التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ} (62)

والإِشارة في قوله : { هذا صِراطٌ مستقيم } للعهد المفهوم من فعل { أعْهَد } أو للمذكور في « تفسيره » من جملتي { لا تعبدوا الشيطان } { وأننِ اعْبُدُوني } ، أي هذا المذكور صراط مستقيم ، أي كالطريق القويم في الإِبلاغ إلى المقصود . والتنوين للتعظيم .

وقوله تعالى : { ولقد أضَلَّ مِنكم جِبِلاً كثيراً } عطف على { إنَّهُ لكم عدوٌّ مبين } فعداوته واضحة بدليل التجربة فكانت علة للنهي عن عبادة ما يأمرهم بعبادتهم .

والمعنى : إن عداوته واضحة وضوح الصراط المستقيم لأنها تقررت بين الناس وشهدت بها العصور والأجيال فإنه لم يزل يُضلّ الناس إضلالاً تواتر أمره وتعذر إنكاره .

والجِبِلّ : بكسر الجيم وكسر الموحدة وتشديد اللام كما قرأه نافع وعاصم وأبو جعفر . وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب بضم الجيم وضم الباء الموحدة وتخفيف اللام . وقرأه ابن عامر وأبو بكر بضم الجيم وسكون الباء .

والجبلّ : الجمع العظيم ، وهو مشتق من الجَبْل بسكون الباء بمعنى الخلق . وفرع عليه توبيخهم بقلة العقول بقوله : { أفَلَم تكونوا تَعْقِلونَ } ، فالاستفهام إنكاري عن عدم كونهم يعقلون ، أي يدركون ، إذ لو كانوا يعقلون لتفطنوا إلى إيقاع الشيطان بهم في مهاوي الهلاك . وزيادة فعل الكون للإِيماء إلى أن العقل لم يتكون فيهم ولا هم كائنون به .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ} (62)

قوله تعالى : " ولقد أضل منكم " أي أغوى " جبلا كثيرا " أي خلقا كثيرا . قاله مجاهد . قتادة : جموعا كثيرة . الكلبي : أمما كثيرة ، والمعنى واحد . وقرأ أهل المدينة وعاصم : " جبلا " بكسر الجيم والباء . وأبو عمرو وابن عامر " جبلا " بضم الجيم وإسكان الباء . الباقون " جبلا " ضم الجيم والباء وتخفيف اللام ، وشددها الحسن وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وعبد الله بن عبيد والنضر بن أنس . وقرأ أبو يحيى والأشهب العقيلي " جبلا " بكسر الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام . فهذه خمس قراءات . قال المهدوي والثعلبي : وكلها لغات بمعنى الخلق . النحاس : أبينها القراءة الأولى ، والدليل على ذلك أنهم قد أجمعوا على أن قرؤوا " والجبلة الأولين " [ الشعراء : 184 ] فيكون " جبلا " جمع جبلة ، والاشتقاق فيه كله واحد . وإنما هو من جبل الله عز وجل الخلق أي خلقهم . وقد ذكرت قراءة سادسة وهي : " ولقد أضل منكم جيلا كثيرا " بالياء . وحكي عن الضحاك أن الجيل الواحد عشرة آلاف ، والكثير ما لا يحصيه إلا الله عز وجل . ذكره الماوردي . " أفلم تكونوا تعقلون " عداوته وتعلموا أن الواجب طاعة الله .