التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَلَمۡ يَعۡيَ بِخَلۡقِهِنَّ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (33)

عود إلى الاستدلال على إمكان البعث فهو متصل بقوله : { والذي قال لوالديه أفَ لكما أتَعِدَانِني أن أُخرج وقد خلت القرون من قبلي } إلى قوله : { أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين } [ الأحقاف : 17 ، 18 ] فهو انتقال من الموعظة بمصير أمثالهم من الأمم إلى الاستدلال على إبطال ضلالهم في شركهم وهو الضلال الذي جرّأهم على إحالة البعث ، بعد أن أطيل في إبطال تعدد الآلهة وفي إبطال تكذيبهم بالقرآن وتكذيبهم النبي صلى الله عليه وسلم وهذا عود على بدء فقد ابتدئت السورة بالاحتجاج على البعث بقوله تعالى : { ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } [ الأحقاف : 3 ] الآية ويتصل بقوله : { والذي قال لوالديه أفَ لكما أتِعَدَانني أن أخرج } إلى قوله : { أساطير الأولين } [ الأحقاف : 17 ] .

والواو عاطفة جملة الاستفهام ، وهو استفهام إنكاري ، والرؤية عِلمية . واختير هذا الفعل من بين أفعال العلم هنا لأن هذا العلم عليه حجة بينة مشاهدة ، وهي دلالة خلق السماوات والأرض من عدم ، وذلك من شأنه أن يفرض بالعقل إلى أن الله كامل القدرة على ما هو دون ذلك من إحياء الأموات .

ووقعت { أنّ } مع اسمها وخبرها سادّة مسدّ مفعولي { يروا } . ودخلت الباء الزائدة على خبر { أنّ } وهو مثبت وموكَّد ، وشأن الباء الزائدة أن تدخل على الخبر المنفي ، لأن { أن } وقعت في خبر المنفي وهو { أولم يروا } .

ووقع { بلى } جواباً عن الاستفهام الإنكاري . ولا يريبك في هذا ما شاع على ألسنة المعربين أن الاستفهام الإنكاري في تأويل النفي ، وهو هنا اتصل بفعل منفي ب ( لم ) فيصير نفي النفي إثباتاً ، فكان الشأن أن يكون جوابه بحرف ( نعم ) دون { بلى } ، لأن كلام المعربين أرادوا به أنه في قوة منفي عند المستفهم به ، ولم يريدوا أنه يعامل معاملة النفي في الأحكام . وكون الشيء بمعنى شيء لا يقتضي أن يعطَى جميع أحكامه .

ومحل التعجيب هو خبر { أنّ } وأما ما قبله فالمشركون لا ينكرونه فلا تعجيب في شأنه . ووقوع الباء في خبر { أنّ } وهو { بقادر } باعتبار أنه في حيّز النفي لأن العامل فيه وهو حرف { أنّ } وقع في موضع مفعولي فِعل { يروا } الذي هو منفي فسرى النفي للعامل ومعموله ، فقرن بالباء لأجل ذلك ، وفي « الكشاف » « قال الزجاج لو قلت : ما ظننت أن زيداً بقائم جاز ، كأنه قيل : أليس الله بقادر » اهـ . وقال أبو عبيدة والأخفش : الباء زائدة للتوكيد كالباء في قوله : { وكفى بالله شهيداً } [ النساء : 79 ] يريدان أنها زائدة في الإثبات على وجه الندور .

وأما موقع الجواب بحرف { بلى } فهو جواب لمحذوف دل عليه التعجيب من ظنهم أن الله غيرُ قادر على أن يحيي الموتى ، فإن ذلك يتضمن حكاية عنهم أن الله لا يحيي الموتى ، فأجيب بقوله : { بلى } تعليماً للمسلمين وتلقيناً لما يجيبونهم به .

وحرف { بلى } لما كان جواباً كان قائماً مقام جملة تقديرها : هو قادر على أن يحيي الموتى .

وجملة { ولم يَعْيَ بخلقهن } عطف على جملة { الذي خلق السماوات والأرض } . وقوله : { لم يعييَ } مضارع عَيِيَ من باب رضي ، ومصدره العِيّ بكسر العين وهو العجز عن العمل أو عن الكلام ، ومنه العيّ في الكلام ، أي عسر الإبَانِة . وتعديته بالباء هنا بلاغة ليفيد انتفاء عجزه عن صنعها وانتفاء عجزه في تدبير مقاديرها ومناسباتها ، فكانت باء الملابسة صالحة لتعليق الخلق بالعي بمعنييه .

