التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (9)

هذه الآيات هي المقصود من السورة وما قبلها مقدمات وتوطئات لها كما ذكرناه آنفاً . وقد تقدم ما حكاه « الكشاف » من أن اليهود افتخروا على المسلمين بالسبت فشرع الله للمسلمين الجمعة . فهذا وجه اتصال هذه الآية بالآيات الأربع التي قبلها فكن لهذه الآية تمهيداً وتوطئة . اللام في قوله : { للصلاة } لام التعليل ، أي نادى مناد لأجل الصلاة من يوم الجمعة ، فعلم أن النداء هنا هو أذان الصلاة .

والجمعة بضم الجيم وضم الميم في لغة جمهور العرب وهو لغة أهل الحجاز . وبنُو عُقَيْل بسكون الميم .

والتعريف في { الصلاة } تعريف العهد وهي الصلاة المعروفة الخاصة بيوم الجمعة . وقد ثبتت شرعاً بالتواتر ثم تقررت بهذه الآية فصار دليل وجوبها في الكتاب والسنة المتواترة وإجماع الأمة .

وكانت صلاةُ الجمعة مشروعة من أول أيام الهجرة . رُوي عن ابن سيرين أن الأنصار جمَّعوا الجمعة قبل أن يقدمَ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قالوا : إن لليهود يوماً يجتمعون فيه وللنصارى يوم مثل ذلك فتعالَوا فلنجتمع حتى نجعل يوماً لنا نذكر الله ونصلي فيه . وقالوا : إن لليهود السبت وللنصارى الأحد فاجعلوه يوم العَروبة . فاجتمعَوا إلى أسعدَ بن زُرَارةَ فصلى بهم يومئذٍ ركعتين وذكَّرهم .

وروى البيهقي عن الزهري أن مُصْعَب بن عُمير كان أول من جَمَّع الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعين أن يكون ذلك قد عَلم به النبي صلى الله عليه وسلم ولعلهم بلغهم عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثُ فضل يوم الجمعة وأنه يوم المسلمين .

فمشروعية صلاة الجمعة والتجميع فيه إجابة من الله تعالى رغبة المسلمين مثل إجابته رغبة النبي صلى الله عليه وسلم استقبال الكعبة المذكورة في قوله تعالى : { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام } [ البقرة : 144 ] .

وأما أول جمعة جمَّعها النبي صلى الله عليه وسلم فقال أهل السِيرَ : كانت في اليوم الخامس للهجرة لأن رسول الله قدم المدينة يومَ الاثنين لاثنتيْ عشرةَ ليلةً خلتْ من ربيع الأول فأقام بِقُبَاء ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة فأدركه وقتُ الجُمعة في بطن واد لبني سَالم بن عوف كان لهم فيه مسجد ، فجمَّع بهم في ذلك المسجد ، وخطب فيه أول خطبة خطبها بالمدينة وهي طويلة ذكر نصها القرطبي في « تفسيره » .

وقولهم : « فأدركه وقت الجمعة » ، يدل على أن صلاة الجمعة كانت مشروعة يومئذٍ وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان عازماً أن يصليها بالمدينة فضاق عليه الوقت فأداها في مسجد بني سالم ، ثم صلّى الجمعة القابلة في مسجده بالمدينة وكانت جمعة المسجد النبوي بالمدينة الثانيةَ بالأخبار الصحيحة .

وأول جُمعة جُمِّعت في مسجد من مساجد بلاد الإِسلام بعدَ المدينة كانت في مسجد جُؤَاثاء{[421]}

من بلاد البحرين وهي مدينة الخَطّ قرية لعبد القيس .

ولما ارتدت العرب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أهل جُؤَاثاء على الإِسلام .

وتقرر أن يوم الجمعة اليوم السابع من أيام الأسبوع في الإِسلام وهو الذي كان يسمّى في الجاهلية عَروبَة . قال بعض الأيمة : ولا تدخل عليه اللام . قال السهيلي : معنى العَروبة الراحة فيما بلغني عن بعض أهل العلم اهـ . قلت وذلك مروي عن ثعلب ، وهو قبل يوم السبت وقد كان يوم السبت عيدَ الأسبوع عند اليهود وهو آخر أيام الأسبوع . وقد فرضت عليهم الراحة فيه عن الشغل بنص التوراة فكانوا يبتدئون عدد أيام الأسبوع من يوم الأحد وهو الموالي للسبت وتبعهم العرب في ذلك لأسباب غير معروفة ولذلك سمّى العرب القدماءُ يوم الأحد أولَ .

