فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ} (31)

{ يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به } يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم أو القرآن { يغفر لكم } جواب الأمر { من ذنوبكم } أي بعضها ، وهو ما عدا حق العباد لأنه لا يغفر إلا برضاء أصحابه ، وقيل : إن من هنا لابتداء الغاية والمعنى أنه يقع ابتداء الغفران من الذنوب ثم ينتهي إلى غفران ترك ما هو الأولى وقيل هي زائدة والأول أولى .

{ ويجركم من عذاب أليم } وهو عذاب النار ، وفي هذه الآية دليل على أن حكم الجن حكم الإنس في الثواب والعقاب والتعبد بالأوامر والنواهي ، وقال الحسن : ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار ، وبه قال أبو حنيفة والأول أولى ، وبه قال مالك والشافعي وابن أبي ليلى ، وعلى القول الثاني فقال القائلون به إنهم بعد نجاتهم من النار يقال لهم كونوا ترابا كما يقال للبهائم ، والأول أرجح ، وقد قال الله تعالى في مخاطبة الجن والإنس :

{ ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان } فامتن الله سبحانه على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة ولا ينافي هذا الاقتصار ههنا على ذكر إجارتهم من عذاب أليم ، ومما يؤيد هذا أن الله سبحانه قد جازى كافرهم بالنار ، وهو مقام عدل فكيف لا يجازي محسنهم بالجنة ، وهو مقام فضل ، ومما يؤيد هذا أيضا ما في القرآن الكريم في غير موضع أن جزاء المؤمنين الجنة وجزاء من عمل الصالحات الجنة وجزاء من قال لا إله إلا الله الجنة وغير ذلك مما هو كثير في الكتاب والسنة .

وقد اختلف أهل العلم هل أرسل الله إلى الجن رسولا منهم ؟ أم لا ؟ وظاهر الآيات القرآنية أن الرسل من الإنس كما في قوله : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى } وقال { وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق } وقال سبحانه في إبراهيم الخليل { وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب } فكل نبي بعثه الله بعد إبراهيم فهو من ذريته وأما قوله سبحانه في سورة الأنعام { يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم } فقيل المراد من مجموع الجنسين ما صدق عليه أحدهما وهم الإنس كقوله { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } أي من أحدهما .