التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ} (193)

قوله تعالى : { ربنا إننا سمعنا منادياً } أرادوا به النبي محمداً صلى الله عليه وسلم والمنادي ، الذي يرفع صوته بالكلام . والنداء : رفع الصوت بالكلام رفعاً قوياً لأجل الإسماع وهو مشتقّ من النداء بكسر النون وبضمّها وهو الصوت المرتفع . يقال : هو أندى صوتاً أي أرفعُ ، فأصل النداء الجهر بالصوت والصياح به ، ومنه سمّي دعاء الشخص شخصاً ليقبل إليه نداء ، لأنّ من شأنه أن يرفع الصوت به ؛ ولذلك جعلوا له حروفاً ممدودة مثل ( يا ) و ( آ ) و ( أيا ) و ( هيا ) . ومنه سمّي الأذان نداء ، وأطلق هنا على المبالغة في الإسماع والدعوة وإن لم يكن في ذلك رفع صوت ، ويطلق النداء على طلب الإقبال بالذات أو بالفَهم بحروف معلومة كقوله تعالى : { وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا } [ فصلت : 104 ، 105 ] ويجوز أن يكون هو المراد هنا لأنّ النبي يدعو الناس بنحو : يأيّها الناس ويا بَني فلان ويا أمّة محمد ونحو ذلك ، وسيأتي تفسير معاني النداء عند قوله تعالى : { ونودوا أن تلكم الجنة } في سورة [ الأعراف : 43 ] . واللام لام العلّة ، أي لأجل الإيمان بالله .

و ( أن ) في { أن آمنوا } تفسيرية لما في فعل ( يُنادي ) من معنى القول دون حروفه .

وجاءوا بفاء التعقيب في ( فآمنّا ) : للدلالة على المبادرة والسبق إلى الإيمان ، وذلك دليل سلامة فطرتهم من الخطأ والمكابرة ، وقد توسّموا أن تكون مُبادرتهم لإجابة دعوة الإسلام مشكورة عند الله تعالى ، فلذلك فرّعوا عليه قولهم : { فاغفر لنا ذنوبنا } لأنّهم لمّا بذلوا كلّ ما في وسعهم من اتّباع الدين كانوا حقيقين بترجّي المغفرة .

والغَفْر والتكفير متقاربان في المادة المشتقيْن منها إلاّ أنّه شاع الغفر والغفران في العفو عن الذنب والتكفير في تعويض الذنب بعوض ، فكأنّ العوض كفّر الذنب أي ستره ، ومنه سمّيت كفّارة الإفطار في رمضان . وكفّارة الحنث في اليمين إلاّ أنهم أرادوا بالذنوب ما كان قاصراً على ذواتهم ، ولذلك طلبوا مغفرته ، وأرادوا من السيّئات ما كان فيه حقّ الناس ، فلذلك سألوا تكفيرها عنهم .

وقيل هو مجرّد تأكيد ، وهو حسن ، وقيل أرادوا من الذنوب الكبائر ومن السيّئات الصغائر لأنّ اجتناب الكبائر يكفّر الصغائر ، بناء على أنّ الذنب أدلّ على الإثم من السيئة .

وسألوا الوفاة مع الأبرار ، أي أن يموتوا على حالة البِرّ ، بأن يلازمهم البرّ إلى الممات وأن لا يرتدّوا على أدبارهم ، فإذا ماتوا كذلك ماتوا من جملة الأبرار . فالمعية هنا معية اعتبارية ، وهي المشاركة في الحالة الكاملة ، والمعية مع الأبرار أبلغ في الاتّصاف بالدلالة ، لأنّه برّ يرجى دوامه وتزايدُه لِكون صاحبه ضمن جمع يزيدونه إقبالاً على البرّ بلسان المقال ولسان الحال .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ} (193)

الحادية عشرة : قوله تعالى : " ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان " أي محمدا صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن مسعود وابن عباس وأكثر المفسرين . وقال قتادة ومحمد بن كعب القرظي : هو القرآن ، وليس كلهم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم . دليل هذا القول ما أخبر الله تعالى عن مؤمني الجن إذ قالوا : " إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد " {[3811]} [ الجن : 1 - 2 ] . وأجاب الأولون فقالوا : من سمع القرآن فكأنما لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا صحيح معنى . وأن{[3812]} من " آمنوا " في موضع نصب على حذف حرف الخفض ، أي بأن أمنوا . وفي الكلام تقديم وتأخير ، أي سمعنا مناديا للإيمان ينادي ؛ عن أبي عبيدة . وقيل : اللام بمعنى إلى ، أي إلى الإيمان ، كقوله : " ثم يعودون لما نهوا عنه " {[3813]} [ المجادلة : 8 ] . وقوله : " بأن ربك أوحى لها " {[3814]} [ الزلزلة : 5 ] وقوله : " الحمد لله الذي هدانا لهذا " {[3815]} [ الأعراف : 43 ] أي إلى هذا ، ومثله كثير . وقيل : هي لام أجل ، أي لأجل الإيمان .

الثانية عشرة : قوله تعالى : " ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا " تأكيد ومبالغة في الدعاء . ومعنى اللفظين واحد ، فإن الغفر والكفر : الستر . " وتوفنا مع الأبرار " أي أبرارا مع الأنبياء ، أي في جملتهم . واحدهم وبر وبار وأصله من الاتساع ، فكأن البر متسع في طاعة الله ومتسعة له رحمة الله .


[3811]:- راجع جـ19 ص 6.
[3812]:- من هـ و جـ وط.
[3813]:- راجع جـ17 ص 290.
[3814]:- راجع جـ20 ص 149.
[3815]:- راجع جـ 7 ص 208.