لما أفاد قوله : { فكان من المغرقين } [ هود : 43 ] وقوعَ الغرق الموعود به على وجه الإيجاز كما علمتَ انتقل الكلام إلى انتهاء الطوفان .
وبناء فعل { قيل } للمفعول هنا اختصار لظهور فاعل القول ، لأن مثله لا يصدر إلاّ من الله . والقول هنا أمر التكوين . وخطاب الأرض والسماء بطريقة النداء وبالأمر استعارة لتعلّق أمر التكوين بكيفيات أفعال في ذاتيهما وانفعالهما بذلك كما يخاطَب العاقل بعمل يعمله فيقبله امتثالاً وخشية . فالاستعارة هنا في حرف النداء وهي تبعيّة .
والبلع حقيقته اجتياز الطعام والشراب إلى الحلق بدون استقرار في الفم . وهو هنا استعارة لإدخال الشيء في باطن شيء بسرعة ، ومعنى بلع الأرض ماءها : دُخوله في باطنها بسرعة كسرعة ازدراد البالع بحيث لم يكن جفاف الأرض بحرارة شمس أو رياح بل كان بعمل أرضي عاجل . وقد يكون ذلك بإحداث الله زلازل وخسفاً انشقت به طبقة الأرض في مواضع كثيرة حتى غارت المياه التي كانت على سطح الأرض .
وإضافة { الماء } إلى ( الأرض ) لأدنى ملابسة لكونه في وجهها .
وإقلاع السماء مستعار لكفّ نزول المطر منها لأنه إذا كَفّ نزولُ المطر لم يُخلف الماء الذي غار في الأرض ، ولذلك قدّم الأمر بالبلْع لأنّه السبب الأعظم لغيض الماء .
وفي قران الأرض والسماء محسّن الطباق ، وفي مقابلة ( ابلعي ) ب { أقلعي } محسّن الجناس .
و { غيض الماء } مغن عن التعرُّض إلى كون السماء أقلعت والأرض بَلعت ، وبنيَ فعل { غيض الماء } للنائب لمثل ما بني فعل { وقِيل } باعتبار سبب الغيض ، أو لأنه لا فاعل له حقيقة لأن حصوله حصول مسبب عن سبب والغَيْض : نضوبه في الأرض . والمراد : الماء الذي نشأ بالطوفان زائداً على بحار الأرض وأوديتها . وقضاء الأمر : إتمامه . وبناء الفعل للنائب للعلم بأنّ فاعله ليس غير الله تعالى .
والجوديّ : اسم جبل بين العراق وأرمينا ، يقال له اليوم ( أرَارَاط ) . وحكمة إرسائها على جبل أنّ جانب الجبل أمكَن لاستقرار السفينة عند نزول الرّاكبين لأنّها تخف عندما ينزل معظمهم فإذا مالت استندت إلى حانب الجبل .
و { بعداً } مصدر ( بعدَ ) على مثال كَرُم وفَرح ، منصوب على المفعولية المطلقة . وهو نائب عن الفعل كما هو الاستعمال في مقام الدعاء ونحوه ، كالمدح والذم مثل : تَبّاً له ، وسحقاً ، وسَقْياً ، ورَعْياً ، وشكْراً . v والبعد كناية عن التحقير بلازم كراهية الشيء ، فلذلك يقال : بَعِد أو نحوه لمن فُقِدَ ، إذا كان مكروهاً كما هنا . ويقال : نفي البعد للمرغوب فيه وإن كان قد بعد ، فَيقَالُ للميّت العزيز كما قال مالك بن الرّيْب :
يقولون لا تَبْعَدْ وهم يدفِنوني *** وأيْنَ مكانُ البعد إلاّ مَكانِيا
إخْوَتِي لا تَبْعَدُوا أبداً *** وبَلى والله قد بَعِدوا
والأكثر أن يقال ( بعِد ) بكسر العين في البعد المجازي بمعنى الهلاك والموت ، و ( بعُد ) المضموم العين في البعد الحقيقي .
