التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا} (14)

الربط على القلب مستعار إلى تثبيت الإيمان وعدم التردد فيه ، فلما شاع إطلاق القلب على الاعتقاد استعير الربط عليه للتثبيت على عقده . كما قال تعالى : { لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين } [ القصص : 10 ] . ومنه قولهم : هو رابط الجأش . وفي ضده يقال : اضطرب قلبه ، وقال تعالى : { وبلغت القلوب الحناجر } [ الأحزاب : 10 ] . استعير الاضطراب ونحوه للتردد والشك في حصول شيء .

وتعدية فعل { ربطنا } بحرف الاستعلاء للمبالغة في الشد لأن حرف الاستعلاء مستعار لمعنى التمكن من الفعل .

و { إذ قاموا } ظرف للربط ، أي كان الربط في وقت في قيامهم ، أي كان ذلك الخاطر الذي قاموا به مقارناً لربط الله على قلوبهم ، أي لولا ذلك لما أقدموا على مثل ذلك العمل وذلك القول .

والقيام يحتمل أن يكون حقيقياً ، بأن وقفوا بين يدي ملك الروم المشرك ، أو وقفوا في مجامع قومهم خطباء معلنين فساد عقيدة الشرك . ويحتمل أن يكون القيام مستعاراً للإقدام والجَسْر على عمل عظيم ، وللاهتمام بالعمل أو القول ، تشبيهاً للاهتمام بقيام الشخص من قعود للإقبال على عمل ما ، كقول النابغة :

بأن حِصْناً وحياً من بني أسد *** قَاموا فقالوا حِمانا غيرُ مقروب

فليس في ذلك قيام بعد قعود بل قد يكونون قالوه وهم قعود .

وعرفوا الله بطريق الإضافة إلى ضميرهم : إما لأنهم عُرفوا من قبل بأنهم عبدوا الله المنزه عن الجسم وخصائص المحدثات ، وإما لأن الله لم يكن معروفاً باسم عَلَم عند أولئك المشركين الذين يزعمون أن رب الأرباب هو ( جوبتير ) الممثل في كوكب المشتري ، فلم يكن طريق لتعريفهم الإله الحق إلا طريق الإضافة . وقريب منه ما حكاه الله عن قول موسى لفرعون بقوله تعالى : { قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين } [ الشعراء : 23 24 ] .

هذا إن كان القول مَسوقاً إلى قومهم المشركين قصدوا به إعلان إيمانهم بين قومهم وإظهارَ عدم الاكتراث بتهديد الملك وقومه ، فيكون موقفهم هذا كموقف بني إسرائيل حين قالوا لفرعون { لا ضيْر إنا إلى ربنا منقلبون } [ الشعراء : 50 ] ، أو قصدوا به موعظة قومهم بدون مواجهةِ خطابهم استنزالاً لطائرهم على طريقة التعريض من باب ( إيّاككِ أعني فاسمعي يا جارة ) ، واستقصاءً لتبليغ الحق إليهم . وهذا هو الأظهر لحمل القيام على حقيقته ، ولأن القول نُسب إلى ضمير جمعهم دون بعضهم ، بخلاف الإسناد في قوله : { قال قائل منهم كم لبثتم } [ الكهف : 19 ] تقتضي أن يكون المقول له ذلك فريقاً آخر ، ولظهور قصد الاحتجاج من مقالهم ، ويكون قوله : رب السماوات والأرض } خبر المبتدأ إعلاماً لقومهم بهذه الحقيقة وتكون جملة { لن ندعوا } استئنافاً . وإن كان هذا القول قد جرى بينهم في خاصتهم تمهيداً لقوله : { وإذ اعتزلتموهم } [ الكهف : 16 ] الخ . فالتعريف بالإضافة لأنها أخطر طريق بينهم ، ولأنها تتضمن تشريفاً لأنفسهم ، ويكون قوله : رب السماوات والأرض } صفةً كاشفة ، وجملة { لن ندعوا من دونه إلهاً } خبرَ المبتدأ .