وكثير من أيمة اللغة يرون أن العِيّ يطلق على التعب وعن عجز الرأي وعجز الحيلة . وعن الكسائي والأصمعي : العِيُّ خاص بالعجز في الحيلة والرأي . وأما الإعياء فهو التعب من المشي ونحوه ، وفعله أعيا ، وهذا ما درج عليه الراغب وصاحب « القاموس » .

وظاهر الأساس : أن أعيا لا يكون إلا متعدياً ، أي همزته همزة تعدية فهذا قول ثالث .

وزعم أبو حيان أن مثله مقصور على السماع . قلت : وهو راجع إلى تنازع العاملين .

وعلى هذا الرأي يكون قوله تعالى هنا { ولم يَعْي } دالاً على سَعة علمه تعالى بدقائق ما يقتضيه نظام السماوات والأرض ليوجدهما وافيين به . وتكون دلالته على أنه قدير على إيجادهما بدلالة الفحوى أو يكون إيكال أمر قدرته على خلقهما إلى علم المخاطبين ، لأنهم لم ينكروا ذلك ، وإنما قصد تنبيههم إلى ما في نظام خلقهما من الدقائق والحِكم ومن جملتها لزوم الجزاء على عمل الصالحات والسيئات . وعليه أيضاً تكون تعدية فعل { يَعْيَ } بالباء متعينة .

وقرأ الجمهور { بقادر } بالموحدة بصيغة اسم الفاعل . وقرأه يعقوب { يقدر } بتحتية في أوله على أنه مضارع من القدرة ، وتكون جملة { يقدر } في محل خبر { أنَّ } .

وجملة { إنه على كل شيء قدير } تذييل لجملة { بلى } لأن هذه تفيد القدرة على خلق السماوات والأرض وإحياء الموتى وغير ذلك من الموجودات الخارجة عن السماوات والأرض . وتأكيد الكلام بحرف ( أنَّ ) لرد إنكارهم أن يمكن إحياء الله الموتى ، لأنهم لما أحالوا ذلك فقد أنكروا عموم قدرته تعالى على كل شيء .

ولهذه النكتة جيء في القدرة على إحياء الموتى بوصف { قادر } ، وفي القدرة على كل شيء بوصف { قدير } الذي هو أكثر دلالة على القدرة من وصف { قادر } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَلَمۡ يَعۡيَ بِخَلۡقِهِنَّ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ} (33)

قوله تعالى : " أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض " الرؤية هنا بمعنى العلم . و " أن " واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي الرؤية . " ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير " احتجاج على منكري البعث . ومعنى " لم يعي " يعجز ويضعف عن إبداعهن . يقال : عي بأمره وعيي إذا لم يهتد لوجهه ، والإدغام أكثر . وتقول في الجمع عيوا ، مخففا ، وعيوا أيضا بالتشديد . قال

عَيُّوا بأمرهمُ كما *** عَيَّتْ بِبَيْضَتِهَا الحَمَامَهْ{[13884]}

وعييت بأمري إذا لم تهتد لوجهه . وأعياني هو . وقرأ الحسن " ولم يعي " بكسر العين وإسكان الياء ، وهو قليل شاذ ، لم يأت إعلال العين وتصحيح اللام إلا في أسماء قليلة ، نحو غاية وآية . ولم يأت في الفعل سوى بيت أنشده الفراء ، وهو قول الشاعر :

فكأنها بين النساء سَبِيكَةٌ *** تمشِي بسدة{[13885]} بيتها فَتُعِيّ

" بقادر " قال أبو عبيدة والأخفش : الباء زائدة للتوكيد كالباء في قوله : " وكفى بالله شهيدا " [ النساء : 166 ] ، وقوله : " تنبت بالدهن " {[13886]} [ المؤمنون : 20 ] . وقال الكسائي والفراء والزجاج : الباء فيه خلف الاستفهام والجحد في أول الكلام . قال الزجاج : والعرب تدخلها مع الجحد تقول : ما ظننت أن زيدا بقائم . ولا تقول : ظننت أن زيدا بقائم . وهو لدخول " ما " ودخول " أن " للتوكيد . والتقدير : أليس الله بقادر ، كقوله تعالى : " أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر " {[13887]} [ يس : 81 ] . وقرأ ابن مسعود والأعرج والجحدري وابن أبي إسحاق ويعقوب " يقدر " واختاره أبو حاتم ، لأن دخول الباء في خبر " أن " قبيح . واختار أبو عبيد قراءة العامة ، لأنها في قراءة عبد الله " خلق السموات والأرض قادر " بغير باء . والله أعلم .


[13884]:البيت لعبيد بن الأبرص.
[13885]:السدّة: الفناء.
[13886]:آية 20 سورة المؤمنون.
[13887]:آية 81 سورة يس.