التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (7)

عطف على جملة { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } [ المائدة : 6 ] الآية الواقعة تذييلاً لقوله : { يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } [ المائدة : 6 ] الآية .

والكلام مرتبط بما افتتحت به السورة من قوله : { أوفوا بالعقود } لأنّ في التذكير بالنعمة تعريضاً بالحثّ على الوفاء .

ذكّرهم بنعم مضت تذكيراً يقصد منه الحثّ على الشكر وعلى الوفاء بالعهود ، والمراد من النّعمة جنسها لا نعمة معيّنة ، وهي ما في الإسلام من العزّ والتمكين في الأرض وذهاب أحوال الجاهلية وصلاح أحوال الأمّة .

والميثاق : العهد ، وواثق : عاهد . وأطلق فعل وَاثق على معنى الميثاق الّذي أعطاه المسلمون ، وعلى وعد الله لهم ما وعدهم على الوفاء بعهدهم . ففي صيغة { واثقكم } استعمال اللّفظ في حقيقته ومجازه .

و { إذ } اسم زمان عُرّف هنا بالإضافة إلى قول معلوم عند المخاطبين .

والمسلمون عاهدوا الله في زمن الرّسول صلى الله عليه وسلم عدّة عهود : أوّلها عهد الإسلام كما تقدّم في صدر هذه السورة . ومنها عهد المسلمين عندما يلاقون الرّسول عليه الصلاة والسلام وهو البيعة أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم ولا يعصونه في معروف ، وهو عين العهد الذي ذكره القرآن في سورة الممتحنة عند ذكر بيعة النساء المؤمنات ، كما ورد في الصّحيح أنّه كان يبايع المؤمنين على مثل ذلك ، ومنها بيعة الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم في موسم الحجّ سنة ثلاث عشرة من البعثة قبل الهجرة . وكانوا ثلاثة وسبعين رجلاً التقَوا برسول الله بعد الموسم في العقبة ومعهم العبّاس بن عبد المطلب ، فبايعوا على أن يمنعوا رسول الله كما يمنعون نساءهم وأبناءهم ، وعلى أنّهم يأوونه إذا هاجر إليهم . وقد تقدّم هذه البيعةَ بيعتان إحداهما سنة إحدى عشرة من البعثة ، بايعة نَفَر من الخزرج في موسم الحجّ . والثّانية سنة اثنتي عشرة من البعثة ، بايع اثنا عشر رجلاً من الخزرج في موسم الحجّ بالعقبة ليبلّغوا الإسلام إلى قومهم . ومن المواثيق ميثاق بيعة الرضوان في الحديبية تحت الشجرة سنة ستّ من الهجرة ، وفي كلّ ذلك واثقوا على السمع والطاعة في المنشط والمَكْرَه .

ومعنى { سمعنا وأطعنا } الاعتراف بالتّبليغ ، والاعتراف بأنّهم سمعوا ما طُلب منهم العهد عليه . فالسمع أريد به العلم بما واثقوا عليه ، ويجوز أن يكون { سمعنا } مجازاً في الامتثال ، { وأطعنا } تأكيداً له . وهذا من استعمال سَمِع ، ومنه قولهم : بايَعوا على السمع والطّاعة . وقال النّابغة يذكر حالة من لدغته حيّة فأخذوا يرقونه :

تَنَاذَرَهَا الرّاقُون من سُوء سمعها

أي من سوء طاعتها للرقية ، أي عدم نجاح الرقية في سمّها . وعقّب ذلك بالأمر بالتّقوى ؛ لأنّ النعمة تستحقّ أن يشكر مُسديها . وشكر الله تَقواه .

وجملة { إنّ الله عليم بذات الصدور } تذييل للتحذير من إضمار المعاصي ومن توهّم أنّ الله لا يعلم إلاّ ما يبدو منهم . وحرف ( إنّ ) أفاد أنّ الجملة علّة لما قبلها على الأسلوب المقرّر في البلاغة في قول بشّار :

إنّ ذاك النجَاح في التبكير

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} (7)

قوله تعالى : " واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به " قيل : هو الميثاق الذي في قوله عز وجل : " وإذ أخذ ربك من بني آدم{[5402]} " [ الأعراف : 172 ] . قاله مجاهد وغيره . ونحن وإن لم نذكره فقد أخبرنا الصادق به ، فيجوز أن نؤمر بالوفاء به . وقيل : هو خطاب لليهود بحفظ ما أخذ عليهم في التوراة . والذي عليه الجمهور من المفسرين كابن عباس والسدي هو العهد والميثاق الذي جرى لهم مع النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره إذ قالوا : سمعنا وأطعنا ، كما جرى ليلة العقبة وتحت الشجرة ، وأضافه تعالى إلى نفسه كما قال : " إنما يبايعون الله " {[5403]} [ الفتح : 10 ] فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة على أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم ، وأن يرحل إليهم هو وأصحابه ، وكان أول من بايعه البراء بن معرور ، وكان له في تلك الليلة المقام المحمود في التوثق لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والشد لعقد أمره ، وهو القائل : والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا{[5404]} ، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر . الخبر المشهور في سيرة ابن إسحاق . ويأتي ذكر بيعة الرضوان في موضعها{[5405]} . وقد اتصل هذا بقوله تعالى : " أوفوا بالعقود " [ المائدة : 1 ] فوفوا بما قالوا ؛ جزاهم الله تعالى عنهم وعن الإسلام خيرا ، ورضي الله عنهم وأرضاهم . " واتقوا الله " أي في مخالفته أنه عالم بكل شيء .


[5402]:راجع ج 7 ص 313.
[5403]:راجع ج 16 ص 267، وص 274. في ك و ج و هـ : بيعة الشجرة.
[5404]:أزرنا أي نساءنا وأهلنا كنى عنهن بالأزر. وقيل: أراد أنفسنا. راجع "سيرة ابن هشام" ج 1 ص 293 طبع أوربا.
[5405]:راجع ج 16 ص 267، وص 274. في ك و ج و هـ : بيعة الشجرة.