فأيام الأسبوع عند العرب في القديم هي : أوَّلُ ، أَهونُ جُبَار ، ( كغُراب وكِتاب ) ، دُبار ( كذلك ) ، مُؤيِس ( مهموزاً ) ، عَروبة ، شِيار ( بشين معجمة مكسورة بعدها تحتية مخففة ) .

ثم أحدثوا أسماءَ لهذه الأيام هي : الأحد ، الإثنين ، الثُّلاثاء بفتح المثلثة الأولى وبضمها ، الإِرْبِعاء بكسر الهمزة وكسر الموحدة ، الخميس ، عَروبة أو الجمعة في قول بعضهم السَّبْت . وأصل السبت : القطع ، سمي سبتاً عند الإِسرائيليين لأنهم يقطعون فيه العمل ، وشاع ذلك الاسم عند العرب .

وسمّوا الأيام الأربعة بعدهُ بأسماء مشتقة عن أسماء العدد على ترتيبها وليس في التوراة ذكر أسماء للأيام . وفي سفر التكوين منها « ذُكرت أيامُ بدء الخلق بأعدادها أولُ وثانٍ » الخ ، وأن الله لم يخلق شيئاً في اليوم الذي بعد اليوم السادس . وسمتْه التوراة سَبْتاً ، قال السهيلي : قيل أول من سَمى يوم عَروبة الجمعةَ كَعبُ بن لُؤَي جدُّ أبي قُصي . وكان قريش يجتمعون فيه إلى كعب قال : وفي قول بعضهم . u لم يسم يوم عروبة يوم الجمعة إلا مذ جاء الإِسلام .

جعل الله يوم الجمعة للمسلمين عيدَ الأُسبوع فشرع لهم اجتماع أهل البلد في المسجد وسماعَ الخطبة ليعلَّموا ما يهمهم في إقامة شؤون دينهم وإصلاحهم .

قال القفّال : ما جعل الله الناس أشرف العالم السفلي لم يُخْففِ عظم المنة وجلالة قدر موهبتِه لهم فأمرهم بالشكر على هذه الكرامة في يوم من الأيام السبعة ليكون في اجتماعهم في ذلك اليوم تنبيه على عظم ما أنعم الله به عليهم . ولكل أهل ملةٍ معروفة يومٌ من الأسبوع معظم ، فلليهود يوم السبت وللنصارى الأحد وللمسلمين يوم الجمعة . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " نحن الآخِرون " ، أي آخر الدنيا السابقون يوم القيامة ( يوم القيامة يتعلق ب« السابقون » ) . بيدَ أنهم ( أي اليهود والنصارى ) أوتوا الكتاب من قبلنا ثم كان هذا اليومَ الذي اختلفوا فيه فهدَانَا الله إليه ، فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد .

ولما جُعل يوم الجمعة يوم شكر وتعظيم نعمة احتيج فيه إلى الاجتماع الذي تقع به شهرته فجُمِّعت الجماعات لذلك ، واحتيج فيه إلى الخطبة تذكيراً بالنعمة وحثّاً على استدامتها . ولما كان مدار التعظيم إنما هو على الصلاة جعلت الصلاة لهذا اليوم وسط النهار ليتم الاجتماع ولم تُجْز هذه الصلاة إلا في مسجد واحد ليكون أدعى الاجتماع اه . كلام القفال . وقول النبي صلى الله عليه وسلم « والنصارى بعد غد » ، إشارة إلى ما عمله النصارى بعد المسيح وبعدَ الحواريين من تعويض يوم السبت بيوم الأحد لأنهم زعموا أن يومَ الأحد فيه قام عيسى من قبره . فعوضوا الأحد عن يوم السبت بأمر من قُسطنطين سلطاننِ الروم في سنة 321 المسيحي . وصار دِيناً لهم بأمر أحبارهم .

وصلاة الجمعة هي صلاة ظُهرِ يوم الجمعة ، وليست صلاةً زائدة على الصلوات الخمس فأُسقط من صلاة الظهر ركعتان لأجْل الخطبتين . روي عن عمر بن الخطاب أنه قال : وإنما قُصِّرت الجمعة لأجل الخطبة{[422]} .

وأحسب أن ذلك تخفيف على الناس إذ وجبت عليهم خطبتان مع الصلاة فكانت كل خطبة بمنزلة ركعةٍ وهذا سبب الجلوس بين الخطبتين للإِيماء إلى أنهما قائمتان مقام الركعتين ولذلك كان الجلوس خفيفاً . غير أن الخطبتين لم تعطيَا أحكام الركعتين فلا يضر فوات إحداهما أو فواتهما معاً ولا يجب على المسبوق تعويضهما ولا سجودٌ لنقصهما عند جمهور فقهاء الأمصار ، روي عن عطاء ومجاهد وطاووس : أن من فاتته الخطبة يوم الجمعة صلى أربعاً صلاة الظهر . وعن عطاء : أن من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أضاف إليها ثلاث ركعات وهو أراد إن فاتته الخطبة وركعة من صلاة الجمعة{[423]} .

