البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي - أبو حيان  
{رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ} (193)

{ ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا } سمع إن دخل على مسموع تعدى لواحد نحو : سمعت كلام زيد ، كغيره من أفعال الحواس .

وإن دخل على ذات وجاء بعده فعل أو اسم في معناه نحو : سمعت زيداً يتكلم ، وسمعت زيداً يقول كذا ، ففي هذه المسألة خلاف .

منهم من ذهب إلى أن ذلك الفعل أو الاسم إن كان قبله نكرة كان صفة لها ، أو معرفة كان حالاً منها .

ومنهم من ذهب إلى أن ذلك الفعل أو الاسم هو في موضع المفعول الثاني لسمع ، وجعل سمع مما يعدى إلى واحد إن دخل على مسموع ، وإلى اثنين إن دخل على ذات ، وهذا مذهب أبي علي الفارسي .

والصحيح القول الأول ، وهذا مقرر في علم النحو .

فعلى هذا يكون ينادي في موضع الصفة لأن قبله نكره ، وعلى مذهب أبي علي يكون في موضع المفعول الثاني .

وذهب الزمخشري إلى القول الأول قال : تقول : سمعت رجلاً يقول كذا ، وسمعت زيداً يتكلم ، لتوقع الفعل على الرّجل ، وتحذف المسموع لأنك وصفته بما يسمع ، أو جعلته حالاً عنه ، فأغناك عن ذكره .

ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بدٌّ .

وإن يقال : سمعت كلام فلان ، أو قوله انتهى كلامه .

وقوله : ولولا الوصف أو الحال إلى آخره ليس كذلك ، بل لا يكون وصف ولا حال ، ويدخل سمع على ذات ، لا على مسموع .

وذلك إذا كان في الكلام ما يشعر بالمسموع وإن لم يكن وصفاً ولا حالاً ، ومنه قوله تعالى : { هل يسمعونكم إذ تدعون } أغني ذكر ظرف الدعاء عن ذكر المسموع .

والمنادى هنا هو الرّسول صلى الله عليه وسلم .

قال تعالى : { وداعياً إلى الله بإذنه } { ادع إلى سبيل ربك } قاله ابن جريج وابن زيد وغيرهما : أو القرآن ، قاله : محمد بن كعب القرظي ، قال : لأن كلّ المؤمنين لم يلقوا الرّسول ، فعلى الأول يكون وصفه بالنداء حقيقة ، وعلى الثاني مجازاً ، وجمع بين قوله : منادياً ينادي ، لأنه ذكر الأول مطلقاً وقيد الثاني تفخيماً لشأن المنادى ، لأنه لا منادى أعظم من منادٍ ينادي للإيمان .

وذلك أنَّ المنادي إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب ، أو لإطفاء الثائرة ، أو لإغاثة المكروب ، أو لكفاية بعض النوازل ، أو لبعض المنافع .

فإذا قلت : ينادي للإيمان فقد رفعت من شأن المنادي وفخمته .

واللام متعلقة بينادي ، ويعدي نادي ، ودعا ، وندب باللام وبالي ، كما يعدي بهما هدي لوقوع معنى الاختصاص ، وانتهاء الغاية جميعاً .

ولهذا قال بعضهم : إن اللام بمعنى إلى .

لما كان ينادي في معنى يدعو ، حسن وصولها باللام بمعنى : إلى .

وقيل : اللام لام العلة ، أي لأجل الإيمان .

وقيل : اللام بمعنى الباء ، أي بالإيمان .

والسماع محمول على حقيقته ، أي سمعنا صوت مناد .

قيل : ومن جعل المنادي هو القرآن ، فالسماع عنده مجاز عن القبول ، وأن مفسرة التقدير : أنْ آمنوا .

وجوز أن تكون مصدرية وصلت بفعل الأمر ، أي : بأن آمنوا .

فعلى الأول لا موضع لها من الإعراب ، وعلى الثاني لها موضع وهو الجر ، أو النصب على الخلاف .

وعطف فآمنا بالفاء مؤذن بتعجيل القبول ، وتسبيب الإيمان عن السماع من غير تراخ ، والمعنى : فآمنا بك أو بربنا .

{ ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا } قال ابن عباس : الذنوب هي الكبائر ، والسيئات هي الصغائر .

ويؤيده : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } وقيل : الذنوب ترك الطاعات ، والسيئات فعل المعاصي .

وقيل : غفران الذنوب وتكفير السيئات أمر قريب بعضه من بعض ، لكنه كرر للتأكيد ، ولأنها مناح من الستر وإزالة حكم الذنوب بعد حصوله ، والغفران والتكفير بمعنى ، والذنوب والسيئات بمعنى ، وجمع بينهما تأكيداً ومبالغة ، وليكون في ذلك إلحاح في الدعاء .

فقد روى : « إن الله يحب الملحين في الدعاء » وقيل : في التفكير معنى وهو : التغطية ، ليأمنوا الفضوح .

والكفارة هي الطاعة المغطية للسيئة ، كالعتق والصيام والإطعام .

ورجل مكفر بالسلاح ، أي مغطى .

{ وتوفنا مع الأبرار } جمع بر ، على زن فعل ، كصلف .

أو جمع بار على وزن فاعل كضارب ، وأدغمت الراء في الراء .

وهم : الطائعون لله ، وتقدم معنى البرّ .

وقيل : هم هنا الذين بروا الآباء والأبناء .

ومع هنا مجاز عن الصحبة الزمانية إلى الصحبة في الوصف ، أي : توفنا أبراراً معدودين في جملة الأبرار .

والمعنى : اجعلنا ممن توفيتهم طائعين لك .

وقيل : المعنى احشرنا معهم في الجنة .

/خ200