الغضب : انفعال للنفس وهيجان ينشأ عن إدراك ما يسوؤها ويسخطها دون خوف ، والوصف منه غَضبان .
والأسف : انفعال للنفس ينشأ من إدراك ما يحزنها وما تكرهه مع انكسار الخاطر . والوصف منه أسِف . وقد اجتمع الانفعالان في نفس موسى لأنه يسوؤه وقوع ذلك في أمته وهو لا يخافهم ، فانفعاله المتعلّق بحالهم غضب ، وهو أيضاً يحزنه وقوع ذلك وهو في مناجاة الله تعالى التي كان يأمل أن تكون سبب رضى الله عن قومه فإذا بهم أتوا بما لا يرضي الله فقد انكسر خاطره بين يديه ربّه .
وهذا ابتداء وصف قيام موسى في جماعة قومه وفيهم هارون وفيهم السامريّ ، وهو يقرع أسماعهم بزواجر وعظه ، فابتدأ بخطاب قومه كلهم ، وقد علم أن هارون لا يكون مشايعاً لهم ، فلذلك ابتدأ بخطاب قومه ثمّ وجّه الخطاب إلى هارون بقوله { قال يا هارون ما منعك } [ طه : 92 ] .
وجملة { قَالَ ياقوم أَلَم } مستأنفة بيانية .
وافتتاح الخطاب ب { ياقوم } تمهيدٌ لِلّوم لأن انجرار الأذى للرجل من قومه أحق في توجيه الملام عليهم ، وذلك قوله { فَأَخْلَفْتُم مَوْعِدِي } .
والاستفهام في { أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ } إنكاري ؛ نزِّلوا منزلة من زعم أن الله لم يعدهم وعداً حسناً لأنّهم أجروا أعمالهم على حال من يزعم ذلك فأنكر عليهم زعمهم . ويجوز أن يكون تقريرياً ، وشأنه أن يكون على فرض النّفي كما تقدم غير مرّة .
والوعْدُ الحسن هو : وعده مُوسى بإنزال التّوارة ، ومواعدته ثلاثين ليلةً للمناجاة ، وقد أعلمهم بذلك ، فهو وعد لقومه لأنّ ذلك لصلاحهم ، ولأنّ الله وعدهم بأن يكون ناصراً لهم على عدوّهم وهادياً لهم في طريقهم ، وهو المحكي في قوله { وواعدناكم جانب الطور الأيمن } [ طه : 80 ] .
والاستفهام في { أفَطَالَ عَلَيْكُم العَهدُ } مُفرّع على قوله { ألَمْ يَعِدكُم رَبُّكُمْ } ، وهو استفهام إنكاري ، أي ليس العهد بوعد الله إياكم بعيداً . والمراد بطول العهد طول المدّة ، أي بُعدها ، أي لم يبعد زمن وعد ربّكم إياكم حتى يكون لكم يأس من الوفاء فتكفروا وتكذّبوا مَن بلغكم الوعد وتعبدوا رباً غير الذي دعاكم إليه مَن بلغكم الوعد فتكون لكم شبهة عذر في الإعْراض عن عبادة الله ونسيان عهده .
والعهد : معرفة الشيء وتذكّره ، وهو مصدر يجوز أن يكون أطلق على المفعول كإطلاق الخلق على المخلوق ، أي طال المعهود لكم وبعُد زمنه حتى نسيتموه وعملتم بخلافه . ويجوز أن يبقى على أصل المصدر وهو عهدهم الله على الامتثال والعمل بالشريعة . وتقدم في قوله تعالى : { الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } وقوله { وأوفوا بعهدي } في [ سورة البقرة : 27 و40 ] .
و { أَم } إضراب إبطالي . والاستفهام المقدّر بعد { أَمْ } في قوله { أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم } [ طه : 86 ] إنكاري أيضاً ، إذ التقدير : بل أردتم أن يحل عليكم غضب ، فلا يكون كفركم إذن إلا إلقاءً بأنفسكم في غضب الله كحال من يحب أن يحِل عليه غضب من الله .
ففي قوله { أَرَدْتُمْ أن يَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ } استعارة تمثيلية ، إذ شبه حالهم في ارتكابهم أسباب حلول غضب الله عليهم بدون داع إلى ذلك بحال من يحبّ حلول غضب الله عليه ؛ إذ الحب لا سبب له .
وقوله { فَأَخْلَفْتُم مَوْعِدِي } تفريع على الاستفهام الإنكاري الثاني . ومعنى { مَوْعِدِي } هو وعد الله على لسانه ، فإضافته إلى ضميره لأنه الواسطة فيه .
قوله تعالى : " فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا " حال وقد مضى في " الأعراف " {[11148]} . " قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا " وعدهم عز وجل الجنة إذا أقاموا على طاعته ، ووعدهم أنه يسمعهم كلامه ، في التوراة على لسان موسى ؛ ليعملوا بما فيها فيستحقوا ثواب عملهم . وقيل : وعدهم النصر والظفر . وقيل : وعده قوله : " وإني لغفار لمن تاب وآمن " الآية . " أفطال عليكم العهد " أي أفنسيتم ، كما قيل ، والشيء قد ينسى لطول العهد . " أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم " " يحل " أي يجب وينزل . والغضب العقوبة والنقمة . والمعنى أم أردتم أن تفعلوا فعلا يكون سبب حلول غضب الله بكم ؛ لأن أحدا لا يطلب غضب الله{[11149]} ، بل قد يرتكب ما يكون سببا للغضب . " فأخلفتم موعدي " لأنهم وعدوه أن يقيموا على طاعة الله عز وجل إلى أن يرجع إليهم من الطور . وقيل : وعدهم على أثره للميقات فتوقفوا . " قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا " بفتح الميم ، وهي قراءة نافع وعاصم وعيسى بن عمر . قال مجاهد والسدي : ومعناه بطاقتنا . ابن زيد : لم نملك أنفسنا أي كنا مضطرين . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر " بملكنا " بكسر الميم . واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ؛ لأنها اللغة العالية . وهو مصدر ملكت الشيء أملكه ملكا . والمصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف ، كأنه قال : بملكنا الصواب بل أخطأنا فهو اعتراف منهم بالخطأ . وقرأ حمزة والكسائي " بملكنا " بضم الميم والمعنى بسلطاننا . أي : لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.