والقوم الظالمون هم الذين كفروا فغرقوا . والقائل ( بعداً ) قد يكون من قول الله جرياً على طريقة قوله : { وقيل يا أرض ابلعي ماءك } ويجوز أن يقوله المؤمنون تحقيراً للكفّار وتشفّياً منهم واستراحة ، فبنِيَ فعل { وقيل } إلى المجهول لعدم الحاجة إلى معرفة قائله .
قال في « الكشاف » بعد أن ذكر نكتاً ممّا أتينا على أكثره « ولما ذكرنا من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤوسهم لا لتجانس الكلمتين { ابلَعي } و { اقلعي } وإن كان لا يُخلِي الكلامَ من حسن فهو كغير الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللّب وما عداها قشور » اهـ .
وقد تصدّى السكاكي في « المفتاح » في بحث البلاغة والفصاحة لبيان بعض خصائص البلاغة في هذه الآية ، تقفية على كلام « الكشاف » فيما نرى فقال : « والنّظر في هذه الآية من أربع جهات ، من جهة علم البيان ، ومن جهة علم المعاني . . . {[250]} ومن جهة الفصاحة المعنوية ومن جهة الفصاحة اللفظية . أما النظر فيها من جهة علم البيان . . . فنقول : إنه عزّ وجلّ لما أراد أن يبين معنى أردنا أن نَرُدّ ما انفجر من الأرض إلى بطنها . . وأن نقطع طوفان السماء . . وأن نغيض الماءَ . . وأن نقضيَ أمر نوح عليه السّلام وهو إنجاز ما كنّا وعدنا من إغراق قومه . . وأن نسوي السّفينة على الجوديّ . . وأبقينا الظّلَمةَ غَرْقى بُنِيَ الكلام على تشبيه المراد بالمأمور . . . وتشبيه تكوين المراد بالأمر . . وأن السماوات والأرض . . . تابعة لإرادته . . . كأنها عقلاء مميّزون . . . ثم بنى على تشبيهه هذا نَظْمَ الكلام فقال جلّ وعلا : { قيل } على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل ، وجَعل قرينة المجاز الخطاب للجماد . . . فقال : { يا أرض - ويا سماء } . . . ثم استعار لغور الماء في الأرض البلعَ . . للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقر خفي ، ثم استعار الماء للغذاء استعارة بالكناية تشبيهاً له بالغذاء لتقوي الأرض بالماء في الإنبات . . . تقويَ الآكِل بالطعام ، وجعل قرينة الاستعارة لفظة ( ابلعي ) . . . ثم أمَرَ على سبيل الاستعارة للشبه المقدم ذكره ، وخاطَب في الأمر ترشيحاً لاستعارة النداء ، ثم قال { ماءك } بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز تشبيهاً لاتّصال الماء بالأرض باتصال المِلْك بالمالك واختار ضمير الخطاب لأجل الترشيح . ثم اختار لاحتباس المطر الإقلاع الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان ، ثم أمَر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر قائلاً { أقلعي } لمثل ما تقدم في { ابلعي } ، ثم قال : { وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجوديّ } . { وقيل بعداً } فلم يصرح بمن غَاض الماءَ ، ولا بمن قَضَى الأمر وسوّى السفينة وقال { بعداً } ، كما لم يصرح بقائل { يا أرض } و { يا سماء } في صدر الآية ، سلوكاً في كل واحد من ذلك لسبيل الكناية أن تلك الأمور العظام لا تتأتى إلاّ من ذي قدرة لا يُكتنه قهار لا يغالب ، فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيره جلت عظمته قائلاً { يا أرض } و { يا سماء } ، ولا غائضاً ما غاض ، ولا قاضياً مثل ذلك الأمر الهائل ، أو أن تكون تسوية السفينة وإقرارها بتسوية غيره وإقراره .