وجعلت القراءة في الصلاة جهراً مع أن شأن صلوات النهار إسرار القراءة لفائدة إسماع الناس سُوراً من القرآن كما أسمِعوا الخطبة فكانت صلاةَ إرشاد لأهل البلد في يوم من كل أسبوع .

والإِجماع على أن صلاة الجمعة قائمة مقام صلاة الظهر في يوم الجمعة فمن صلاها لا يصلي معها ظهراً فأما من لم يصلِها لعذر أو لغيره فيجب عليه أن يصلي الظهر . ورأيت في الجامع الأموي في دمشق قَام إمام يصلي بجماعة ظُهراً بعد الفراغ من صلاة الجمعة وذلك بدعة .

وإنما اختلف الأيمة في أصل الفرض في وقت الظهر يوم الجمعة فقال مالك والشافعي في آخر قوليه وأحمد وزُفَر من أصحاب أبي حنيفة : صلاة الجمعة المعروفة فرضُ وقت الزوال في يوم الجمعة وصلاة الظهر في ذلك اليوم لا تكون إلا بَدلاً عن صلاة الجمعة ، أي لمن لم يصل الجمعة لعذر ونحوه .

وقال أبو حنيفة والشافعي في أول قوليه ( المرجوع عنه ) وأبو يوسف ومحمدٌ في رواية : الفرضُ بالأصل هو الظهر وصلاة الجمعة بَدل عن الظهر ، وهو الذي صححه فقهاء الحنفية .

وقال محمد في رواية عنه : الفرض إحدى الصلاتين من غير تعيين والتعيينُ للمكلف فأشبه الواجبَ المخير ( لأن الواجب المخير لا يأثم فيه فاعل أحد الأمرين وتارك الجمعة بدون عذر آثم ) .

قالوا : تظهر فائدة الخلاف في حُرَ مقيم صلّى الظهر في أول الوقت ؛ فقال أبو حنيفة وأصحابه : له صلاة الظهر مطلقاً حتى لو خرج بعد أن صلّى الظهرَ أو لم يخرج لم يبطل فرضُه ، لكن عند أبي حنيفة يبطل ظُهره بمجرد السعي مطلقاً وعند صاحبيه لا يبطل ظُهره إلا إذا أدرك الجمعة .

وقال مالك والشافعي : لا يجوز أن يصلّي الظهر يوم الجمعة سواء أدرك الجمعةَ أم لا ، خرج إليها أم لا ( يعني فإن أدرك الجمعة فالأمرُ ظاهر وإن لم يدركها وجب عليه أن يصلي ظهراً آخر ) .

والنداء للصلاة : الأذان المعروف وهو أذان الظهر ورد في « الصحيح » عن السائب بن يزيد قال : كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الإِمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعُمر . قال السائب بن يزيد : فلما كان عثمان وكثُر الناس بالمدينة زاد أذاناً على الزوراء ( الزوراء موضع بسوق المدينة ) . وربما وصف في بعض الرّوايات بالأذان الثاني . ومعنى كونه ثانياً أنه أذانٌ مكرِّر للأذان الأصلي فهو ثان في المشروعية ولا يريد أنه يؤذن به بعد الفراغ من الأذان الذي يؤذن به وقت جلوس الإِمام على المنبر ، أي يؤذن به في باب المسجد ، إذْ لم يكن للناس يومئذٍ صومعة ، وربما وقع في بعض الروايات وصفه بالنداء الثالث وإنما يُعنَى بذلك أنه ثالث بضميمه الأذان الأول . ولا يراد أن الناس يؤذنون أذانين في المسجد وإنما زاده عثمان ليُسمعَ النداءُ من في أطراف المدينة ، وربما سموه الأذان الأول .

والذي يظهر من تحقيق الروايات أن هذا الأذان الثاني يؤذّن به عقب الأذان الأول ، لأن المقصود حضور الناس للصلاة في وقت واحد ووقع في بعض عبارات الروايات والرواة أنه كان يؤذن بأذان الزوراء أولاً ثم يخرج الإِمام فيؤذن بالأذان بَين يديه .

قال ابن العربي في « العارضة » : « لما كثر الناس في زمن عثمان زاد النداءَ على الزوراء ليشعر الناس بالوقت فيأخذوا بالإِقبال إلى الجمعة ثم يخرج عثمان فإذا جلس على المنبر أُذِّن الثاني الذي كان أولاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخطب . ثم يؤذَّن الثالث يعني به الإِقامة » اه .

