استئناف ابتدائي : للتعجيب من حالة اليهود في شدّة ضلالهم . فالاستفهام في قوله : { ألم تر } للتقرير والتعجيب ، وقد جاء الاستعمال في مثله أن يكون الاستفهام داخلاً على نفي الفعل والمراد حصولُ الإقرار بالفعل ليكون التقرير على نفيه محرّضاً للمخاطب على الاعتراف به بناء على أنّه لا يرضى أن يكون ممّن يجهله ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربّه } في سورة [ البقرة : 258 ] .
والرؤية بصرية بدليل تعديتها بحرف إلى : الذي يتعدى به فعل النظر ، وجوز صاحب الكشاف } في قوله تعالى : { ألم تر إلى الذي أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة } في سورة [ النساء : 44 ] : أن تكون الرؤية قلبية ، وتكون ( إلى ) داخلة على المفعول الأول لتأكيد اتّصال العِلم بالمعلوم وانتهائه المجازي إليه ، فتكون مثل قوله : { ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم } [ البقرة : 258 ] .
وعُرف المتحدّث عنهم بطريق الموصولية دون لقبهم ، أعني اليهودَ : لأنّ في الصلة ما يزيد التعجيب من حالهم ؛ لأنّ كونهم على علم من الكتاب قليلٍ أو كثير من شأنه أن يصدّهم عمّا أخبر به عنهم . على ما في هذه الصلة أيضاً من توهين علمهم المزعوم .
والكتاب : التوراة فالتعريف للعهد ، وهو الظاهر ، وقيل : هو للجنس .
والمراد بالذين أوتوه هم اليهود ، وقيل : أريد النصارى ، أي أهل نجران .
والنصيب : القسط والحظّ وتقدم عند قوله تعالى : { أولئك لهم نصيب ممّا كسبوا } في سورة [ البقرة : 202 ] .
{ وتنكير نصيباً } للنوعية ، وليس للتعظيم ؛ لأنّ المقام مقام تهاون بهم ، ويحتمل أن يكون التنوين للتقليل .
و { من } للتبعيض ، كما هو الظاهر من لفظ النصيب ، فالمراد بالكتاب جنس الكتب ، والنصيب هو كتابُهم ، والمراد : أوتوا بعض كتابهم ، تعريضاً بأنّهم لا يعلمون من كتابهم إلاّ حظّاً يسيراً ، ويجوز كون مِن للبيان . والمعنى : أوتوا حظّاً من حظوظ الكمال ، هو الكتاب الذي أوتوه .
وجملة { يدعون إلى كتاب الله } في موضوع الحال لأنّها محل التعجيب ، وذلك باعتبار ضميمة ما عطف عليها ، وهو ، قوله : { ثم يتولى فريق منهم } لأنّ ذلك هو العجيب لا أصل دعوتهم إلى كتاب الله ، وإذا جعلت ( تَر ) قلبية فجملة يدعون في موضع المفعول الثاني وقد علمتَ بُعده .
و { كتاب الله } : القرآن كما في قوله : { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب اللَّه وراء ظهورهم } [ البقرة : 101 ] . فهو غير الكتاب المراد في قوله : { من الكتاب } كما ينبىء به تغيير الأسلوب . والمعنى : يُدعون إلى اتّباع القرآن والنظرِ في معانيه ليحكم بينهم فيأبون . ويجوز أن يكون كتاب الله عين المراد من الكتاب ، وإنّما غير اللفظ تفنّناً وتنويهاً بالمدعوّ إليه ، أي يُدعون إلى كتابهم ليتأملوا منه ، فيعلموا تبشيره برسول يأتي من بعد ، وتلميحَه إلى صفاته .
روي ، في سبب نزول هذه الآية : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مِدْراس اليهود فدعاهم إلى الإسلام ، فقال له نُعيم بن عمرو ، والحارث بن زَيد : على أيّ دين أنت قال : على ملة إبراهيم قالا : فإنّ إبراهيم كان يهودياً .
فقال لهما : إنّ بيننا وبينكم التوراة فهلموا إليها ، فأبيا .
