التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{قَالَ عِفۡرِيتٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّي عَلَيۡهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٞ} (39)

وقوله : { آتيك } يجوز أن يكون فعلاً مضارعاً من أتى ، وأن يكون اسم فاعل منه ، والباء على الاحتمالين للتعدية . ولمّا علم سليمان بأنها ستحضر عنده أراد أن يبهتها بإحضار عرشها الذي تفتخر به وتعده نادرة الدنيا ، فخاطب ملأه ليظهر منهم منتهى علمهم وقوتهم . فالباء في { بعرشها } كالباء في قوله : { فلنأتينّهم بجنود } [ النمل : 37 ] تحتمل الوجهين .

وجملة : { قال يا أيها الملؤا } مستأنفة ابتداء لجزء من قصة . وجملة : { قال عفريت } واقعة موقع جواب المحاورة ففصلت على أسلوب المحاورات كما تقدم غير مرة . وجملة : { قال الذي عنده علم من الكتاب } أيضاً جواب محاورة .

ومعنى { عفريت } حسبما يستخلص من مختلف كلمات أهل اللغة أنه اسم للشديد الذي لا يصاب ولا ينال ، فهو يُتَّقى لشَره . وأصله اسم لعُتاة الجن ، ويوصف به الناس على معنى التشبيه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ عِفۡرِيتٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّي عَلَيۡهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٞ} (39)

قوله تعالى : " قال عفريت من الجن " كذا قرأ الجمهور وقرأ أبو رجاء وعيسى الثقفي : " عِفْرِيَةٌ " ورويت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه . وفي الحديث : ( إن الله يبغض العفرية النفرية ) . النفرية إتباع لعفرية . قال قتادة : هي الداهية قال النحاس : يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء عفر وعفرية وعفريت وعفارية . وقيل : " عفريت " أي رئيس . وقرأت فرقة : " قال عِفْرٌ " بكسر العين ، حكاه ابن عطية . قال النحاس : من قال عفرية جمعه على عفار ، ومن قال : عفريت كان له في الجمع ثلاثة أوجه ، إن شاء قال عفاريت ، وإن شاء قال عَفار ؛ لأن التاء زائدة ، كما يقال : طواغ في جمع طاغوت ، وإن شاء عوض من التاء ياء فقال عفاري . والعفريت من الشياطين القوي المارد . والتاء زائدة . وقد قالوا : تعفرت الرجل إذا تخلق بخلق الإذاية . وقال وهب بن منبه : اسم هذا العفريت كودن ، ذكره النحاس . وقيل : ذكوان ؛ ذكره السهيلي . وقال شعيب الجبائي : اسمه دعوان . وروي عن ابن عباس أنه صخر الجني . ومن هذا الاسم قول ذي الرمة :

كأنه كوكبٌ في إثرِ عِفْرِيَّةٍ *** مُصَوَّبٌ{[12293]} في سوادِ الليل مُنْقَضِبُ

وأنشد الكسائي{[12294]} :

إذ قال شيطانُهُم العفريتُ *** ليسَ لكُمْ مُلْكٌ ولا تَثْبِيتُ

وفي الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن عفريتا من الجن جعل يفتك{[12295]} علي البارحة ليقطع علي الصلاة وإن الله أمكنني منه فدعته{[12296]} . . . ) وذكر الحديث . وفي البخاري ( تفلت{[12297]} على البارحة ) مكان ( جعل يفتك ) . وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد أنه قال : أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار ، كلما التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه ؛ فقال جبريل : أفلا أعلمك كلمات تقولهن إذا قلتهن طفئت شعلته وخر لفيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بلى ) فقال : ( أعوذ بالله الكريم وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها وشر ما ذرأ في الأرض ، وشر ما يخرج منها{[12298]} ومن فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ) .


[12293]:وفي ديوانه طبع أوربا "مسوّم" دل "مصوب" وهو بمعنى معلم منقضب والبيت في وصف ثور وحشي، كأن الثور كوكب مصوب منقضب في إثر عفرية في سواد الليل.
[12294]:البيت لرؤبة من قصيدة يمدح بها مسلمة بن عبد الملك.
[12295]:الفتك: الأخذ في غفلة وخديعة.
[12296]:فدعته: أي دفعته دفعا شديدا. وفي رواية "فذعته" بالذال المعجمة ومعناه خنقته.
[12297]:"تفلت": أي تعرض لي فلتة أي بغتة.
[12298]:الزيادة من (الموطأ).