وقال في « الأحكام » : « وسمّاه في الحديث ( أي حديثثِ السائب بن يزيد ) ثالثاً لأنه أضافه إلى الإِقامة فجعله ثالثَ الإِقامة ، ( أي لأنه أحدث بعد أن كانت الإِقامة مشروعة وسمّى الإِقامة أذاناً مشاكلة أو لأنها إيذان بالدخول في الصلاة ) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " بينَ كل أذانَيْن صلاةٌ لمن شاء " .

يعني بين الأذان والإِقامة ، فتوهم الناس أنه أذانٌ أصْليّ فجعلوا الأذانات ثلاثة فكان وهَماً . ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهَماً على وهَم اه . فتوهم كثير من أهل الأمصار أن الأذان لصلاة الجمعة ثلاث مرات لهذا تراهم يؤذنون في جوامع تونس ثلاثة أذانات وهو بدعة .

قال ابن العربي في « العارضة » : فأما بالمَغْرب ( أي بلاد المغرب ) فيؤذن ثلاثة من المؤذنين لجهل المفتين قال في « الرسالة » : « وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية » فوصفه بالثاني وهو التحقيق ، ولكنه نسبه إلى بني أمية لعدم ثبوت أن الذي زاده عثمان ، ورواه البخاري وأهل السنن عن السائب بن يزيد ولم يروه مسلم ولا مالك في « الموطأ » .

والسبب في نسبته إلى بني أمية : أن علي بن أبي طالب لما كان بالكوفة لم يُؤذّن للجمعة إلا أذاناً واحداً كما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وألغى الأذان الذي جعله عثمان بالمدينة . فلعل الذي أرجع الأذان الثاني بعضُ خلفاء بني أمية قال مالك في « المجموعة » : إن هشام بن عبد الملك أحدث أذاناً ثانياً بين يَدَيه في المسجد .

واعلم أن النداء الذي نيط به الأمر بالسعي في هذه الآية هو النداء الأول ، وما كان النداء الثاني إلا تبليغاً للأذان لمن كان بعيداً فيجب على من سمعه السعي إلى الجمعة للعلم بأنه قد نُودي للجمعة .

والسعي : أصله الاشتداد في المشي . وأطلق هنا على المشي بحرص وتوقي التأخر مجازاً .

و { ذِكر الله } فُسر بالصلاة وفُسر بالخطبة ، بهذا فسره سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير . قال أبو بكر بن العربي « والصحيح أنه الجميع أوله الخطبة » .

قلت : وإيثار { ذكر الله } هنا دون أن يقول : إلى الصلاة ، كما قال : { فإذا قضيت الصلاة } لتتأتى إرادة الأمرين الخطبة والصلاة . وفيه دليل على وجوب الخطبة في صلاة الجمعة وشرطيته على الجملة . وتفصيل أحكام التخلف عن الخطبة ليست مساوية للتخلف عن الصلاة إلاّ في أصل حرمة التخلف عن حضور الخطبة بغير عذر .

وفي حديث « الموطأ » « فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر » ولا شك أن الإِمام إذا خرج ابتدأ بالخطبة فكانت الخطبة من الذكر وفي ذلك تفسير للفظ الذكر في هذه الآية . وإنما نهوا عن البيع لأنه الذي يشغلهم ولأن سبب نزول الآية كان لترك فريق منهم الجمعة إقبالاً على عِير تجارة وردت كما سيأتي في قوله تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } [ الجمعة : 11 ] .

ومثل البيع كل ما يشغل عن السعي إلى الجمعة ، وبعد كون البيع وما قيس عليه منهياً عنه فقد اختُلف في فسخ العقود التي انعقدت وقت الجمعة . وهو مبني على الخلاف في اقتضاء النهي فساد المنهي عنه ، ومذهب مالك أن النهي يقتضي الفساد إلا لِدليل . وقول مالك في « المدونة » : إن البيع الواقع في وقت صلاة الجمعة بين من تجب عليهم الجمعة يفسخ .

وقال الشافعي : لا يفسخ . وجعله كالصلاة في الأرض المغصوبة وهو قول أبي حنيفة أيضاً .

وأما النكاح المعقود في وقت الجمعة : ففي « العتيبة » عن ابن القاسم : لا يفسخ . ولعله اقتصر على ما ورد النهي عنه في القرآن ولم ير القياس موجباً لفسخ المقيس . وكذلك قال أيمة المالكية : لا تفسخ الشركة والهبة والصدقة الواقعة في وقت الجمعة وعللوا ذلك بندرة وقوع أمثالها بخلاف البيع .

