التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلۡقَآءَ مَدۡيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يَهۡدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} (22)

هذه هجرة نبوية تشبه هجرة إبراهيم عليه السلام إذ قال { إني مهاجر إلى ربي } [ العنكبوت : 26 ] . وقد ألهم الله موسى عليه السلام أن يقصد بلاد مدين إذ يجد فيها نبيئاً يبصره بآداب النبوءة ولم يكن موسى يعلم إلى أين يتوجه ولا من سيجد في وجهته كما دل عليه قوله { عسى ربي أن يهديني سواء السبيل } .

فقوله تعالى { ولما توجه تلقاء مدين } عطف على جمل محذوفة إذ التقدير : ولما خرج من المدينة هائماً على وجهه فاتفق أن كان مسيره في طريق يؤدي إلى أرض مدين حينئذ قال { عسى ربي أن يهديني سواء السبيل } . قال ابن عباس : خرج موسى ولا علم له بالطريق إلا حسن ظن بربه .

و { توجه } : ولى وجهه ، أي استقبل بسيره تلقاء مدين .

و { تلقاء } : أصله مصدر على وزن التفعال بكسر التاء ، وليس له نظير في كسر التاء إلا تمثال ، وهو بمعنى اللقاء والمقاربة . وشاع إطلاق هذا المصدر على جهته فصار من ظروف المكان التي تنصب على الظرفية . والتقدير : لما توجه جهة تلاقي مدْيَن ، أي جهة تلاقي بلاد مدين ، وقد تقدم قوله تعالى { وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار } في سورة الأعراف( 47 ) .

و { مدْيَن } : قوم من ذرية مدين بن إبراهيم . وقد مضى الكلام عليهم عند قوله تعالى { وإلى مدين أخاهم شعيباً } في سورة الأعراف ( 85 ) .

وأرض مدين واقعة على الشاطىء الغربي من البحر الأحمر وكان موسى قد سلك إليها عند خروجه من بلد ( رعمسيس ) أو ( منفيس ) طريقاً غربية جنوبية فسلك برية تمر به على أرض العمالقة وأرض الأدوميين ثم بلاد النبط إلى أرض مدين . تلك مسافة ثمانمائة وخمسين ميلاً تقريباً . وإذ قد كان موسى في سيره ذلك راجلاً فتلك المسافة تستدعي من المدة نحواً من خمسة وأربعين يوماً . وكان يبيت في البرية لا محالة . وكان رجلاً جلداً وقد ألهمه الله سواء السبيل فلم يضل في سيره .

والسواء : المستقيم النهج الذي لا التواء فيه . وقد ألهمه الله هذه الدعوة التي في طيها توفيقه إلى الدين الحق .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلۡقَآءَ مَدۡيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يَهۡدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} (22)

قوله تعالى : " ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " لما خرج موسى عليه السلام فارا بنفسه منفردا خائفا ، لا شيء معه من زاد ولا راحلة ولا حذاء نحو مدين ، للنسب الذي بينه وبينهم ؛ لأن مدين من ولد إبراهيم ، وموسى من ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم . ورأى حاله وعدم معرفته بالطريق ، وخلوه من زاد وغيره ، أسند أمره إلى الله تعالى بقوله : " عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " وهذه حالة المضطر .

قلت : روي أنه كان يتقوت ورق الشجر ، وما وصل حتى سقط خف قدميه قال أبو مالك : وكان فرعون وجه في طلبه وقال لهم : اطلبوه في ثنيات الطريق ، فإن موسى لا يعرف الطريق ، فجاءه ملك راكبا فرسا ومعه عنزة ، فقال لموسى : اتبعني فاتبعه فهداه إلى الطريق ، فيقال : إنه أعطاه العنزة فكانت عصاه . ويروى أن عصاه إنما أخذها لرعي الغنم من مدين ، وهو أكثر وأصح قال مقاتل والسدي : إن الله بعث إليه جبريل . فالله أعلم . وبين مدين ومصر ثمانية أيام . قاله ابن جبير والناس . وكان ملك مدين لغير فرعون .