التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{سَلَٰمٞ قَوۡلٗا مِّن رَّبّٖ رَّحِيمٖ} (58)

استئناف قطع عن أن يعطف على ما قبله للاهتمام بمضمونه ، وهو الدلالة على الكرامة والعناية بأهل الجنة من جانب القدس إذ يوجه إليهم سلام الله بكلام يعرفون أنه قول من الله : إمّا بواسطة الملائكة ، وإما بخلق أصوات يُوقنون بأنها مجعولة لأجل إسماعهم كما سمع موسى كلام الله حين ناداه من جانب الطور من الشجرة فبعد أن أخبر بما حباهم به من النعيم مشيراً إلى أصول أصنافه ، أخبر بأن لهم ما هو أسمى وأعلى وهو التكريم بالتسليم عليهم قال تعالى : { ورضوان من الله أكبر } [ التوبة : 72 ] .

و { سَلامٌ } مرفوع في جميع القراءات المشهورة . وهو مبتدأ وتنكيره للتعظيم ورفعه للدلالة على الدوام والتحقق ، فإن أصله النصب على المفعولية المطلقة نيابة عن الفعل مثل قوله : { فقالوا سلاماً } [ الذاريات : 25 ] . فلما أريدت الدلالة على الدوام جيء به مرفوعاً مثل قوله : { قال سلام } [ هود : 69 ] ، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى : { الحَمدُ لله رَبّ العالمين } [ الفاتحة : 2 ] .

وحذف خبر { سَلامٌ } لنيابة المفعول المطلق وهو قوله { قَوْلاً } عن الخبر لأن تقديره : سلام يقال لهم قولاً من الله ، والذي اقتضى حذف الفعل ونيابة المصدر عنه هو استعداد المصدر لقبول التنوين الدال على التعظيم ، والذي اقتضى أن يكون المصدر منصوباً دون أن يؤتى به مرفوعاً هو ما يشعر به النصب من كون المصدر جاء بدلاً عن الفعل .

و { من } ابتدائية . وتنوين { رَّبّ } للتعظيم ، ولأجل ذلك عدل عن إضافة { رب } إلى ضميرهم ، واختير في التعبير عن الذات العلية بوصف الرب لشدة مناسبته للإِكرام والرضى عنهم بذكر أنهم عبدوه في الدنيا فاعترفوا بربوبيته .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{سَلَٰمٞ قَوۡلٗا مِّن رَّبّٖ رَّحِيمٖ} (58)

ثم تبتدئ : " سلام " على معنى ذلك لهم سلام . ويجوز أن يرفع السلام على معنى ولهم ما يدعون مسلّم خالص . فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على " ما يدعون " . وقال الزجاج : " سلام " مرفوع على البدل من " ما " أي ولهم أن يسلم الله عليهم ، وهذا مُنَى أهل الجنة . وروي من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب تعالى قد اطلع عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة فذلك قوله : " سلام قولا من رب رحيم " . فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركاته عليهم في ديارهم ) ذكره الثعلبي والقشيري . ومعناه ثابت في صحيح مسلم ، وقد بيناه في " يونس " {[13230]} عند قوله تعالى : " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " [ يونس : 26 ] . ويجوز أن تكون " ما " نكرة ، و " سلام " نعتا لها ، أي ولهم ما يدعون مسلّم . ويجوز أن تكون " ما " رفع بالابتداء ، و " سلام " خبر عنها . وعلى هذه الوجوه لا يوقف على " ولهم ما يدعون " . وفي قراءة ابن مسعود " سلاما " يكون مصدرا ، وإن شئت في موضع الحال ، أي ولهم ما يدعون ذا سلام أو سلامة أو مسلما ، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على " يدعون " وقرأ محمد بن كعب القرظي " سِلم " على الاستئناف كأنه قال : ذلك سلم لهم لا يتنازعون فيه . ويكون " ولهم ما يدعون " تاما . ويجوز أن يكون " سلام " بدلا من قوله : " ولهم ما يدعون " ، وخبر " ما يدعون " " لهم " . ويجوز أن يكون " سلام " خبرا آخر ، ويكون معنى الكلام أنه لهم خالص من غير منازع فيه . " قولا " مصدر على معنى قال الله ذلك قولا . أو بقوله قولا ، ودل على الفعل المحذوف لفظ مصدره . ويجوز أن يكون المعنى ولهم ما يدعون قولا ، أي عدة من الله . فعلى هذا المذهب الثاني لا يحسن الوقف على " يدعون " . وقال السجستاني : الوقف على قوله : " سلام " تام ، وهذا خطأ لأن القول خارج مما قبله .


[13230]:راجع ج 8 ص 330 طبعة أولى أو ثانية.