وخطاب الآية جميعَ المؤمنين فدل على أن الجمعة واجبة على الأعيان . وشذ قوم قالوا : إنها واجبة على الكفاية قال ابن الفرس : ونسب إلى بعض الشافعية وخطاب القرآن الذين آمنوا عام خصصته السنة بعدم وجوب الجمعة على النساء والعبيد والمسافر إذا حل بقرية الجمعة ومن لا يستطيع السعي إليها .

و { مِن } في قوله : { من يوم الجمعة } تبعيضية فإن يوم الجمعة زمان تقع فيه أعمال منها الصلاة المعهودة فيه ، فنزّل ما يقع في الزمان بمنزلة أجزاء الشيء .

ويجوز كون { مِن } للظرفية مثل التي في قوله تعالى : { أروني ماذا خلقوا من الأرض } [ فاطر : 40 ] ، أي فيها من المخلوقات الأرضية .

والإِشارة ب { ذلكم } إلى المذكور ، أي ما ذُكر من أمر بالسعي إليها ، وأمر بترك البيع حينئذٍ ، أي ذلك خير لكم مما يحصل لكم من البيوعات . فلفظ { خير } اسم تفضيل أصله : أخير ، حذفت همزته لكثرة الاستعمال . والمفضل عليه محذوف لدلالة الكلام عليه . والمفضل : الصلاة ، أي ثوابها . والمفضل عليه : منافع البيع للبائع والمشتري .


[421]:- جؤاثاء بضم الجيم وهمزة مفتوحة بعدها ألف وفي آخره ألف ممدودة وقد تقصر. مدينة بلاد الخط من البحرين ( الذي تنسب إليه الرماح الخطية لأنها تجلب إليه من بلاد الهند والخط الساحل) وهذا الخط يسمى سيف عمان لأنه يمتد إلى عمان. ومن دونه قطر والقطيف ( بفتح القاف وكسر الطاء) والفقير مصغرا ( وهذه البلاد تعرف في زماننا سنة 1385 بعضها ببلاد الكويت، وبعضها بجزائر البحرينـ وبعضها ببلاد عمان، وبعضها من البلاد السعودية مثل القطيف وهجرا.
[422]:- رواه أبو بكر الرازي الجصاص في أحكام القرآن له جزء 3 ص 548.
[423]:- ذكره الجصاص ص 548 ج 3 من أحكام القرآن للجصاص.
 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ} (9)

فيه ثلاث عشرة مسألة :

الأولى- قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة " قرأ عبدالله بن الزبير والأعمش وغيرهما " الجمعة " بإسكان الميم على التخفيف . وهما لغتان . وجمعهما جمع وجمعات . قال الفراء : يقال الجمعة ( بسكون الميم ) والجمعة ( بضم الميم ) والجمعة ( بفتح الميم ) فيكون صفة اليوم ، أي تجمع الناس . كما يقال : ضحكة للذي يضحك . وقال ابن عباس : نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم فاقرؤوها جمعة ، يعني بضم الميم . وقال الفراء وأبو عبيد : والتخفيف أقيس وأحسن ، نحو غرفة وغرف ، وطرفة وطرف ، وحجرة وحجر . وفتح الميم لغة بني عقيل . وقيل : إنها لغة النبي صلى الله عليه وسلم . وعن سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما سميت جمعة لأن الله جمع فيها خلق آدم ) . وقيل : لأن الله تعالى فرغ فيها من خلق كل شيء فاجتمعت فيها المخلوقات . وقيل : لتجتمع الجماعات فيها . وقيل : لاجتماع الناس فيها للصلاة . و " من " بمعنى " في " ، أي في يوم ، كقوله تعالى : " أروني ماذا خلقوا من الأرض{[14966]} " [ فاطر : 40 ] أي في الأرض .

الثانية- قال أبو سلمة : أول من قال : " أما بعد " كعب بن لؤي ، وكان أول من سمى الجمعة جمعة . وكان يقال ليوم الجمعة : العروبة . وقيل : أول من سماها جمعة الأنصار . قال ابن سيرين : جمع أهل المدينة من قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، وقبل أن تنزل الجمعة ، وهم الذين سموها الجمعة ، وذلك أنهم قالوا : إن لليهود يوما يجتمعون فيه ، في كل سبعة أيام يوم وهو السبت . وللنصارى يوم مثل ذلك وهو الأحد فتعالوا فلنجتمع حتى نجعل يوما لنا نذكر الله ونصلي فيه - ونستذكر - أو كما قالوا - فقالوا : يوم السبت لليهود ، ويوم الأحد للنصارى ، فاجعلوه يوم العروبة . فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة ( أبو أمامة رضي الله عنه ) فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم ، فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا . فذبح لهم أسعد شاة فتعشوا وتغدوا منها لقلتهم . فهذه أول جمعه في الإسلام .

