم ، فقد رضينا بديننا . وكان هذا قبل الأمر بالقتال ، فنسخ بآية السيف . وقيل : السورة كلها منسوخة . وقيل : ما نسخ منها شيء ؛ لأنها خبر . ومعنى { لكم دينكم } أي جزاء دينكم ، ولي جزاء ديني . وسمى دينهم دينا ؛ لأنهم اعتقدوه وتولوه . وقيل : المعنى لكم جزاؤكم ولي جزائي ؛ لأن الدين الجزاء . وفتح الياء من { ولي دين } نافع ، والبزي عن ابن كثير باختلاف عنه ، وهشام عن ابن عامر ، وحفص عن عاصم . وأثبت الياء في " ديني " في الحالين نصر بن عاصم وسلام ويعقوب ، قالوا : لأنها اسم مثل الكاف في قمت . الباقون بغير ياء ، مثل قوله تعالى : { فهو يهدين }{[16513]} [ الشعراء : 78 ]{ فاتقوا الله وأطيعون }{[16514]} [ آل عمران : 50 ] ونحوه ، اكتفاء بالكسرة ، واتباعا لخط المصحف ، فإنه وقع فيه بغير ياء .


[16512]:آية 55 سورة القصص.
[16513]:آية 78 سورة الشعراء.
[16514]:آية 50 سورة أل عمران.