وذكرو الدعاء دون العبادة لأن الدعاء يشمل الأقوال كلها من إجراء وصف الإلهية على غير الله ومن نداء غير الله عند السؤال .

وجملة { لقد قلنا إذاً شططاً } استئناف بياني لما أفاده توكيد النفي بِ ( لن ) . وإن وجود حرف الجواب في خِلال الجملة ينادي على كونها متفرعة على التي قبلها . واللام للقسم .

والشطط : الإفراط في مخالفة الحق والصواب . وهو مشتق من الشط ، وهو البعد عن الموطن لما في البعد عنه من كراهية النفوس ، فاستعير للإفراط في شيء مكروه ، أي لقد قلنا قولاً شططاً ، وهو نسبة الإلهية إلى من دون الله .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا} (14)

قوله تعالى : " وربطنا على قلوبهم " عبارة عن شدة عزم وقوة صبر ، أعطاها الله لهم حتى قالوا بين يدي الكفار : " ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا " . ولما كان الفزع وخور النفس يشبه بالتناسب الانحلال حسن في شدة النفس وقوة التصميم أن يشبه الربط ، ومنه يقال : فلان رابط الجأش ، إذا كان لا تفرق نفسه عند الفزع والحرب وغيرها . ومنه الربط على قلب أم موسى . وقوله تعالى : " وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام " [ الأنفال : 11 ] وقد تقدم{[10451]} .

قوله تعالى : " إذ قاموا فقالوا " فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى :{ إذ قاموا فقالوا } يحتمل ثلاثة معان : أحدها : أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر - كما تقدم ، وهو مقام يحتاج إلى الربط على القلب حيث خالفوا دينه ، ورفضوا في ذات الله هيبته . والمعنى الثاني فيما قيل : إنهم أولاد عظماء تلك المدينة ، فخرجوا واجتمعوا وراء تلك المدينة من غير ميعاد ؛ فقال أسنهم : إني أجد في نفسي أن ربي رب السماوات والأرض ، فقالوا ونحن كذلك نجد في أنفسنا . فقاموا جميعا فقالوا : " ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا " . أي لئن دعونا إلها غيره فقد قلنا إذا جورا ومحالا . والمعنى الثالث : أن يعبر بالقيام ، عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله تعالى ومنابذة الناس ، كما تقول : قام فلان إلى أمر كذا إذا عزم عليه بغاية الجد .

الثانية : قال ابن عطية : تعلقت الصوفية في القيام والقول بقول " إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض " .

قلت : وهذا تعلق غير صحيح هؤلاء قاموا فذكروا الله على هدايته ، وشكروا لما أولاهم من نعمه ونعمته ، ثم هاموا على وجوههم منقطعين إلى ربهم خائفين من قومهم ، وهذه سنة الله في الرسل والأنبياء والفضلاء الأولياء . أين هذا من ضرب الأرض بالأقدام والرقص بالأكمام وخاصة في هذه الأزمان عند سماع الأصوات الحسان من المرد والنسوان ، هيهات بينهما والله ما بين الأرض والسماء . ثم هذا حرام عند جماعة العلماء ، على ما يأتي بيانه في سورة لقمان إن شاء الله تعالى{[10452]} . وقد تقدم في " سبحان " عند قوله : " ولا تمش في الأرض مرحا " {[10453]} [ الإسراء : 37 ] ما فيه كفاية . وقال الإمام أبو بكر الطَّرطوشي وسئل عن مذهب الصوفية فقال : وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري ؛ لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون ، فهو دين الكفار وعباد العجل ، على ما يأتي .


[10451]:راجع جـ 7 ص 271.
[10452]:راجع جـ 14 ص 69 فما بعد.
[10453]:راجع ص 260 من هذا الجزء.