الجملة الثالثة : { لَهُ مقَاليدُ السمواتِ والأرض } وجيء بها مفصولة لأنها تفيد بيان الجملة التي قبلها فإن الوكيل على شيء يكون هو المتصرف في العطاء والمنع .
والمقاليد : جمع إِقليد بكسر الهمزة وسكون القاف وهذا جمع على غير قياس ، وإقليد قيل معرب عن الفارسية ، وأصله ( كليد ) قيل من الرومية وأصله ( اقليدس ) وقيل كلمة يمانية وهو مما تقاربت فيه اللغات وهي كناية عن حفظ ذخائرها ، فذخائر الأرض عناصرها ومعادنها وكيفيات أجوائها وبحارها ، وذخائرُ السماوات سَير كواكبها وتصرفات أرواحها في عوالمها وعوالمنا وما لا يعلمه إلا الله تعالى . ولما كانت تلك العناصر والقُوى شديدة النفع للناس وكان الناس في حاجة إليها شبهت بنفائس المخزونات فصحّ أيضاً أن تكون المقاليد استعارة مكنية ، وهي أيضاً استعارة مصرحة للأمر الإِلهي التكويني والتسخيري الذي يُفيض به على الناس من تلك الذخائر المدَّخَرة كقوله تعالى : { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم } [ الحجر : 21 ] .
وهذه المقدمة تشير إلى أن الله هو معطي ما يشاء لمن يشاء من خلقه ، ومن أعظم ذلك النبوءة وهديُ الشريعة فإن جهل المشركين بذلك هو الذي جرَّأَهم على أن أنكروا اختصاص محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة دونهم ، واختصاص أتباعه بالهُدى فقالوا : { أهؤلاء مَنَّ الله عليهم مِنْ بيننا } [ الأنعام : 53 ] . فهذه الجمل اشتملت على مقدمات ثلاث تقتضي كل واحدة منها دلالة على وحدانية الله بالخلق ، ثم بالتصرف المطلق في مخلوقاته ، ثم بوضع النظم والنواميس الفطرية والعقلية والتهذيبية في نظام العالم وفي نظام البشر . وكل ذلك موجب توحيده وتصديقَ رسوله صلى الله عليه وسلم والاستمساك بعروته كما رَشد بذلك أهل الإِيمان .
فأما الجملة الرابعة وهي : { والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون } فتحتمل الاعتراض ولكن اقترانها بالواو بعد نظائرها يرجح أن تكون الواو فيها عاطفة وأنها مقصودة بالعطف على ما قبلها لأن فيها زيادة على مفاد الجملة قبلها ، وتكون مقدمة رابعة للمقصود تجهيلاً للذين هم ضد المقصود من المقدمات فإن الاستدلال على الحق بإبطال ضده ضرب من ضروب الاستدلال . لأن الاستدلال يعود إلى ترغيب وتنفير فإذا كان الذين كفروا بآيات الله خاسرين لا جرم كان الذين آمنوا بآيات الله هم الفائزين ، فهذه الجملة تقابل جملة { وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم } [ الزمر : 61 ] المنتقل منها إلى هؤلاء الآيات ، وهي مع ذلك مفيدة إنذارهم وتأفين آرائهم ، لأن موقعها بعدَ دلائل الوحدانية وهي آيات دالّة على أن الله واحد يقتضي التنديدَ عليهم في عدم الاهتداء بها .
ووُصف { الذين كفروا بآيات الله } بأنهم الخاسرون لأنهم كفروا بآيات مَن له مقاليد خزائن الخير فعرَّضوا أنفسهم للحرمان مما في خزائنه وأعظمها خزائن خير الآخرة .
وآيات الله هي دلائل وجوده ووحدانيتِه التي أشارت إليها الجمل الثلاث السابقة .
والإِخبار عن الذين كفروا باسم الإِشارة للتنبيه عن أن المشار إليهم خسروا لأجْللِ ما وصفوا به قبلَ اسممِ الإِشارة وهو الكفر بآيات الله . وتوسطُ ضمير الفصل لإِفادة حصر الخسارة فِيهم وهو قصر ادعائي بناء على عدم الاعتداد بخسارة غيرهم بالنسبة إلى خسارتهم فخسارتهم أعظم خسارة .
قوله تعالى : " له مقاليد السماوات والأرض " واحدها مقليد . وقيل : مقلاد وأكثر ما يستعمل فيه إقليد . والمقاليد المفاتيح عن ابن عباس وغيره . وقال السدي : خزائن السماوات والأرض . وقال غيره : خزائن السماوات المطر ، وخزائن الأرض النبات . وفيه لغة أخرى : أقاليد وعليها يكون واحدها إقليد . قال الجوهري : والإقليد المفتاح ، والمقلد مفتاح كالمنجل ربما يقلد به الكلأ كما يقلد القت إذا جعل حبالا ، أي يفتل والجمع المقاليد . وأقلد البحر على خلق كثير أي غرقهم كأنه أغلق عليهم . وخرج البيهقي عن ابن عمر أن عثمان بن عفان رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى : " له مقاليد السماوات والأرض " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما سألني عنها أحد لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده استغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم هو الأول والآخر والظاهر والباطن يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير ) ذكره الثعلبي في تفسيره ، وزاد من قالها إذا أصبح أو أمسى عشر مرات أعطاه الله ست خصال : أولها : يحرس من إبليس ، والثانية : يحضره اثنا عشر ألف ملك ، والثالثة : يعطى قنطارا من الأجر ، والرابعة : ترفع له درجة ، والخامسة : يزوجه الله من الحور العين ، والسادسة : يكون له من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور ، وله أيضا من الأجر كمن حج واعتمر فقبلت حجته وعمرته ، فإن مات من ليلته مات شهيدا . وروى الحارث عن علي قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير المقاليد فقال : ( يا علي لقد سألت عن عظيم المقاليد هو أن تقول عشرا إذا أصبحت وعشرا إذا أمسيت : لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله واستغفر الله ولا قوة إلا بالله الأول والآخر والظاهر والباطن له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير ، من قالها عشرا إذا أصبح ، وعشرا إذا أمسى أعطاه الله خصالا ستا : أولها : يحرسه من الشيطان وجنوده فلا يكون لهم عليه سلطان ، والثانية : يعطى قنطارا في الجنة هو أثقل في ميزانه من جبل أحد ، والثالثة : ترفع له درجة لا ينالها إلا الأبرار ، والرابعة : يزوجه الله من الحور العين ، والخامسة : يشهده اثنا عشر ألف ملك يكتبونها له في رق منشور ويشهدون له بها يوم القيامة ، والسادسة : يكون له من الأجر كأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، وكمن حج واعتمر فقبل الله حجته وعمرته ، وإن مات من يومه أو ليلته أوشهره طبع بطابع الشهداء . وقيل : المقاليد الطاعة يقال ألقى إلى فلان بالمقاليد أي أطاعه فيما يأمره ، فمعنى الآية له طاعة من في السماوات والأرض .
قوله تعالى : " والذين كفروا بآيات الله " أي بالقرآن والحجج والدلالات . " أولئك هم الخاسرون " تقدم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.