التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} (113)

الرّكُون : الميل والموافقة ، وفعله كعَلِم . ولعلّه مشتق من الرُكْن بضم فسكون وهو الجنب ، لأنّ المائل يدني جنبه إلى الشيء الممال إليه . وهو هنا مستعار للموافق ، فبعد أن نهاهم عن الطغيان نهاهم عن التقارب مِن المشركين لئلاّ يضلوهم ويزلوهم عن الإسلام .

و { الذين ظلموا } هم المشركون . وهذه الآية أصل في سدّ ذرائع الفساد المحقّقة أو المظنونة .

والمسّ : مستعمل في الإصابة كما تقدّم في قوله تعالى : { إنّ الذين اتّقوا إذا مسّهم طائفٌ من الشّيطان } في آخر الأعراف ( 201 ) ، والمراد : نار العذاب في جهنّم .

وجملة وما لكم من دون الله من أولياء } حال ، أي لا تجدون من يسعى لما ينفعكم .

و { ثمّ } للتّراخي الرتبي ، أي ولا تجدون من ينصركم ، أي من يخفّف عنكم مسّ عذاب النّار أو يخرجكم منها .

و { من دون الله } متعلّق بأولياء لتضمينه معنى الحُماة والحائلين .

وقد جمع قوله : { ولا تطغوا } [ هود : 112 ] وقوله : { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } أصلي الدّين ، وهما : الإيمان والعمل الصالح ، وتقدّم آنفاً قول الحسن : « جعل الله الدين بين لاَئين { ولا تطغوا } ، ولا تركنوا » .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ} (113)

فيه أربع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " ولا تركنوا " الركون حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون إلى ، الشيء والرضا به ، قال قتادة : معناه لا تودوهم ولا تطيعوهم . ابن جريج : لا تميلوا إليهم . أبو العالية : لا ترضوا أعمالهم ، وكله متقارب . وقال ابن زيد : الركون هنا الإدهان{[8890]} وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم .

الثانية : قرأ الجمهور : " تركنوا " بفتح الكاف ، قال أبو عمرو : هي لغة أهل الحجاز . وقرأ طلحة بن مصرف وقتادة وغيرهما : " تركنوا " بضم الكاف ؛ قال الفراء : وهي لغة تميم وقيس . وجوز قوم ركن يركن مثل منع يمنع{[8891]} .

الثالثة : قوله تعالى : " إلى الذين ظلموا " قيل : أهل الشرك . وقيل : عامة فيهم وفي العصاة ، على نحو قوله تعالى : " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا{[8892]} " [ الأنعام : 68 ] الآية . وقد تقدم . وهذا هو الصحيح في معنى الآية ، وأنها دالة على هجران أهل الكفر والمعاصي من أهل البدع وغيرهم ، فإن صحبتهم كفر أو معصية ؛ إذ الصحبة لا تكون إلا عن مودة ، وقد قال حكيم{[8893]} :

عن المرءِ لا تسأَل وسلْ عن قرينه *** فكل قرين بالمقارِن يَقْتَدِي

فإن كانت الصحبة عن ضرورة وتقية فقد مضى القول فيها في " آل عمران{[8894]} " و " المائدة{[8895]} " . وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار . والله أعلم .

الرابعة : قوله تعالى : " فتمسكم النار " أي تحرقكم . بمخالطتهم ومصاحبتهم وممالأتهم على إعراضهم{[8896]} وموافقتهم في أمورهم .


[8890]:الإدهان: المصانعة.
[8891]:والآية من باب تعب.
[8892]:راجع ج 6 ص 12، وج 5 ص 417، و ص 217.
[8893]:هو طرفة بن العبد.
[8894]:راجع ج 4 ص 57.
[8895]:راجع ج 6 ص 12؛ و ج 5 ص 417، و ص 217.
[8896]:في ي: أغراضهم ومرافقتهم.