التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ} (31)

إعادتهم نداءَ قومهم للاهتمام بما بعد النداء وهو { أجيبوا داعي الله } إلى آخره لأنه المقصود من توجيه الخطاب إلى قومهم وليس المقصود إعلام قومهم بما لقوا من عجيب الحوادث وإنما كان ذلك توطئة لهذا ، ولأن اختلاف الأغراض وتجدّد الغرض مما يقتضي إعادة مثل هذا النداء كما يعيد الخطيب قوله : « أيها الناس » كما وقع في خطبة حجة الوداع . واستعير { أجيبوا } لمعنى : اعملوا وتقلدوا تشبيهاً للعمل بما في كلام المتكلم بإجابة نداء المنادي كما في الآية : { إلا أن دعوتُكم فاستَجَبْتُم لي } [ إبراهيم : 22 ] أي إلا أن أمرتكم فأطعتموني لأن قومهم لم يدعهم داع إلى شيء ، أي أطيعوا ما طلب منكم أن تعملوه .

وداعي الله يجوز أن يكون القرآن لأنه سبق في قولهم : { إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى } . وأطلق على القرآن { داعي الله } مجازاً لأنه يشتمل على طلب الاهتداء بهدي الله ، فشبه ذلك بدعاء إلى الله واشتق منه وصف للقرآن بأنه { داعي الله } على طريقة التّبعيّة وهي تابعة لاستعارة الإجابة لمعنى العمل . ويجوز أن يكون { داعي الله } محمداً صلى الله عليه وسلم لأنه يدعو إلى الله بالقرآن . وعطف { وآمنوا به } على { أجيبوا داعي الله } عطف خاص على عام .

وضمير { به } عائد إلى { الله } ، أي وآمنوا بالله ، وهو المناسب لتناسق الضمائر مع { يغفر لكم } و { يُجرْكم من عذاب أليم } أو عائد إلى داعي الله ، أي آمنوا بما فيه أو آمنوا بما جاء به ، وعلى الاحتمالين الأخيرين يقتضي أن هؤلاء الجن مأمورون بالإسلام .

و { مِن } في قوله : { من ذنوبكم } الأظهر أنها للتعليل فتتعلق بفعل { أجيبوا } باعتبار أنه مجاب بفعل { يغفر } ، ويجوز أن تكون تبعيضية ، أي يغفر لكم بعض ذنوبكم فيكون ذلك احترازاً في الوعد لأنهم لم يتحققوا تفصيل ما يغفر من الذنوب وما لا يغفر إذ كانوا قد سمعوا بعض القرآن ولم يحيطوا بما فيه . ويجوز أن تكون زائدة للتوكيد على رأي جماعة ممن يرون زيادة { من } في الإثبات كما تزاد في النفي . وأما { مِن } التي في قوله : { ويُجِرْكُم من عذاب أليم } فهي لتعدية فعل { يجركم } لأنه يقال : أجاره من ظلم فلان ، بمعنى منعه وأبعده .

وحكاية الله هذا عن الجن تقرير لما قالوه فيدل على أن للجن إدراكاً للمعاني وعلى أن ما تدل عليه أدلة العقل من الإلهيات واجب على الجن اعتقاده لأن مناط التكليف بالإلهيات العقلية هو الإدراك ، وأنه يجب اعتقاد المدركات إذا توجهت مداركهم إليها أو إذا نبهوا إليها كما دلت عليه قصة إبليس .

وهؤلاء قد نبهوا إليها بصَرْفهم إلى استماع القرآن وهم قد نبَّهوا قومهم إليها بإبلاغ ما سمعوه من القرآن وعلى حسب هذا المعنى يترتب الجزاء بالعقاب كما قال تعالى : { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } [ السجدة : 13 ] ، وقال في خطاب الشيطان { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } [ ص : 85 ] ، فأما فروع الشريعة فغير لائقة بجنس الجنّ . وظاهر الآية أن هؤلاء الذين بلغتهم دعوة القرآن مؤاخذون إذا لم يعملوا بها وأنهم يعذبون . واختلفوا في جزاء الجن على الإحسان فقال أبو حنيفة : ليس للجن ثواب إلا أن يُجَاروا من عذاب النار ثم يقال لهم كونوا تراباً مثل البهائم ، وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والضحاك : كما يجازَون على الإساءة يجازون على الإحسان فيدخلون الجنة . وحكى الفخر أن مناظرة جرت في هذه المسألة بين أبي حنيفة ومالك ولم أرَه لغيره . وهذه مسألة لا جدوى لها ولا يجب على المسلم اعتقاد شيء منها سوى أن العالِم إذا مرّت بها الآيات يتعيّن عليه فهمها .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ} (31)

" يا قومنا أجيبوا داعي الله " يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، وهذا يدل على أنه كان مبعوثا إلى الجن والإنس . قال مقاتل : ولم يبعث الله نبيا إلى الجن والإنس قبل محمد صلى الله عليه وسلم . قلت : يدل على قوله ما في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة ] . قال مجاهد : الأحمر والأسود : الجن والإنس . وفي رواية من حديث أبي هريرة " وبعثت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون " .

قوله تعالى : " وآمنوا به " أي بالداعي ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : " به " أي بالله ، لقوله : " يغفر لكم من ذنوبكم " . قال ابن عباس : فاستجاب لهم من قومهم سبعون رجلا ، فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوافقوه بالبطحاء ، فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم .

مسألة : هذه الآي تدل على أن الجن كالإنس في الأمر والنهي والثواب والعقاب . وقال الحسن : ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار ، يدل عليه قوله تعالى : " يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم " . وبه قال أبو حنيفة قال : ليس ثواب الجن إلا أن يجاروا من النار ، ثم يقال لهم : كونوا ترابا مثل البهائم . وقال آخرون : إنهم كما يعاقبون في الإساءة يجازون في الإحسان مثل الإنس . وإليه ذهب مالك والشافعي وابن أبي ليلي . وقد قال الضحاك : الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون . قال القشيري : والصحيح أن هذا مما لم يقطع فيه بشيء ، والعلم عند الله .

قلت : قوله تعالى : " ولكل درجات مما عملوا " {[13882]} [ الأنعام : 132 ] يدل على أنهم يثابون ويدخلون الجنة ، لأنه قال في أول الآية : " يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي " {[13883]} إلى أن قال " ولكل درجات مما عملوا " [ الأنعام :130 ] . والله أعلم ، وسيأتي لهذا في سورة " الرحمن " مزيد بيان إن شاء الله تعالى .


[13882]:آية 132 سورة الأنعام.
[13883]:آية 130 سورة الأنعام.