التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ} (77)

افتتاح الجملة بحرف التحقيق للاهتمام بالقصة ليلقي السامعون إليها أذهانهم . وتغيير الأسلوب في ابتداء هذه الجملة مؤذن بأن قصصاً طويت بين ذكر القصتين ، فلو اقتصر على حرف العطف لتوهّم أن حكاية القصة الأولى لم تزل متصلة فتُوهم أن الأمر بالخروج وقع موالياً لانتهاء مَحْضَر السحرة ، مع أن بين ذلك قصصاً كثيرة ذُكرت في سورة الأعراف وغيرها ، فإن الخروج وقع بعد ظهور آيات كثيرة لإرهاب فرعون كلما همّ بإطلاق بني إسرائيل للخروج . ثمّ نكَل إلى أن أذن لهم بأخَرَة فخرجوا ثمّ ندم على ذلك فأتبعهم .

فجملة { ولقَدْ أوْحَيْنَا إلى موسى } ابتدائية ، والواو عاطفة قصة على قصة وليست عاطفة بعض أجزاء قصة على بعض آخر .

و { اسْرِ } أمرٌ من السُرَى بضم السين وفتح الراء وتقدّم في سورة الإسراء أنه يقال : سَرَى وأسرى . وإنما أمره الله بذلك تجنّباً لنكول فرعون عليهم . والإضافة في قوله { بِعِبَادي } لتشريفهم وتقريبهم والإيماءِ إلى تخليصهم من استعباد القبط وأنهم ليسُوا عبيداً لفرعون .

والضرب : هنا بمعنى الجَعْل كقولهم : ضَرَب الذهبَ دنانير . وفي الحديث : " واضربوا إليّ معكم بسهم " ، وليس هو كقوله { أن اضْرِب بعصاك البحر } [ الشعراء : 63 ] لأنّ الضرب هنالك متعد إلى البحر وهنا نصَب طريقا .

واليَبَس بفتح المثناة والموحدة . ويقال : بسكون الموحدة : وصف بمعنى اليابس . وأصله مصدر كالعَدَم والعُدْم ، وصف به للمبالغة ولذلك لا يؤنث فقالوا : ناقة يَبَس إذا جفّ لبنها .

و { لا تخافُ } مرفوع في قراءة الجمهور ، وعدٌ لموسى اقتصر على وعده دون بقية قومه لأنه قدوتهم فإذا لم يخف هو تشجعوا وقوي يقينهم ، فهو خبر مراد به البُشرى . والجملة في موضع الحال .

وقرأ حمزة وحده لا تَخَفْ على جواب الأمر الذي في قوله فاضرب ، وكلمة { تَخَفْ } مكتوبة في المصاحف بدون ألف لتكون قراءتها بالوجهين لكثرة نظائر هذه الكلمة ذات الألف في وسطها في رسم المصحف ويسميه المؤدبون « المحذوفَ » .

وأما قوله { وَلاَ تخشى } فالإجماع على قراءته بألف في آخره . فوجه قراءة حمزة فيها مع أنّه قرأ بجزم المعطوف عليه أن تكون الألف للإطلاق لأجل الفواصل مثل ألف { فأضلونا السبيلا } [ الأحزاب : 67 ] وألف { وتظنون بالله الظُنونا } [ الأحزاب : 10 ] ، أو أن تكون الواو في قوله { ولا تخشى للاستئناف لا للعطف .

و الدّرَك بفتحتين اسم مصدر الإدراك ، أي لا تخاف أن يدركك فرعون .

والخشية : شدّة الخوف . وحذف مفعوله لإفادة العموم ، أي لا تخشى شيئاً ، وهو عامّ مراد به الخصوص ، أي لا تخشى شيئاً مما يخشى من العدوّ ولا من الغرق .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ} (77)

قوله تعالى : " ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا . أي يابسا لا طين فيه ولا ماء ؛ وقد مضى في " البقرة " {[11132]} . " لا تخاف دركا ولا تخشى " أي لحاقا من فرعون وجنوده . " ولا تخشى " . قال ابن جريج : قال أصحاب موسى : هذا فرعون قد أدركنا ، وهذا البحر قد غشينا ، فأنزل الله تعالى " لا تخاف دركا ولا تخشى " أي لا تخاف دركا من فرعون ولا تخشى غرقا من البحر أن يمسك إن غشيك . وقرأ حمزة " لا تخف " على أنه جواب الأمر . التقدير إن تضرب لهم طريقا في البحر لا تخف . و " لا تخشى " مستأنف على تقدير : ولا أنت تخشى . أو يكون مجزوما والألف مشبعة من فتحة ؛ كقوله : " فأضلونا السبيلا " {[11133]} [ الأحزاب : 67 ] أو يكون على حد قول الشاعر{[11134]} :

كأن لم تَرَيْ قبلي أسيرا يمانيا

على تقدير حذف الحركة كما تحذف حركة الصحيح . وهذا مذهب الفراء . وقال آخر :

هجوت زَبَّانَ ثم جئتَ معتذرا *** من هَجْوِ زبَّانَ لم تَهْجُو ولم تَدَعِ

وقال آخر{[11135]}

ألم يأتِيك والأنباء تنمي *** بما لاقت لبونُ بني زياد

قال النحاس : وهذا من أقبح الغلط أن يحمل كتاب الله عز وجل على الشذوذ من الشعر ، وأيضا فإن الذي جاء به من الشعر لا يشبه من الآية شيئا ؛ لأن الياء والواو مخالفتان للألف ؛ لأنهما تتحركان والألف لا تتحرك ، وللشاعر إذا اضطر أن يقدرهما متحركتين ثم تحذف الحركة للجزم ، وهذا محال في الألف ، والقراءة الأولى أبين لأن بعده " ولا تخشى " مجمع عليه بلا جزم ، وفيها ثلاث تقديرات : الأول أن يكون " لا تخاف " في موضع الحال من المخاطب ، التقدير فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا غير خائف ولا خاش . الثاني : أن يكون في موضع النعت للطريق ؛ لأنه معطوف على يبس الذي هو صفة ، ويكون التقدير لا تخاف فيه ، فحذف الراجع من الصفة . والثالث : أن يكون منقطعا خبر ابتداء محذوف تقديره وأنت لا تخاف .


[11132]:راجع جـ 1 ص 389 فما بعد.
[11133]:من ب و جـ و ز وط وك وي.
[11134]:هو عبد يغوث بن وقاص من شعراء الجاهلية. وصدر البيت: *وتضحك مني شيخة عبشمية *
[11135]:البيت من أبيات لقيس بن زهير بن جذيمة بن رواحة العبسى، وكان قد نشأت بينه وبين الربيع بن زياد شحنا في شأن درع فاستاق إبل الربيع وباعها بمكة من عبد الله بن جدعان القرشي.