قلت : وروي أنهم كانوا اثني عشر رجلا على ما يأتي . وجاء في هذه الرواية : أن الذي جمع بهم وصلى أسعد بن زرارة ، وكذا في حديث عبدالرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب على ما يأتي . وقال البيهقي : وروينا عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري أن مصعب بن عمير كان أول من جمع الجمعة بالمدينة للمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال البيهقي : يحتمل أن يكون مصعب جمع بهم بمعونة أسعد بن زرارة فأضافه كعب إليه . والله أعلم .

وأما أول جمعة جمعها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ، فقال أهل السير والتواريخ : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا حتى نزل بقباء ، على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى . ومن تلك السنة يعد التاريخ . فأقام بقباء إلى يوم الخميس وأسس مسجدهم . ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة ، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ القوم في ذلك الموضع مسجدا ، فجمع بهم وخطب . وهي أول خطبة خطبها بالمدينة ، وقال فيها : ( الحمد لله . أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه ، وأومن به ولا أكفره ، وأعادي من يكفر به . واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسول ، أرسله بالهدى ودين الحق ، والنور والموعظة والحكمة على فترة من الرسل ، وقلة من العلم ، وضلالة من الناس ، وانقطاع من الزمان ، ودنو من الساعة ، وقرب من الأجل . من يطيع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا . أوصيكم بتقوى الله ، فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة ، وأن يأمره بتقوى الله ، واحذروا ما حذركم الله من نفسه ، فإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر{[14967]} الآخرة . ومن يصلح الذي بينه وبين ربه من أمره في السر والعلانية ، لا ينوي به إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره ، وذخرا فيما بعد الموت ، حين يفتقر المرء إلى ما قدم . وما كان مما سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا . " ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد{[14968]} " [ آل عمران : 30 ] . وهو الذي صدق قول ، وأنجز وعده ، لا خلف لذلك ، فإنه يقول تعالى : " ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد{[14969]} " [ ق : 29 ] . فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية ؛ فإنه " ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا{[14970]} " [ الطلاق : 5 ] . ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما . وإن تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وتوقي سخطه . وإن تقوى الله تبيض الوجوه ، وترضي الرب ، وترفع الدرجة . فخذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله ، فقد علمكم كتابه ، ونهج لكم سبيله ؛ ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين . فأحسنوا كما أحسن الله إليكم ، وعادوا أعداءه ، وجاهدوا في الله حق جهاده ، هو اجتباكم وسماكم المسلمين . ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيا من حي عن بينة . ولا حول ولا قوة إلا بالله . فأكثروا ذكر الله تعالى ، واعملوا لما بعد الموت ، فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس . ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه ، ويملك من الناس ولا يملكون منه . الله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ) . وأول جمعة جمعت بعدها جمعة بقرية يقال لها : " جواثي " من قرى البحرين . وقيل : إن أول من سماها الجمعة كعب بن لؤي بن غالب لاجتماع قريش فيه إلى كعب ، كما تقدم . والله أعلم .

الثالثة- خاطب الله المؤمنين بالجمعة دون الكافرين تشريفا لهم وتكريما فقال : " يا أيها الذين آمنوا " ثم خصه بالنداء ، وإن كان قد دخل في عموم قوله تعالى : " وإذا ناديتم إلى الصلاة{[14971]} " [ المائدة : 58 ] ليدل على وجوبه وتأكيد فرضه . وقال بعض العلماء : كون الصلاة الجمعة ها هنا معلوم بالإجماع لا من نفس اللفظ . قال ابن العربي : وعندي أنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة وهي قوله : " من يوم الجمعة " وذلك يفيده ؛ لأن النداء الذي يختص بذلك اليوم هو نداء تلك الصلاة . فأما غيرها فهو عام في سائر الأيام . ولو لم يكن المراد به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى ولا فائدة .

