التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ مَا كَانُواْ يَسۡتَطِيعُونَ ٱلسَّمۡعَ وَمَا كَانُواْ يُبۡصِرُونَ} (20)

أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض }

استئناف بياني ناشىء عن الاقتصار في تهديدهم على وصف بعض عقابهم في الآخرة فإنّ ذلك يثير في نفس السامع أن يسأل : هل هم سالمون من عذاب الدنيا . فأجيب بأنهم لم يكونوا معجزين في الدنيا ، أي لا يخرجون عن مقدرة الله على تعذيبهم في الدنيا إذا اقتضت حكمته تعجيل عذابهم .

وإعادة الإشارة إليهم بقوله : ( أولئك ) بعد أن أشير إليهم بقوله : { أولئك يعرضون على ربهم } [ هود : 18 ] لتقرير فائدة اسم الإشارة السابق . والمعنى : أنهم يصيرون إلى حكم ربهم في الآخرة ولم يكونوا معجزيه أن يعذبهم في الدنيا متى شاء تعذيبهم ولكنه أراد إمهالهم .

والمعجز هنا الذي أفلت ممّن يروم إضراره . وتقدم بيانه عند قوله تعالى : { إن ما توعدون لأت وما أنتم بمعجزين } في سورة [ الأنعام : 134 ] .

والأرض : الدنيا . وفائدة ذكره أنهم لا ملجأ لهم من الله لو أراد الانتقام منهم فلا يجدون موضعاً من الأرض يستعصمون به . فهذا نفي للملاجيء والمعاقل التي يستعصم فيها الهارب . وعندي أنّ مقارنة ( في الأرض ) ب ( معجزين ) جَرى مجرى المثل في القرآن كما في قوله تعالى : { ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجزٍ في الأرض } [ الأحقاف : 32 ] ولعله مما جرى كذلك في كلام العرب كما يؤذن به قول إياس بن قبيصة الطائي من شعراء الجاهلية :

ألم تر أن الأرض رحب فسيحة *** فهل تعجزني بقعة من بقاعها

{ وما كان لهم من دون اله من أولياء }

يجوز أن يكون المراد بالأول الأنصار ، أي ما لهم ناصر ينصرهم من دون الله . فجمع لهم نفي سببي النجاة من عذاب القادر وهما المكان الذي لا يصل إليه القادر أو معارضة قادر آخر إياه يمنعه من تسليط عقابه . و { مِن دون الله } متعلق ب ( أولياء ) لما في الولي هنا من معاني الحائل والمباعد بقوله : { ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً } [ النساء : 119 ] .

ويجوز أن يراد بالأولياء الأصنام التي تَولوْها ، أي أخلصوا لها المحبة والعبادة .

ومعنى نفي الأولياء عنهم بهذا المعنى نفي أثر هذا الوصف ، أي لم تنفعهم أصنامهم وآلهتهم .

و { من دون الله } على هذا الوجه بمعنى من غير الله ، ف ( دون ) اسم غير ظرف ، و ( من ) الجارّة ل ( دون ) زائدة تزاد في الظروف غير المتصرفة ، و ( من ) الجارة ل ( أولياء ) زائدة لاستغراق الجنس المنفي ، أي ما كان لهم فرد من أفراد جنس الأولياء .

والعذاب المضاعف هو عذاب الآخرة بقرينة قوله : { لم يكونوا معجزين في الأرض } المشعر بتأخير العذاب عنهم في الدنيا لاَ عنْ عجز .

{ يضاعف لهم العذاب }

خبر عن اسم الإشارة . ويجوز أن تكون جملة { لم يكونوا معجزين في الأرض } خبراً أوّلاً وجملة { يضاعف } خبراً ثانياً . ويجوز أن تكون جملة { لم يكونوا معجزين } حالاً وجملة { يضاعف } خبراً أول .

{ ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون }

يجوز أن يكون هذا خبراً عن اسم الإشارة أو حالاً منهُ فتكون استطاعة السمع المنفية عنهم مستعارة لكراهيتهم سماع القرآن وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم كما نفيت الإطاقة في قول الأعشى :

وهل تطيق وداعاً أيها الرجل

أراد بنفي إطاقة الوداع عن نفسه أنه يحزن لذلك الحزن من الوداع فأشبه الشيء غير المطاق وعبّر هنَا بالاستطاعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى استماع القرآن فيعرضون لأنّهم يكرهون أن يسمعوه . قال تعالى : { ويلٌ لكل أفّاكٍ أثيمٍ يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصرّ مستكبراً كأن لم يسمعها } [ الجاثية : 8 ] وقال : { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوا فيه لعلكم تغلبون } [ فصلت : 26 ] لأنهم لو سمعوا ووعوا لاهتدوا لأن الكلام المسموع مشتمل على تركيب الأدلة ونتائجها فسماعه كاف في حصول الاهتداء .

