التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِيمٗا} (5)

اللام للتعليل متعلقة بفعل { ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم } [ الفتح : 4 ] فما بعد اللام علة لعلة إنزال السكينة فتكون علة لإنزال السكينة أيضاً بواسطة أنه علة العلة .

وذكر المؤمنات مع المؤمنين هنا لدفع توهم أن يكون الوعد بهذا الإدخال مختصاً بالرجال . وإذ كانت صيغة الجمع صيغة المذكر مع ما قد يؤكد هذا التوهم من وقوعه علة أو علةَ علةٍ للفتح وللنصر وللجنود وكلها من ملابسات الذكور ، وإنما كان للمؤمنات حظ في ذلك لأنهن لا يخلون من مشاركة في تلك الشدَائد ممن يقمن منهن على المرضى والجرحى وسقي الجيش وقت القتال ومن صبر بعضهنّ على الثُّكل أو التأيّم ، ومن صبرهن على غيبة الأزواج والأبناء وذوي القرابة . والإشارة في قوله { وكان ذلك } إلى المذكور من إدخال الله إياهم الجنة .

والمراد بإدخالهم الجنة إدخال خاص وهو إدخالهم منازل المجاهدين وليس هو الإدخال الذي استحقوه بالإيمان وصالح الأعمال الأخرى . ولذلك عطف عليه { ويكفر عنهم سيئاتهم } .

والفوز : مصدر ، وهو الظفر بالخير والنجاح . و { عند الله } متعلّق ب { فوزاً } ، أي فازوا عند الله بمعنى : لقوا النجاح والظفر في معاملة الله لهم بالكرامة وتقديمه على متعلقه للاهتمام بهذه المعاملة ذات الكرامة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّـٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِيمٗا} (5)

أي : أنزل السكينة ليزدادوا إيمانا . ثم تلك الزيادة بسبب إدخالهم الجنة . وقيل : اللام في " ليدخل " يتعلق بما يتعلق به اللام في قوله : " ليغفر لك الله " " وكان ذلك " أي ذلك الوعد من دخول مكة وغفران الذنوب . " عند الله فوزا عظيما " أي نجاة من كل غم ، وظفرا بكل مطلوب . وقيل : لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " قالوا : هنيئا لك يا رسول الله ، فماذا لنا ؟ فنزل : " ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات " ولما قرأ " ويتم نعمته عليك " قالوا : هنيئا لك ، فنزلت : " وأتممت عليكم نعمتي " {[13986]} [ المائدة : 3 ] فلما قرأ " ويهديك صراطا مستقيما " نزل في حق الأمة : " ويهديك صراطا مستقيما " {[13987]} [ الفتح : 2 ] . ولما قال : " وينصرك الله نصرا عزيزا " [ الفتح : 3 ] نزل : " وكان حقا علينا نصر المؤمنين " {[13988]} [ الروم : 47 ] . وهو كقوله تعالى : " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " {[13989]} [ الأحزاب : 56 ] . ثم قال : " هو الذي يصلي عليكم " {[13990]} [ الأحزاب : 43 ] ذكره القشيري .


[13986]:آية 3 سورة المائدة.
[13987]:آية 20 من هذه السورة.
[13988]:آية 47 سورة الروم.
[13989]:آية 56 سورة الأحزاب.
[13990]:آية 43 سورة الأحزاب.