ثم ختم الكلام بالتعريض تنبيهاً لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل ظلماً لأنفسهم لا غير خَتْمَ إظهار لمكان السخط ولجهة استحقاقهم إياه وأن قيامة الطوفان وتلك الصورة الهائلة إنّما كانت لظلمهم .
وأما النظر فيها من حيث علم المعاني ، وهو النّظر في إفادة كل كلمة فيها ، وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها ، لذلك أنه اختير { يا } دون سائر أخواتها لكونها أكثر في الاستعمال وأنها دالة على بعد المنادَى الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة . . وهو تبعيد المنادى المؤذن بالتهاون به . . .
واختير { ابلعي } على ابتلعي لكونه أخصر ، ولمجيء حظّ التجانس بينه وبين { أقلعي } أوْفَر . وقيل { ماءَك } بالإفراد دون الجمع لما كان في الجمع من صورة الاستكثار المتأتي عنها مقام إظهار الكبرياء والجبروت . . وإنما لم يقل { ابلعي } بدون المفعول أن لا يستلزم تركه ما ليس بمراد من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء بأسرهنّ نظراً إلى مقام ولأرود أمر الذي هو مقام عظمة وكبرياء .
ثم إذ بَيّن المرادَ اختصر الكلام مع { اقلعي } احترازاً عن الحشْو المستغنى عنه ، وهو الوجه في أن لم يقل : قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلَعَت ، ويا سماء أقلعي فأقلعت . . وكذا الأمر دون أن يقال : أمرُ نوح عليه السّلام وهو إنجاز ما كان الله وعد نوحاً عليه السّلام من إهلاك قومه لقصد الاختصار والاستغناء بحرف التعريف عن ذلك .
ثم قيل : { بعداً للقوم الظالمين } دون أن يقال : ليبعَد القومُ ، طلباً للتأكيد مع الاختصار وهو نزول { بعداً } منزلة ليبعَدُوا بعداً ، مع فائدة أخرى وهي استعمال اللاّم مع ( بعداً ) الدّال على معنى أن البعد يحقّ لهم .
ثم أطلق الظلم ليتناول كلّ نوع حتى يدخل فيه ظلمهم أنفسهم لزيادة التنبيه على فظاعة سوء اختيارهم في تكذيب الرسل .
وأمّا من حيث النظر إلى ترتيب الجمل ، فذلك أنه قد قدّم النداء على الأمر ، فقيل : { يا أرض ابلعي ويا سماء أقلعي } دون أن يقال : ابلعي يا أرض وأقلعي يا سماء ، جرياً على مقتضى اللازم فيمن كان مأموراً حقيقة من تقديم التنبيه ليتمكّن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادَى قصداً بذلك لمعنى الترشيح .
ثم قدّم أمر الأرض على أمر السماء وابتدىء به لابتداء الطوفان منها ، ونزولها لذلك في القصة منزلة الأصل ، والأصل بالتقديم أوْلى ، ثم أتْبَعَهَا قوله : { وغيض الماء } لاتّصاله بغيضية الماء وأخذه بحجزتها ، ألاَ ترى أصل الكلام : قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت ماءها ويا سماء أقلعي عن إرسال الماء فأقلعت عن إرساله ، وغيض الماء النازل من السماء فغاض ، ثم أتبعه ما هو المقصود من القصة وهو قوله تعالى : { وقضي الأمر } أي أنجز الموعود .
ثم أتبعه حديث السفينة وهو قوله : { واستوت على الجوديّ } ، ثم ختمت القصة بما ختمت . . . وأمّا النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهي كما ترى نظمٌ للمعاني لطيفٌ وتأديةٌ لها ملخّصةٌ مبيّنة ، لا تعقيد يعثّر الفكر في طلب المراد . ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد ، بل إذا جربت نفسك عند استماعها وجدت ألفاظها تطابق معانيها ومعانيها تطابق ألفاظها .
« وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية فألفاظها على ما ترى عربية مستعملة جارية على قوانين اللغة ، سليمة عن التّنَافر ، بعيدة عن البشاعة ، عذبة على العذبات ، سلسة على الأسلات . . . » . هذه نهاية كلام المفتاح .
قوله تعالى : " وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي " هذا مجاز لأنها موات . وقيل : جعل فيها ما تميز به . والذي قال إنه مجاز قال : لو فتش كلام العرب والعجم ما وجد فيه مثل هذه الآية على حسن نظمها ، وبلاغة رصفها ، واشتمال المعاني فيها . وفي الأثر : إن الله تعالى لا يخلي الأرض من مطر عام أو عامين ، وأنه ما نزل من السماء ماء قط إلا بحفظ ملك موكل به إلا ما كان من ماء الطوفان ، فإنه خرج منه ما لا يحفظه الملك . وذلك قوله تعالى : " إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية{[8701]} " [ الحاقة : 11 ] فجرت بهم السفينة إلى أن تناهى الأمر ، فأمر الله الماء المنهمر من السماء بالإمساك ، وأمر الله الأرض بالابتلاع . ويقال : بلَع الماء يبلَعه مثل منع يمنع وبلِع يبلَع مثل حمِد ويحمَد ، لغتان حكاهما الكسائي والفراء . والبالوعة الموضع الذي يشرب الماء . قال ابن العربي : التقى الماءان على أمر قد قدر ، ما كان في الأرض وما نزل من السماء ، فأمر الله ما نزل من السماء بالإقلاع ، فلم تمتص الأرض منه قطرة ، وأمر الأرض بابتلاع ما خرج منها فقط . وذلك قوله تعالى : " وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء " وقيل : ميز الله بين الماءين ، فما كان من ماء الأرض أمرها فبلعته{[8702]} ، وصار ماء السماء بحارا .
قوله تعالى : " وغيض الماء " أي نقص{[8703]} ، يقال : غاض الشيء وغضته أنا ؛ كما يقال : نقص بنفسه ونقصه غيره ، ويجوز " غيض " بضم{[8704]} الغين . " وقضي الأمر " أي أحكم وفرغ منه ، يعني أهلك قوم نوح على تمام وإحكام . ويقال : إن الله تعالى أعقم أرحامهم أي أرحام نسائهم قبل الغرق بأربعين سنة ، فلم يكن فيمن هلك صغير . والصحيح أنه أهلك الولدان بالطوفان ، كما هلكت الطير والسباع . ولم يكن الغرق عقوبة للصبيان والبهائم والطير ، بل ماتوا بآجالهم . وحكي أنه لما كثر الماء في السكك خشيت أم صبي عليه ، وكانت تحبه حبا شديدا ، فخرجت به إلى الجبل ، حتى بلغت ثلثه ، فلما بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثيه ، فلما بلغها الماء استوت على الجبل ، فلما بلغ الماء رقبتها رفعت يديها بابنها حتى ذهب بها الماء ، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي .
قوله تعالى : " واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين " أي هلاكا لهم . الجودي جبل بقرب الموصل ، استوت عليه في العاشر من المحرم يوم عاشوراء ، فصامه نوح وأمر جميع من معه من الناس والوحش والطير والدواب وغيرها فصاموه ، شكرا لله تعالى ، وقد تقدم هذا المعنى . وقيل : كان ذلك يوم الجمعة . وروي أن الله تعالى أوحى إلى الجبال أن السفينة ترسي على واحد منها فتطاولت ، وبقي الجودي لم يتطاول تواضعا لله ، فاستوت السفينة عليه : وبقيت عليه أعوادها . وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لقد بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة ) . وقال مجاهد : تشامخت الجبال وتطاولت لئلا ينالها الغرق ، فعلا الماء فوقها خمسة عشر ذراعا ، وتطامن الجودي ، وتواضع لأمر الله تعالى فلم يغرق ، ورست السفينة عليه . وقد قيل : إن الجودي اسم لكل جبل ، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل{[8705]} .