والإبصار المنفي هو النظر في المصنوعات الدالة على الوحدانية ، أي ما كانوا يوجهون أنظارهم إلى المصنوعات توجيه تأمل واعتبار بل ينظرون إليها نظر الغافل عما فيها من الدقائق ، ولذلك لم يقل هنا : وما كانوا يستطيعون أن يبصروا ، لأنهم كانوا يبصرونها ولكنّ مجرد الإبصار غير كاف في حصول الاستدلال حتّى يضم إليه عمل الفكر بخلاف السمع في قوله : { ما كانوا يستطيعون السمع } .

ويجوز أن تكون الجملة حالاً ل ( أولياء ) ، وسوّغ كونها حالاً من النكرة أن النكرة وقعت في سياق النفي . والمعنى : أنهم جعلوها آلهة لهم في حال أنها لا تستطيع السمع ولا الإبصار .

وإعادة ضمير جمع العقلاء على الأصنام على هذا الوجه منظور فيه إلى أن المشركين اعتقدوها تَعْقل ، ففي هذا الإضمار مع نفي السمع والبصر عنها ضرب من التّهكم بهم .

والإتيان بأفعال الكون في هذه الجمل أربع مرات ابتداء من قوله : { أولئك لم يكونوا معجزين } إلى قوله { وما كانوا يبصرون } لإفادة ما يدل عليه فعل الكون من تمكن الحدث المخبر به فقوله : { لم يكونوا معجزين } آكد من : لا يعجزون وكذلك أخواته .

والاختلاف بين صيغ أفعال الكون إذ جاء أولها بصيغة المضارع والثلاثة بعده بصيغة الماضي لأن المضارع المجزوم بحرف ( لم ) له معنى المضي فليس المخالفة منها إلاّ تفنناً .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أُوْلَـٰٓئِكَ لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ مَا كَانُواْ يَسۡتَطِيعُونَ ٱلسَّمۡعَ وَمَا كَانُواْ يُبۡصِرُونَ} (20)

قوله تعالى : " أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض " أي فائتين من عذاب الله . وقال ابن عباس : لم يعجزوني أن آمر الأرض فتنخسف بهم . " وما كان لهم من دون الله من أولياء " يعني أنصارا ، و " من " زائدة . وقيل : " ما " بمعنى الذي تقديره : أولئك لم يكونوا معجزين ، لا هم ولا الذين كانوا لهم من أولياء من دون الله ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما . " يضاعف لهم العذاب " أي على قدر كفرهم ومعاصيهم . " ما كانوا يستطيعون السمع " " ما " في موضع نصب على أن يكون المعنى : بما كانوا يستطيعون السمع . " وما كانوا يبصرون " ولم يستعملوا ذلك في استماع الحق وإبصاره . والعرب تقول : جزيته ما فعل وبما فعل ، فيحذفون الباء مرة ويثبتونها أخرى ، وأنشد سيبويه{[8644]} :

أمرتك الخير فافعل ما أمرت به *** فقد تركتك ذا مال وذا نَشَبِ

ويجوز أن تكون " ما " ظرفا ، والمعنى : يضاعف لهم أبدا ، أي وقت استطاعتهم السمع والبصر ، والله سبحانه يجعلهم في جهنم مستطيعي ذلك أبدا . ويجوز أن تكون " ما " نافية لا موضع لها ؛ إذ الكلام قد تم قبلها ، والوقف على العذاب كاف ، والمعنى : ما كانوا يستطيعون في الدنيا أن يسمعوا سمعا ينتفعون به ، ولا أن يبصروا إبصار مهتد . قال الفراء : ما كانوا يستطيعون السمع ؛ لأن الله أضلهم في اللوح المحفوظ . وقال الزجاج : لبغضهم النبي صلى الله عليه وسلم وعداوتهم له لا يستطيعون أن يسمعوا منه ولا يفقهوا{[8645]} عنه . قال النحاس : وهذا معروف في كلام العرب ، يقال : فلان لا يستطيع أن ينظر إلى فلان إذا كان ذلك ثقيلا عليه .


[8644]:البيت لعمرو بن معدي كريب الزبيدي. أراد (بالخير) فحذف ووصل الفعل ونصب. والنشب: المال الثابت كالضياع ونحوها. وقيل: النشب جميع المال، فيكون عطفه على الأول مبالغة وتأكيدا. (شواهد سيبويه).
[8645]:في ع: يفهموا.