التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} (66)

و{ بل } لإِبطال مضمون جملة لئِن أشركت أي بل لا تشرك ، أو لإِبطال مضمون جملة { أفغير الله تأمروني أعبُدُ } .

والفاء في قوله : { فاعبد } يظهر أنها تفريع على التحذير من حبط العمللِ ومن الخسران فحصل باجتماع { بَل } والفاء ، في صدر الجملة ، أَنْ جمعت غرضين : غرضضِ إبطال كلامهم ، وغرضضِ التحذير من أحوالهم ، وهذا وجه رشيق .

ومقتضى كلام سيبويه : أن الفاء مفرِّعة على فعل أمر محذوف يقدر بحسب المقام ، وتقديره : تَنبَّه فاعْبُد الله ( أي تنبه لمكرهم ولا تغترِرْ بما أمروك أن تعبد غير الله ) فحذف فعل الأمر اختصاراً فلما حذف استنكر الابتداء بالفاء فقدموا مفعول الفعل الموالي لها فكانت الفاء متوسطة كما هو شأنها في نسج الكلام وحصل مع ذلك التقديممِ حصرٌ . وجعل الزمخشري والزجاج الفاء جزاءية دالة على شرط مقدر أي يدل عليه السِياق ، تقديره : إن كنت عاقلاً مقابل قوله : { أيها الجاهلون } [ الزمر : 64 ] فاعبد الله ، فلما حذف الشرط ( أي إيجازاً ) عوض عنه تقديم المفعول وهو قريب من كلام سيبويه . وعن الكسائي والفراء الفاء مؤذنة بفعل قبلها يدل عليه الفعل الموالي لها ، والتقدير : الله أعبُدْ فاعْبُد ، فلما حذف الفعل الأول حذف مفعول الفعل الملفوظ به للاستغناء عنه بمفعول الفعل المحذوف .

وتقديم المعمول على { فاعبد } لإِفادة القصر ، كما تقدم في قوله : { قل اللَّه أعبد } في هذه السورة [ 14 ] ، أي أعبد الله لا غيره ، وهذا في مقام الرد على المشركين كما تضمنه قوله : { قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } [ الزمر : 64 ] .

والشكر هنا : العمل الصالح لأنه عطف على إفراد الله تعالى بالعبادة فقد تمحض معنى الشكر هنا للعمل الذي يُرضي الله تعالى والقول عموم الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ولمن قبله أو في خصوصه بالنبي صلى الله عليه وسلم ويقاس عليه الأنبياء كالقول في { لئِن أشركت ليحبطن عملك } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} (66)

قوله تعالى : " بل الله فاعبد " النحاس : في كتابي عن أبي إسحاق لفظ اسم الله عز وجل منصوب ب " اعبد " قال : ولا اختلاف في هذا بين البصريين والكوفيين . قال النحاس : وقال الفراء يكون منصوبا بإضمار فعل . وحكاه المهدوي عن الكسائي . فأما الفاء فقال الزجاج : إنها للمجازاة . وقال الأخفش : هي زائدة . وقال ابن عباس : " فاعبد " أي فوحد . وقال غيره : " بل الله " فأطع " وكن من الشاكرين " لنعمه بخلاف المشركين .