الرابعة- فقد تقدم حكم الأذان في سورة " المائدة " مستوفى{[14972]} . وقد كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في سائر الصلوات ، يؤذن واحد إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر . وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر وعلي بالكوفة . ثم زاد عثمان على المنبر أذانا ثالثا{[14973]} على داره التي تسمى " الزوراء{[14974]} " حين كثر الناس بالمدينة . فإذا سمعوا أقبلوا ، حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يخطب عثمان . خرجه ابن ماجه في سننه من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال : ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مؤذن واحد ، إذا خرج أذن وإذا نزل أقام . وأبو بكر وعمر كذلك . فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها " الزوراء " ، فإذا خرج أذن وإذا نزل أقام . خرجه البخاري من طرق بمعناه . وفي بعضها : أن الأذان الثاني يوم الجمعة أمر به عثمان بن عفان حين كثر أهل المسجد ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام . وقال الماوردي : فأما الأذان الأول فمحدث ، فعله عثمان بن عفان ليتأهب الناس لحضور الخطبة عند اتساع المدينة وكثرة أهلها . وقد كان عمر رضي الله عنه أمر أن يؤذن في السوق قبل المسجد ليقوم الناس عن بيوعهم ، فإذا اجتمعوا أذن في المسجد ، فجعله عثمان رضي الله عنه أذانين في المسجد . قاله ابن العربي . وفي الحديث الصحيح : أن الأذان كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا ، فلما كان زمن عثمان زاد الأذان الثالث على الزوراء ، وسماه في الحديث ثالثا لأنه أضافه إلى الإقامة ، كما قال عليه الصلاة والسلام : ( بين كل أذانين صلاة لمن شاء ) يعني الأذان والإقامة . ويتوهم الناس أنه أذان أصلي فجعلوا المؤذنين ثلاثة فكان وهما ، ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهما على وهم . ورأيتهم يؤذنون بمدينة السلام بعد أذان المنار بين يدي الإمام تحت المنبر في جماعة ، كما كانوا يفعلون عندنا في الدول الماضية . وكل ذلك محدث .

الخامسة- قوله تعالى : " فاسعوا " اختلف في معنى السعي ها هنا على ثلاثة أقوال : أولها : القصد . قال الحسن : والله ما هو بسعي على الأقدام ولكنه سعي بالقلوب والنية . الثاني : أنه العمل ، كقوله تعالى : " ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن{[14975]} " [ الإسراء : 19 ] ، وقوله : " إن سعيكم لشتى{[14976]} " [ الليل : 4 ] ، وقوله : " وأن ليس للإنسان إلا ما سعى{[14977]} " [ النجم : 39 ] . وهذا قول الجمهور . وقال زهير :

سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم{[14978]}

وقال أيضا :

سعى ساعيَا غيظِ بن مرة بعدما *** تَبَزَّلَ ما بين العشيرة بالدَّمِ{[14979]}

أي فاعملوا على المضي إلى ذكر الله ، واشتغلوا بأسبابه من الغسل والتطهير والتوجه إليه . الثالث : أن المراد به السعي على الأقدام . وذلك فضل وليس بشرط . ففي البخاري : أن أبا عبس بن جبر - واسمه عبدالرحمن وكان من كبار الصحابة - مشى إلى الجمعة راجلا وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار ) . ويحتمل ظاهره رابعا : وهو الجري والاشتداد . قال ابن العربي : وهو الذي أنكره الصحابة الأعلمون والفقهاء الأقدمون . وقرأها عمر : " فامضوا إلى ذكر الله " فرارا عن طريق الجري والاشتداد الذي يدل على الظاهر . وقرأ ابن مسعود كذلك وقال : لو قرأت " فاسعوا " لسعيت حتى يسقط ردائي . وقرأ ابن شهاب : " فامضوا إلى ذكر الله سالكا تلك السبيل " . وهو كله تفسير منهم ، لا قراءة قرآن منزل . وجائز قراءة القرآن بالتفسير في معرض التفسير . قال أبو بكر الأنباري : وقد احتج من خالف المصحف بقراءة عمر وابن مسعود ، وأن خرشة بن الحر قال : رآني عمر رضي الله عنه ومعي قطعة فيها " فاسعوا إلى ذكر الله " فقال لي عمر : من أقرأك هذا ؟ قلت أبي . فقال : إن أبيا أقرؤنا للمنسوخ . ثم قرأ عمر " فامضوا إلى ذكر الله " . حدثنا إدريس قال حدثنا خلف قال حدثنا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم عن خرشة ، فذكره . وحدثنا محمد بن يحيى أخبرنا محمد وهو ابن سعدان قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : ما سمعت عمر يقرأ قط إلا " فامضوا إلى ذكر الله " . وأخبرنا إدريس قال حدثنا خلف قال حدثنا هشيم عن المغيرة عن إبراهيم أن عبدالله بن مسعود قرأ " فامضوا إلى ذكر الله " وقال : لو كانت " فاسعوا " لسعيت حتى يسقط ردائي . قال أبو بكر : فاحتج عليه بأن الأمة أجمعت على " فاسعوا " برواية ذلك عن الله رب العالمين ورسول صلى الله عليه وسلم . فأما عبدالله بن مسعود فما صح عنه " فامضوا " لأن السند غير متصل ؛ إذ إبراهيم النخعي لم يسمع عن عبدالله بن مسعود شيئا ، وإنما ورد " فامضوا " عن عمر رضي الله عنه . فإذا انفرد أحد بما يخالف الآية والجماعة كان ذلك نسيانا منه . والعرب مجمعة على أن السعي يأتي بمعنى المضي ، غير أنه لا يخلو من الجد والانكماش . قال زهير :