سبحانه ثم سبحاناً يعودُ له *** وقبلنا سَبَّحَ الجودي والجَمَدُ
ويقال : إن الجودي من جبال الجنة ؛ فلهذا استوت عليه . ويقال : أكرم الله ثلاثة جبال بثلاثة نفر : الجودي بنوح ، وطور سيناء بموسى ، وحراء بمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
[ مسألة ] : لما تواضع الجودي وخضع عز ، ولما ارتفع غيره واستعلى ذل ، وهذه سنة الله في خلقه ، يرفع من تخشع ، ويضع من ترفع ، ولقد أحسن القائل :
وإذا تذلَّلتِ الرقاب تَخَشُّعًا *** منا إليكَ فعزُّها في ذُلِّهَا
وفي صحيح البخاري ومسلم عن أنس بن مالك قال : كانت ناقة للنبي صلى الله عليه وسلم تسمى العضباء ، وكانت لا تسبق ، فجاء أعرابي على قعود فسبقها ، فاشتد ذلك على المسلمين ، وقالوا : سبقت العضباء ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن حقا على الله ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه ) . وخرج مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ) . وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد ) . خرجه البخاري .
مسألة : نذكر فيها من قصة نوح مع قومه وبعض ذكر السفينة . ذكر الحافظ ابن عساكر في التاريخ له عن الحسن : أن نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل{[8706]} الأرض ، فذلك قوله تعالى : " ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما{[8707]} " [ العنكبوت : 14 ] وكان قد كثرت فيهم المعاصي ، وكثرت الجبابرة وعتوا عتوا كبيرا ، وكان نوح يدعوهم ليلا ونهارا ، سرا وعلانية ، وكان صبورا حليما ، ولم يلق أحد من الأنبياء أشد مما لقي نوح ، فكانوا يدخلون عليه فيخنقونه حتى يترك وَقِيذاً ، ويضربونه في المجالس ويطرد ، وكان لا يدعو على من يصنع به بل يدعوهم ويقول : " رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " فكان لا يزيدهم ذلك إلا فرارا منه ، حتى أنه ليكلم الرجل منهم فيلف رأسه بثوبه ، ويجعل أصبعيه في أذنيه لكيلا يسمع شيئا من كلامه ، فذلك قوله تعالى : " وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم{[8708]} " [ نوح : 7 ] . وقال مجاهد وعبيد بن عمير : كانوا يضربونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال : " رب اغفر لقومي فأنهم لا يعلمون " . وقال ابن عباس : ( إن نوحا كان يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته يرون أنه قد مات ، ثم يخرج فيدعوهم ، حتى إذا يئس من إيمان قومه جاءه رجل معه ابنه وهو يتوكأ على عصا ، فقال : يا بني انظر هذا الشيخ لا يغرنك ، قال : يا أبت أمكني من العصا ، فأمكنه{[8709]} فأخذ العصا ثم قال : ضعني في الأرض فوضعه ، فمشى إليه بالعصا فضربه فشجه شَجَّة مُوضِحة في رأسه ، وسالت الدماء ، فقال نوح : " رب قد ترى ما يفعل بي عبادك فإن يك لك في عبادك خيرية فاهدهم وإن يك غير ذلك فصبرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين " فأوحى الله إليه وآيسه من إيمان قومه ، وأخبره أنه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن ) ، قال : " وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون " ، أي لا تحزن عليهم . " واصنع الفلك بأعيننا ووحينا " قال : يا رب وأين الخشب ؟ قال : اغرس الشجر . قال : فغرس الساج عشرين سنة ، وكف عن الدعاء ، وكفوا عن الاستهزاء . وكانوا يسخرون منه ، فلما أدرك الشجر أمره ربه فقطعها وجففها : فقال : يا رب كيف اتخذ هذا البيت ؟ قال : اجعله على ثلاثة صور ، رأسه كرأس الديك ، وجؤجؤه كجؤجؤ الطير ، وذنبه كذنب الديك ، واجعلها مطبقة واجعل لها أبوابا في جنبها ، وشدها بدسر ، يعني مسامير الحديد . وبعث الله جبريل فعلمه صنعة السفينة ، وجعلت يده لا تخطئ . قال ابن عباس : ( كانت دار نوح عليه السلام دمشق ، وأنشأ سفينته من خشب لبنان بين زمزم وبين الركن والمقام ) ، فلما كملت حمل فيها السباع والدواب في الباب الأول ، وجعل الوحش والطير في الباب الثاني ، وأطبق عليهما وجعل أولاد آدم أربعين رجلا وأربعين امرأة في الباب الأعلى وأطبق عليهم ، وجعل الذر معه في الباب الأعلى لضعفها ألا تطأها الدواب . قال الزهري : إن الله عز وجل بعث ريحا فحمل إليه من كل زوجين اثنين ، من السباع والطير والوحش والبهائم . وقال جعفر بن محمد : بعث الله جبريل فحشرهم ، فجعل يضرب بيديه على الزوجين فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى ، فيدخله السفينة وقال زيد بن ثابت : استصعبت على نوح الماعزة أن تدخل السفينة ، فدفعها بيده في ذنبها ، فمن ثم انكسر ذنبها فصار معقوفا وبدا حياؤها . ومضت النعجة حتى دخلت فمسح على ذنبها فستر حياؤها ، قال إسحاق : أخبرنا رجل من أهل العلم أن نوحا حمل أهل السفينة ، وجعل فيها من كل زوجين اثنين ، وحمل من الهدهد زوجين ، فماتت الهدهدة في السفينة قبل أن تظهر الأرض . فحملها الهدهد فطاف بها الدنيا ليصيب لها مكانا ، فلم يجد طينا ولا ترابا ، فرحمه ربه فحفر لها في قفاه قبرا فدفنها فيه ، فذلك الريش الناتئ في قفا الهدهد موضع القبر ، فلذلك نتأت أقفية الهداهد . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كان حمل نوح معه في السفينة من جميع الشجر وكانت العجوة من الجنة مع نوح في السفينة ) . وذكر صاحب كتاب ( العروس ) وغيره : أن نوحا عليه السلام لما أراد أن يبعث من يأتيه بخبر الأرض قال الدجاج : أنا ، فأخذها وختم على جناحها وقال لها : أنت مختومة بخاتمي لا تطيري أبدا ، أنت ينتفع بك أمتي ، فبعث الغراب فأصاب جيفة فوقع عليها فاحتبس فلعنه ، ولذلك يقتل في الحل{[8710]} والحرم ودعا عليه بالخوف ، فلذلك لا يألف البيوت . وبعث الحمامة فلم تجد قرارا فوقعت على شجرة بأرض سيناء{[8711]} فحملت ورقة زيتونة ، ورجعت إلى نوح فعلم أنها لم تستمكن من الأرض ، ثم بعثها بعد ذلك فطارت حتى وقعت بوادي الحرم ، فإذا الماء قد نضب من مواضع الكعبة ، وكانت طينتها حمراء ، فاختضبت رجلاها ، ثم جاءت إلى نوح عليه السلام فقالت : بشراي منك أن تهب لي الطوق في عنقي ، والخضاب في رجلي ، وأسكن الحرم ، فمسح يده على عنقها وطوقها ، ووهب لها الحمرة في رجليها ، ودعا لها ولذريتها بالبركة . وذكر الثعلبي أنه بعث بعد الغراب التُّدْرُج{[8712]} وكان من جنس الدجاج ، وقال : إياك أن تعتذر ، فأصاب الخضرة والفرجة فلم يرجع ، وأخذ أولاده عنده رهنا إلى يوم القيامة .