التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا} (2)

والرؤية في قوله : { ورأيت الناس } يجوز أن تكون علمية ، أي وعلمت علم اليقين أن الناس يدخلون في دين الله أفواجاً وذلك بالأخبار الواردة من آفاق بلاد العرب ومواطن قبائلهم وبمَنْ يحضر من وفودهم . فيكون جملة { يدخلون } في محل المفعول الثاني ل { رأيت } .

ويجوز أن تكون رؤية بصرية بأن رأى أفواج وفود العرب يردون إلى المدينة يدخلون في الإِسلام وذلك سنة تسع ، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ببصره ما علم منه دخولهم كلهم في الإِسلام بمن حضر معه الموقف في حجة الوداع فقد كانوا مائة ألف من مختلف قبائل العرب فتكون جملة { يدخلون } في موضع الحال من الناس .

و{ دين اللَّه } هو الإِسلام لقوله تعالى : { إن الدين عند اللَّه الإسلام } [ آل عمران : 19 ] وقوله : { فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت اللَّه التي فطر الناس عليها } [ الروم : 30 ] .

والدخول في الدين : مستعار للنطق بكلمة الشهادة والتزام أحكام الدين الناشئة عن تلك الشهادة . فشُبه الدين ببيت أو حظيرة على طريقة المكنية ورمز إليه بما هو من لوازم المشبه به وهو الدخول ، على تشبيه التلبس بالدين بتلبس المظروف بالظرف ، ففيه استعارة أخرى تصريحية .

و{ الناس } : اسم جمع يدل على جماعة من الآدميين ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ومن الناس من يقول آمنا باللَّه } في سورة [ البقرة : 8 ] .

وإذا عُرّف اسم ناس باللام احتملت العهد نحو : { الذين قال لهم الناس } [ آل عمران : 173 ] ، واحتملت الجنس نحو : { إن الناس قد جمعوا لكم } [ آل عمران : 173 ] واحتملت الاستغراق نحو : { ومن الناس من يقول } [ البقرة : 8 ] ونحو : { قل أعوذ برب الناس } [ الناس : 1 ] .

والتعريف في هذه الآية للاستغراق العرفي ، أي جميع الناس الذين يخطرون بالبال لعدم إرادة معهودين معينني ولاستحالة دخول كل إنسان في دين الله بدليل المشاهدة ، فالمعنى : ورأيتَ ناساً كثيرين أو ورأيت العرب .

قال ابن عطية : « قال أبو عُمر بن عبد البر النمري رحمه الله في كتاب « الاستيعاب » في باب خراش الهذلي : لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي العرب رجل كافر بل دخل الكل في الإِسلام بعد حُنين والطائِف ، منهم من قدِم ومنهم من قدِم وافده » اه . وإنما يراد عرب الحجاز ونجد واليمن لأن مِن عرب الشام والعراق من لم يدخلوا في الإِسلام ، وهم : تَغلب وغسان في مشارف الشام والشامِ ، وكذلك لخم وكلب من العراق فهؤلاء كانوا نصارى ولم يسلم من أسلم منهم إلا بعد فتح الشام والعراق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلون في دين الله رؤية بصرية .

ويجوز أن يكون اللَّهُ أعلمه بذلك إن جعلنا الرؤية علمية .

والأفواج : جمع فوج وهو الجماعة الكثيرة ، وتقدم عند قوله تعالى : { هذا فوج مقتحم معكم } في سورة [ ص : 59 ] ، أي يدخلون في الإِسلام قبائل ، وانتصب { أفواجاً } على الحال من ضمير { يدخلون } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا} (2)

قوله تعالى : { ورأيت الناس } أي العرب وغيرهم . { يدخلون في دين الله أفواجا } أي جماعات : فوجا بعد فوج . وذلك لما فتحت مكة قالت العرب : أما إذا ظفر محمد بأهل الحرم ، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل ، فليس لكم به يدان{[16516]} . فكانوا يسلمون أفواجا : أمة أمة . قال الضحاك : والأمة : أربعون رجلا . وقال عكرمة ومقاتل : أراد بالناس أهل اليمن . وذلك أنه ورد من اليمن سبعمائة إنسان مؤمنين طائعين ، بعضهم يؤذنون ، وبعضهم يقرؤون القرآن ، وبعضهم يهللون ، فُسِّرَ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، وبكى عمر وابن عباس . وروى عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : " { إذا جاء نصر الله والفتح } وجاء أهل اليمن رقيقة أفئدتهم ، لينة طباعهم ، سخية قلوبهم ، عظيمة خشيتهم ، فدخلوا في دين الله أفواجا " . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتاكم أهل اليمن ، هم أضعف قلوبا ، وأرق أفئدة ، الفقه يمان ، والحكمة يمانية " . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : " إني لأجد نفس ربكم من قبل اليمين " ، وفيه تأويلان : أحدهما : أنه الفرج ، لتتابع إسلامهم أفواجا . والثاني : معناه أن الله تعالى نفس{[16517]} الكرب عن نبيه صلى الله عليه وسلم بأهل اليمن ، وهم الأنصار . وروى جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا ، وسيخرجون منه أفواجا " ذكره الماوردي ، ولفظ الثعلبي : وقال أبو عمار : حدثني جابر لجابر ، قال : سألني جابر ، عن حال الناس ، فأخبرته عن حال اختلافهم وفرقتهم ، فجعل يبكي ويقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الناس دخلوا في دين الله أفواجا ، وسيخرجون من دين الله أفواجا " .


[16516]:أي طاقة.
[16517]:قال ابن الأثير: "هو مستعار من نفس الهواء الذي يرده التنفس إلى الجوف، فيبرد من حرارته ويعدلها. أو من نفس الريح الذي يتنسمه، فيستروح إليه. أو من نفس الروضة وهو طيب روائحها، فيتفرج به عنه. يقال: أنت في نفس من أمرك، واعمل وأنت في نفس من عمرك، أي في سعة وفسحة، قبل المرض والهرم ونحوهما,