لما جرى ذكر أهل مدين وقوم لوط أكملت القصص بالإشارة إلى عاد وثمود إذ قد عرف في القرآن اقتران هذه الأمم في نسق القصص . والواو عاطفة قصة على قصة .
وانتصاب { عاداً } يجوز أن يكون بفعل مقدَّر يدل عليه السياق ، تقديره : وأهلكنا عاداً ، لأن قوله تعالى آنفاً { فأخذتهم الرجفة } [ العنكبوت : 37 ] يدل على معنى الإهلاك ، قاله الزجاج وتبعه الزمخشري . ومعلوم أنه إهلاك خاص من بطش الله تعالى ، فظهر تقدير : وأهلكنا عاداً .
ويجوز أن يقدر فعل ( واذكر ) كما هو ظاهر ومقدر في كثير من قصص القرآن .
ويجوز أن يكون معطوفاً على ضمير { فأخذتهم الرجفة } [ العنكبوت : 37 ] والتقدير : وأخذت عاداً وثمودا . وعن الكسائي أنه منصوب بالعطف على { الذين من قبلهم } من قوله تعالى { ولقد فتنا الذين من قبلهم } [ العنكبوت : 3 ] . وهذا بعيد لطول بعد المعطوف عليه . والأظهر أن نجعله منصوباً بفعل تقديره ( وأخذنا ) يفسره قوله { فكلاًّ أخذنا بذنبه } [ العنكبوت : 40 ] لأن ( كلاً ) اسم يعم المذكورين فلما جاء منتصباً ب { أخذنا } تعين أن ما قبله منصوب بمثله وتنوين العوض الذي لحق ( كلاً ) هو الرابط وأصل نسج الكلام : وعاداً وثموداً وقارون وفرعون الخ . . . كلهم أخذنا بذنبه .
وجملة { وقد تبين لكم من مساكنهم } في موضع الحال أو هي معترضة . والمعنى : تبين لكم من مشاهدة مساكنهم أنهم كانوا فيها فأهلكوا عن بكرة أبيهم .
ومساكن عاد وثمود معروفة عند العرب ومنقولة بينهم أخبارها وأحوالها ويمرون علهيا في أسفارهم إلى اليمن وإلى الشام .
والضمير المستتر في { تبيّن } عائد إلى المصدر المأخوذ من الفعل المقدر ، أي يتبين لكم إهلاكهم أو أخذنا إياهم .
وجملة { وزين لهم الشيطان أعمالهم } معطوفة على جملة { وعاداً وثموداً } .
والتزيين : التحسين . والمراد : زين لهم أعمالهم الشنيعة فأوهمهم بوسوسته أنها حسنة . وقد تقدم عند قوله تعالى { كذلك زينا لكل أمة عملهم } في سورة الأنعام ( 108 ) .
والصد : المنع عن عمل . و { السبيل } هنا : ما يوصل إلى المطلوب الحق وهو السعادة الدائمة ، فإن الشيطان بتسويله لهم كفرهم قد حرمهم من السعادة الأخروية فكأنه منعهم من سلوك طريق يبلغهم إلى المقر النافع .
والاستبصار : البصارة بالأمور ، والسين والتاء للتأكيد مثل : استجاب واستمسك واستبكر . والمعنى : أنهم كانوا أهل بصائر ، أي عقول فلا عذر لهم في صدهم عن السبيل . وفي هذه الجملة اقتضاء أن ضلال عاد كان ضلالاً ناشئاً عن فساد اعتقادهم وكفرهم المتأصل فيهم والموروث عن آبائهم وأنهم لم ينجوا من عذاب الله لأنهم كانوا يستطيعون النظر في دلائل الوحدانية وصدق رسلهم .
قوله تعالى : " وعادا وثمود " قال الكسائي : قال بعضهم هو راجع إلى أول السورة ، أي ولقد فتنا الذين من قبلهم وفتنا عادا وثمود . قال : وأحب إلي أن يكون معطوفا على " فأخذتهم الرجفة " ، وأخذت عادا وثمودا . وزعم الزجاج : أن التقدير وأهلكنا عادا وثمود . وقيل : المعنى واذكر عادا إذ أرسلنا إليهم هودا فكذبوه فأهلكناهم وثمودا أيضا أرسلنا إليهم صالحا فكذبوه فأهلكناهم بالصيحة كما أهلكنا عادا بالريح العقيم . " وقد تبين لكم " أي تبين لكم يا معشر الكفار " من مساكنهم " بالحجر والأحقاف آيات في إهلاكهم فحذف فاعل التبين .
" وزين لهم الشيطان أعمالهم " أي أعمالهم الخسيسة فحسبوها رفيعة . " فصدهم عن السبيل " أي عن طريق الحق . " وكانوا مستبصرين " فيه قولان : أحدهما وكانوا مستبصرين في الضلالة قاله مجاهد . والثاني : كانوا مستبصرين قد عرفوا الحق من الباطل بظهور البراهين وهذا القول أشبه ؛ لأنه إنما يقال فلان مستبصر إذا عرف الشيء على الحقيقة . قال الفراء : كانوا عقلاء ذوي بصائر فلم تنفعهم بصائرهم وقيل : أتوا ما أتوا وقد تبين لهم أن عاقبتهم العذاب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.