وقوله : { ثم يتولى فريق منهم } ( ثم ) عاطفة جملة { يتولّى فريق منهم } على جملة { يدعون } فالمعطوفة هنا في حكم المفرد فدلت ( ثم ) على أنّ تولّيهم مستمر في أزمان كثيرة تبعد عن زمان الدعوة ، أي أنّهم لا يرعوون فهم يتولَّون ثم يتولّون ؛ لأنّ المرء قد يُعرض غضباً ، أو لِعِظَم المفاجأة بالأمر غيرِ المترقَّب ، ثم يثوب إليه رشده ، ويراجع نفسه ، فيرجع ، وقد علم أنّ تولّيهم إثر الدعوة دون تراخٍ حاصل بفحوى الخطاب .
فدخول { ثم } للدلالة على التراخي الرتبي ؛ لأنّهم قد يتولّون إثر الدعوة ، ولكن أريد التعجيب من حالهم كيف يتولّون بعد أن أوتُوا الكتاب ونقلوه ، فإذا دُعوا إلى كتابهم تولّوا . والإتيان بالمضارع في قوله : { يتولون } للدلالة على التجدّد كقول جعفر ابن عُلبة الحارثي :
ولا يكشف الغَمَّاء إلاّ ابن حرة *** يَرَى غَمَراتِ الموتِ ثُم يَزُورها
والتولّي مجاز عن النفور والإباء ، وأصله الإعراض والانصراف عن المكان .
وجملة { وهم معرضون } حال مؤكّدة لجملة { يتولّى فريق } إذ التولّي هو الإعراض ، ولما كانت حالاً لم تكن فيها دلالة على الدوام والثبات فكانت دالة على تجدّد الإعراض ، منهم المفاد أيضاً من المضارع في قوله : { ثم يتولى فريق منهم } .
الأولى : قال ابن عباس : هذه الآية نزلت بسبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله . فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد : على أي دين أنت يا محمد ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني على ملة إبراهيم ) . فقالا : فإن إبراهيم كان يهوديا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم ) . فأبيا عليه فنزلت الآية . وذكر النقاش أنها نزلت لأن جماعة من اليهود أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( هلموا إلى التوراة ففيها صفتي ) فأبوا . وقرأ الجمهور " ليحكم " وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع " ليحكم " بضم الياء . والقراءة الأولى أحسن ؛ لقوله تعالى : " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق " [ الجاثية : 29 ] .
الثانية : في هذه الآية دليل على وجوب ارتفاع المدعو إلى الحاكم لأنه دعي إلى كتاب الله ، فإن لم يفعل كان مخالفا يتعين عليه الزجر بالأدب على قدر المخالِف والمخالَف . وهذا الحكم جار عندنا بالأندلس وبلاد المغرب وليس بالديار المصرية . وهذا الحكم الذي ذكرناه مبين في التنزيل في سورة " النور " في قوله تعالى : " وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون " إلى قوله " بل أولئك هم الظالمون " {[2969]}
[ النور : 48 - 49 - 50 ] . وأسند الزهري عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من دعاه خصمه إلى حاكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم ولا حق له ) . قال ابن العربي : وهذا حديث باطل . أما قوله " فهو ظالم " فكلام صحيح . وأما قوله " فلا حق له " فلا يصح ، ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق . قال ابن خويز منداد المالكي : واجب على كل من دعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب ما لم يعلم أن الحاكم فاسق ، أو يعلم عداؤه{[2970]} من المدعي والمدعى عليه .
الثالثة : وفيها دليل على أن شرائع من قبلنا شريعة لنا إلا ما علمنا نسخه ، وإنه يجب علينا الحكم بشرائع الأنبياء قبلنا ، على ما يأتي بيانه . وإنما لا نقرأ التوراة ولا نعمل بما فيها لأن من هي في يده غير أمين عليها وقد غيرها وبدلها ، ولو علمنا أن شيئا منها لم يتغير ولم يتبدل جاز لنا قراءته . ونحو ذلك روي عن عمر حيث قال لكعب : إن كنت تعلم أنها التوراة التي أنزلها الله على موسى بن عمران فاقرأها . وكان عليه السلام عالما بما لم يغير منها فلذلك دعاهم إليها وإلى الحكم بها . وسيأتي بيان هذا في " المائدة " {[2971]} والأخبار الواردة في ذلك إن شاء الله تعالى وقد قيل : إن هذه الآية نزلت في ذلك . والله أعلم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.