التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ} (49)

لما ذُكر في الآية السابقة السجود القسري ذُكر بعده هنا سجود آخر بعضه اختيار وفي بعضه شبه اختيار .

وتقديم المجرور على فعله مؤذن بالحصْر ، أي سجد لله لا لغيره ما في السماوات وما في الأرض ، وهو تعريض بالمشركين إذ يسجدون للأصنام .

وأوثرت { ما } الموصولة دون ( من ) تغليباً لكثرة غير العقلاء .

و { من دابة } بيان ل { ما في الأرض } ، إذ الدابة ما يدبّ على الأرض غير الإنسان .

ومعنى سجود الدواب لله أن الله جعل في تفكيرها الإلهامي التذاذها بوجودها وبما هي فيه من المرح والأكل والشرب ، وتطلب الدفع عن نفسها من المتغلّب ومن العوارض بالمدافعة أو بالتوقّي ، ونحو ذلك من الملائمات . فحالها بذلك كحال شاكر تتيسر تلك الملائمات لها ، وإنما تيسيرها لها ممن فطرها . وقد تصحب أحوال تنعّمها حركاتٌ تشبه إيماء الشاكر المقارب للسجود ، ولعلّ من حركاتها ما لا يشعر به الناس لخفائه وجهلهم بأوقاته ، وإطلاقُ السجود على هذا مجاز .

ويشمل { ما في السموات } مخلوقاتتٍ غير الملائكة ، مثل الأرواح ، أو يراد بالسماوات الأجواء فيراد بما فيها الطيُور والفراش .

وفي ذكر أشرف المخلوقات وأقلّها تعريض بذمّ من نزل من البشر عن مرتبة الدواب في كفران الخالق ، وبمدح من شابَه من البشر حال الملائكة .

وفي جعل الدوابّ والملائكة معمولين ل { يسجد } استعمال للفظ في حقيقته ومجازه .

ووصف الملائكة بأنهم { لا يستكبرون } تعريض ببعد المشركين عن أوج تلك المرتبة الملكية . والجملة حال من { الملائكة } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ} (49)

قوله تعالى : " ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة " أي من كل ما يدب على الأرض . " والملائكة " يعني الملائكة الذين في الأرض ، وإنما أفردهم بالذكر لاختصاصهم بشرف المنزلة ، فميزهم من صفة الدبيب بالذكر وإن دخلوا فيها ، كقوله : " فيهما فاكهة ونخل ورمان{[9889]} " [ الرحمن : 68 ] . وقيل : لخروجهم من جملة ما يدب لما جعل الله لهم من الأجنحة ، فلم يدخلوا في الجملة فلذلك ذكروا . وقيل : أراد " ولله يسجد من في السماوات " من الملائكة والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب ، " وما في الأرض من دابة " وتسجد ملائكة الأرض . " وهم لا يستكبرون " عن عبادة ربهم . وهذا رد على قريش حيث زعموا أن الملائكة بنات الله .


[9889]:راجع ج 17 ص 185.