التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَمۡ أَبۡرَمُوٓاْ أَمۡرٗا فَإِنَّا مُبۡرِمُونَ} (79)

{ أم } منقطة للإضراب الانتقالي من حديث إلى حديث مع اتحاد الغرض . انتقل من حديث ما أُعد لهم من العذاب يوم القيامة ما أُعد لهم من الخزي في الدنيا . فالجملة عطف على جملة { هل ينظرون إلا الساعة } [ الزخرف : 66 ] الخ .

والكلام بعد { أم } استفهام حذفت منه أداة الاستفهام وهو استفهام تقريري وتهديد ، أي أأبرموا أمراً . وضمير { أبرموا } مراد به المشركون الذين ناوأوا النبي صلى الله عليه وسلم وضمير ( إنَّا ) ضمير الجلالة .

والفاء في قوله : { فإنا مبرمون } للتفريع على ما اقتضاه الاستفهام من تقدير حصول المستفهم عنه فيؤول الكلام إلى معنى الشرط ، أي إن أبرموا أمراً من الكيد فإن الله مبرم لهم أمراً من نقض الكيد وإلحاق الأذى بهم ، ونظيره وفي معناه قوله : { أم يريدون كيداً فالذين كفروا هم المكيدون } [ الطور : 42 ] .

وعن مقاتل نزلت هذه الآية في تدبير قريش بالمكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة حين استقرّ أمرهم على ما أشار به أبو جهل عليهم أن يبرز من كل قبيلة رجل ليشتركوا في قتل النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يستطيع بنو هاشم المطالبة بدمه ، وقَتَل الله جميعهم في بدر .

والإبرام حقيقته : القتل المحكم ، وهو هنا مستعار لإحكام التدبير والعزم على ما دبروه .

والمخالفة بين { أبرموا } و { مُبرمون } لأن إبرامهم واقع ، وأما إبرام الله جزاءً لهم فهو توعد بأن الله قدَّر نقض ما أبرموه فإن اسم الفاعل حقيقة في زمن الحال ، أي نحن نقدّر لهم الآن أمراً عظيماً ، وذلك إيجاد أسباب وقعة بدر التي استؤصلوا فيها .

والأمر : العمل العظيم الخطير ، وحذف مفعول { مبرمون } لدلالة ما قبله عليه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَمۡ أَبۡرَمُوٓاْ أَمۡرٗا فَإِنَّا مُبۡرِمُونَ} (79)

قال مقاتل : نزلت في تدبيرهم المكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة ، حين استقر أمرهم على ما أشار به أبو جهل عليهم أن يبرز من كل قبيلة رجل ليشتركوا في قتله فتضعف المطالبة بدمه ، فنزلت هذه الآية ، وقتل الله جميعهم ببدر .

" أبرموا " أحكموا . والإبرام الإحكام . أبرمت الشيء أحكمته . وأبرم الفتال إذا أحكم الفتل ، وهو الفتل الثاني ، والأول سحيل ، كما قال :

. . . من سحيل{[13692]} ومبرم

فالمعنى : أم أحكموا كيدا فإنا محكمون لهم كيدا . قاله ابن زيد ومجاهد . قتادة : أم أجمعوا على التكذيب فإنا مجمعون على الجزاء بالبعث . الكلبي : أم قضوا أمرا فإنا قاضون عليهم بالعذاب . وأم بمعنى بل . وقيل : " أم أبرموا " عطف على قوله : " أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون " {[13693]} [ الزخرف : 45 ] . وقيل : أي ولقد جئناكم بالحق فلم تسمعوا ، أم سمعوا فأعرضوا لأنهم في أنفسهم أبرموا أمرا أمنوا به العقاب .


[13692]:هذا عجز بين لزهير بن أبي سلمى. والبيت كما في ديوانه: يمينا لنعم السيدان وجدتما *** على كل حال من سحيل ومبرم والسحيل: الغزل الذي لم يبرم.
[13693]:آية 45 من هذه السورة.