التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ} (47)

والتخوّف في اللغة يأتي مصدر تخوّف القاصر بمعنى خاف ومصدر تخوّف المتعدّي بمعنى تنقّص ، وهذا الثاني لغة هذيل ، وهي من اللغات الفصيحة التي جاء بها القرآن .

فللآية معنيان : إما أن يكون المعنى يأخذهم وهم في حالة توقّع نزول العذاب بأن يريهم مقدماته مثل الرعد قبل الصّواعق ، وإما أن يكون المعنى يأخذهم وهم في حالة تنقّص من قبل أن يتنقّصهم قبل الأخذ بأن يكثر فيهم الموتان والفقر والقحط .

وحرف { على } مستعمل في التمكّن على كلا المعنيين ، ومحل المجرور حال من ضمير النصب في { يأخذهم } وهو كقولهم : أخذه على غرّة .

روى الزمخشري وابن عطية يزيد أحدهما على الآخر : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خفي عليه معنى التخوّف في هذه الآية وأراد أن يكتب إلى الأمصار ، وأنه سأل الناس وهو على المنبر : ما تقولون فيها ؟ فقام شيخ من هذيل فقال : هذه لغتنا . التخوّف : التنقّص . قال : فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ قال : نعم ، قال شاعرنا :

تخوّف الرحل منها تامكا قردا *** كما تخوّف عودَ النبعة السفن{[257]}

فقال عمر رضي الله عنه : « أيها الناس عليكم بديوانكم لا يضلّ ، قالوا وما ديواننا ؟ قال شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم » .

وتفرّع { فإن ربكم لرؤوف رحيم } على الجمل الماضية تفريع العلّة على المعلّل . وحرف ( إن ) هنا مفيد للتعليل ومغن عن فاء التفريع كما بيّنه عبد القاهر ، فهي مؤكدة لما أفادته الفاء . والتّعليل هنا لما فهم من مجموع المذكورات في الآية من أنه تعالى قادر على تعجيل هلاكهم وأنه أمهلهم حتى نسوا بأس الله فصاروا كالآمنين منه بحيث يستفهم عنهم : أهم آمنون من ذلك أم لا .


[257]:-  قلت: نسب في الكشاف هذا البيت إلى زهير وكذلك في الأساس وليس زهير بهذلي، ونسبه صاحب اللسان إلى ابن مقبل وليس ابن مقبل بهذلي وكيف وقد قال الشيخ الهذلي لعمر قال اعرنا فهو هذلي ووقع في تفسير البيضاوي أن الشيخ الهذلي أجاب عمر بقوله نعم« قال شاعرنا أبو كبير» وقال الخفاجي البيت من قصيدة له مذكورة في شعر هذيل فنسبة البيت إلى أبي كبير أثبت. وهذا البيت في وصف راحلة أثر الرحل في سنامها فتنقص من وبره. والتامك: بكسر الميم السنام المشرف. والقرد بكسر الراد المتبلد الوبر. والنبعة قصبة شجر النبع تتخذ منه القسي. والسفن بالتحريك البرد.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ} (47)

" أو يأخذهم على تخوف " قال ابن عباس ومجاهد وغيرهم : أي على تنقص من أموالهم ومواشيهم وزروعهم . وكذا قال ابن الأعرابي : أي على تنقص من الأموال والأنفس والثمرات حتى أهلكهم كلهم . وقال الضحاك : هو من الخوف ، المعنى : يأخذ طائفة ويدع طائفة ، فتخاف الباقية أن ينزل بها ما نزل بصاحبتها . وقال الحسن : " على تخوف " أن يأخذ القرية فتخافه القرية الأخرى ، وهذا هو معنى القول الذي قبله بعينه ، وهما راجعان إلى المعنى الأول ، وأن التخوف التنقص ، تخوفه تنقصه ، وتخوفه الدهر وتخونه - بالفاء والنون – بمعنى ، يقال : تخونني فلان حقي إذا تنقصك . قال ذو الرمة :

لا ، بل هو الشوقُ من دارٍ تخَوَّنها *** مَرًّا سحابٌ ومرًّا بارحٌ تَرِبُ{[9876]}

وقال لبيد :

تخَوَّنَها نزولي وارتحالي{[9877]}

أي تنقص لحمها وشحمها . وقال الهيثم بن عدي : التخوف " بالفاء " التنقص ، لغة لأزد شنوءة . وأنشد :

تخوَّف غدرُهم مالي وأهدى*** سلاسلَ في الحلوق لها صليل

وقال سعيد بن المسيب : بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال : يا أيها الناس ، ما تقولون في قول الله عز وجل : " أو يأخذهم على تخوف " فسكت الناس ، فقال شيخ من بني هذيل : هي لغتنا يا أمير المؤمنين ، التخوف التنقص . فخرج رجل فقال : يا فلان ، ما فعل دينك ؟ قال : تخوفته ، أي تنقصته ، فرجع فأخبر عمر فقال عمر : أتعرف العرب ذلك في أشعارهم ؟ قال نعم ، قال شاعرنا أبو كبير{[9878]} الهذلي يصف ناقة تنقص السير سنامها بعد تَمْكه واكتنازه :

تخوّف الرحلُ منها تامِكًا قَرِدًا *** كما تخوَّف عودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ{[9879]}

فقال عمر : يا أيها الناس ، عليكم بديوانكم شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم . تَمَك السنام يَتْمِكُ تَمْكًا ، أي طال وارتفع ، فهو تامك . والسفن والمسفن ما يُنجر به الخشب . وقال الليث بن سعد : " على تخوف " على عجل . وقال : على تقريع بما قدموه من ذنوبهم ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا . وقال قتادة : " على تخوف " أن يعاقب أو يتجاوز . " فإن ربكم لرؤوف رحيم " أي لا يعاجل بل يمهل .


[9876]:البارح: الريح الحارة في الصيف التي فيها تراب كثير.
[9877]:هذا عجز البيت، وصدره كما في اللسان: عذافرة تقمص بالرُّدافَى
[9878]:كذا في جميع الأصول، والذي في اللسان أنه لابن مقبل وقيل: لذي الرمة.
[9879]:القرد: معناه هنا: المتراكم بعضه فوق بعض من السمن. والنبعة: شجرة من أشجار الجبال يتخذ منها القسي.