التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (2)

استئناف بياني لأن تكذيب الله تعالى إياهم في قولهم للنبيء صلى الله عليه وسلم { نشهد إنك لرسول الله } [ المنافقون : 1 ] يثير في أنفس السامعين سؤالاً عن أيْمانهم لدى النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم مؤمنون به وأنهم لا يضمرون بغضه فأخبر الله عنهم بأنهم اتخذوا أيمانهم تقية يتقون بها وقد وصفهم الله بالحلف بالأيمان الكاذبة في آيات كثيرة من القرآن .

والجُنة : ما يستتر به ويُتَّقَى ومنه سميت الدرع جُنة .

والمعنى : جعلوا أيمانهم كالجُنّة يتّقي بها ما يَلْحق من أذى . فلما شبهت الأيمان بالجُنّة على طريقة التشبيه البليغ ، أُتبع ذلك بتشبيه الحَلف باتخاذ الجنة ، أي استعمالها ، ففي { اتخذوا } استعارة تبعية ، وليس هذا خاصاً بحلف عبد الله بن أُبَيّ أنه قال : « لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل » ، كما تقدم في ذكر سبب نزولها ، بل هو أعمّ ، ولذلك فالوجه حمل ضمائر الجمع في قوله : { اتخذوا أيمانهم } الآية على حقيقتها ، أي اتخذ المنافقون كلُّهم أيمانهم جُنة ، أي كانت تلك تقيتهم ، أي تلك شنشنة معروفة فيهم .

{ فصدوا عن سبيل الله } تفريع لصدهم عن سبيل الله على الحلف الكاذب لأن اليمين الفاجرة من كبائر الإِثم لما فيها من الاستخفاف بجانب الله تعالى ولأنهم لما حلفوا على الكذب ظنوا أنهم قد أمنوا اتّهام المسلمين إياهم بالنفاق فاستمروا على الكفر والمكر بالمسلمين وذلك صدّ عن سبيل الله ، أي إعراض عن الأعمال التي أمر الله بسلوكها .

وفعل ( صدّوا ) هنا قاصر الذي قياس مضارعه يَصِدُّ بكسر الصاد .

وجملة { إنهم ساء ما كانوا يعملون } تذييل لتفظيع حالهم عن السامع . وساء من أفعال الذم تُلحق ببئس على تقدير تحويل صيغة فعْلها عن فَعَل المفتوح العين إلى فَعُل المضمومِها لقصد إفادة الذم مع إفادة التعجب بسبب ذلك التحويل كما نبه عليه صاحب « الكشاف » وأشار إليه صاحب « التسهيل » .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (2)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى- قوله تعالى : " اتخذوا أيمانهم جنة " أي سترة . وليس يرجع إلى قوله " نشهد إنك لرسول الله " وإنما يرجع إلى سبب الآية التي نزلت عليه ، حسب ما ذكره البخاري والترمذي عن ابن أبي أنه حلف ما قال وقد قال . وقال الضحاك : يعني حلفهم بالله " إنهم لمنكم " وقيل : يعني بأيمانهم ما أخبر الرب عنهم في سورة " التوبة " إذ قال : " يحلفون بالله ما قالوا " [ التوبة : 74 ] .

الثانية- من قال أقسم بالله أو أشهد بالله أو أعزم بالله أو أحلف بالله ، أو أقسمت بالله أو أشهدت بالله أو أعزمت بالله أو أحلفت بالله ، فقال في ذلك كله " بالله " فلا خلاف أنها يمين . وكذلك عند مالك وأصحابه إن قال : أقسم أو أشهد أو أعزم أو أحلف ، ولم يقل " بالله " ، إذا أراد " بالله " . وإن لم يرد " بالله " فليس بيمين . وحكاه الكيا عن الشافعي ، قال الشافعي : إذا قال أشهد بالله ونوى اليمين كان يمينا . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لو قال أشهد بالله لقد كان كذا كان يمينا ، ولو قال أشهد لقد كان كذا دون النية كان يمينا لهذه الآية ؛ لأن الله تعالى ذكر منهم الشهادة ثم قال : " اتخذوا أيمانهم جنة " . وعند الشافعي لا يكون ذلك يمينا وإن نوى اليمين ؛ لأن قوله تعالى : " اتخذوا أيمانهم جنة " ليس يرجع إلى قوله : " قالوا نشهد " وإنما يرجع إلى ما في " التوبة " من قوله تعالى : " يحلفون بالله ما قالوا " [ التوبة : 74 ] .

الثالثة- قوله تعالى : " فصدوا عن سبيل الله " أي أعرضوا ، وهو من الصدود . أو صرفوا المؤمنين عن إقامة حكم الله عليهم من القتل والسبي وأخذ الأموال ، فهو من الصد ، أو منعوا الناس عن الجهاد بأن يتخلفوا ويفتدي بهم غيرهم . وقيل : فصدوا اليهود والمشركين عن الدخول في الإسلام ، بأن يقولوا ها نحن كافرون بهم ، ولو كان محمد حقا لعرف هذا منا ، ولجعلنا نكالا . فبين الله أن حالهم لا يخفي عليه ، ولكن حكمه أن من أظهر الإيمان أجرى عليه في الظاهر حكم الإيمان . " إنهم ساء ما كانوا يعملون " أي بئست أعمالهم الخبيثة من نفاقهم وأيمانهم الكاذبة وصدهم عن سبيل الله أعمالا .