التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ} (43)

فصلت جملة { قال سآوي } وجملة { قال لا عاصم } لوقوعهما في سياق المحاورة .

وقوله : { سآوي إلى جبل } قد كان قبل أن يبلغ الماء أعالي الجبال . و ( آوي ) : أنزل ، ومصدره : الأوِيّ بضم الهمزة وكسر الواو وتشديد الياء .

وجملة { يعصمني من الماء } إمّا صفة ل ( جبل ) أي جبل عال ، وإمّا استيناف بياني ، لأنّه استشعر أن نوحاً عليه السّلام يسأل لماذا يأوي إلى جبل إذ ابنه قد سمعه حين ينذر الناس بطوفان عظيم فظن الابن أن أرفع الجبال لا يَبلغه الماء ، وأنّ أباه ما أراد إلا بلوغ الماء إلى غالب المرتفعات دون الجبال الشامخات .

ولذلك أجابه نوح عليه السّلام بأنّه { لا عاصم اليوم من أمر الله } ، أي مأموره وهو الطوفان { إلاّ مَن رحم } .

واستثناء { مَن رحم } من مفعول يتضمنه ( عَاصم ) إذ العاصم يَقتضي معصوماً وهو المستثنى منه . وأراد ب { من رحم } من قدّر الله له النجاة من الغرق برحمته . وهذا التقدير مظهره الوحي بصنع الفلك والإرشاد إلى كيفية ركوبه .

والموج : اسم جمع مَوجة ، وهي : مقادير من مَاء البحر أو النهر تتصاعد على سطح الماء من اضطراب الماء بسبب شدة رياح ، أو تزايد مياه تنصبُّ فيه ، ويقال : مَاجَ البحر إذا اضطرب ماؤه . وقالوا : مَاجَ القوم ، تشبيهاً لاختلاط النّاس واضطرابهم باضطراب البحر .

وحيلولة الموج بينهما في آخر المحاورة يشير إلى سرعة فيضان الماء في حين المحاولة .

وأفاد قوله : { فكان من المغرقين } أنه غرق وغرق معه من توعّده بالغرق ، فهو إيجاز بديع .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ} (43)

قوله تعالى : " قال سآوي " أي ارجع وانضم . " إلى جبل يعصمني " أي يمنعني " من الماء " فلا أغرق . " قال لا عاصم اليوم من أمر الله " أي لا مانع ، فإنه يوم حق فيه العذاب على الكفار . وانتصب " عاصم " على التبرئة . ويجوز " لا عاصم اليوم " تكون لا بمعني ليس . " إلا من رحم " في موضع نصب استثناء ليس من الأول ، أي لكن من رحمه الله فهو يعصمه ، قاله الزجاج . ويجوز أن يكون في موضع رفع ، على أن عاصما بمعنى معصوم ، مثل : " ماء دافق{[8698]} " [ الطارق : 6 ] أي مدفوق ، فالاستثناء . على هذا متصل ، قال الشاعر :

بطيءُ القيام رخيمُ الكلا *** م أمْسَى فؤادي به فَاتِنَا

أي مفتونا . وقال آخر{[8699]} :

دع المكارم لا تنهض لبغيتها *** واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسِي

أي المطعوم المكسو . قال النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه أن تكون " من " في موضع رفع ، بمعنى لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الراحم ، أي إلا الله . وهذا اختيار الطبري . ويحسن هذا أنك لم تجعل عاصما بمعنى معصوم فتخرجه من بابه ، ولا " إنه " بمعنى " لكن " " وحال بينهما الموج " يعني بين نوح وابنه . " فكان من المغرقين " قيل : إنه كان راكبا على فرس قد بطر بنفسه ، وأعجب بها ، فلما رأى الماء جاء قال : يا أبت فار التنور ، فقال له أبوه : " يا بني اركب معنا " فما استتم المراجعة حتى جاءت موجة عظيمة فالتقمته هو وفرسه ، وحيل بينه وبين نوح فغرق . وقيل : إنه اتخذ لنفسه بيتا من زجاج يتحصن فيه من الماء ، فلما فار التنور دخل فيه وأقفله{[8700]} عليه من داخل ، فلم يزل يتغوط فيه ويبول حتى غرق بذلك . وقيل : إن الجبل الذي أوى إليه " طور سيناء " .


[8698]:راجع ج 20 ص 4.
[8699]:البيت للحطيئة يهجو الزبرقان.
[8700]:في ع: أغلقه.