سعى ساعيا غيظ بن مرة بعد ما *** تَبَزَّلَ ما بين العشيرة بالدم

أراد بالسعي المضي بجد وانكماش ، ولم يقصد للعَدْو والإسراع في الخطو . وقال الفراء وأبو عبيدة : معنى السعي في الآية المضي . واحتج الفراء بقولهم : هو يسعى في البلاد يطلب فضل الله ، معناه هو يمضى بجد واجتهاد . واحتج أبو عبيدة بقول الشاعر :

أسعى على جُلّ بني مالك *** كلُّ امرئ في شأنه ساعي

فهل يحتمل السعي في هذا البيت إلا مذهب المضي بالانكماش ، ومحال أن يخفى هذا المعنى على ابن مسعود على فصاحته وإتقان عربيته .

قلت : ومما يدل على أنه ليس المراد ها هنا العدو قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ائتوها وعليكم السكينة ) . قال الحسن : أما والله ما هو بالسعي على الأقدام ، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ، ولكن بالقلوب والنية والخشوع . وقال قتادة : السعي أن تسعى بقلبك وعملك . وهذا حسن ، فإنه جمع الأقوال الثلاثة . وقد جاء في الاغتسال للجمعة والتطيب والتزين باللباس أحاديث مذكورة في كتب الحديث .

السادسة- قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا " خطاب المكلفين بإجماع . ويخرج منه المرضى والزمنى والمسافرون والعبيد والنساء بالدليل ، والعميان والشيخ الذي لا يمشي إلا بقائد عند أبي حنيفة . روى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة يوم الجمعة إلا مريض أو مسافر أو امرأة أو صبي أو مملوك فمن استغنى بلهو أو تجارة استغنى الله عنه والله غني حميد ) خرجه الدارقطني وقال علماؤنا رحمهم الله : ولا يتخلف أحد عن الجمعة ممن عليه إتيانها إلا بعذر لا يمكنه منه الإتيان إليها ؛ مثل المرض الحابس ، أو خوف الزيادة في المرض ، أو خوف جور السلطان عليه في مال أو بدن دون القضاء عليه بحق . والمطر الوابل مع الوحل عذر إن لم ينقطع . ولو يره مالك عذرا له ، حكاه المهدوي . ولو تخلف عنها متخلف على ولي حميم له قد حضرته الوفاة ، ولم يكن عنده من يقوم بأمره رجا أن يكون في سعة . وقد فعل ذلك ابن عمر . ومن تخلف عنها لغير عذر فصلى قبل الإمام أعاد ، ولا يجزيه أن يصلي قبله . وهو في تخلفه عنها مع إمكانه لذلك عاص لله بفعله .

السابعة- قوله تعالى : " إذا نودي للصلاة " يختص بوجوب الجمعة على{[14980]} القريب الذي يسمع النداء ، فأما البعيد الدار الذي لا يسمع النداء فلا يدخل تحت الخطاب . واختلف فيمن يأتي الجمعة من الداني والقاصي ، فقال ابن عمر وأبو هريرة وأنس : تجب الجمعة على من في المصر على ستة أميال . وقال ربيعة : أربعة أميال . وقال مالك والليث : ثلاثة أميال . وقال الشافعي : اعتبار سماع الأذان أن يكون المؤذن صَيِّتا{[14981]} ، والأصوات هادئة ، والريح ساكنة وموقف المؤذن عند سور البلد . وفي الصحيح عن عائشة : أن الناس كانوا ينتابون{[14982]} الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في الغبار{[14983]} ويصيبهم الغبار فتخرج منهم الريح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو اغتسلتم ليومكم هذا ) قال علماؤنا : والصوت إذا كان منيعا والناس في هدوء وسكون فأقصى سماع الصوت ثلاثة أميال . والعوالي من المدينة أقربها على ثلاثة أميال . وقال أحمد بن حنبل وإسحاق : تجب الجمعة على من سمع النداء . وروى الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما الجمعة على من سمع النداء ) . وقال أبو حنيفة وأصحابه : تجب على من في المصر ، سمع النداء أو لم يسمعه ، ولا تجب على من هو خارج المصر وإن سمع النداء . حتى سئل : وهل تجب الجمعة على أهل زبارة - بينها وبين الكوفة مجرى نهر - ؟ فقال لا . وروي عن ربيعه أيضا : أنها تجب على من إذا سمع النداء وخرج من بيته ماشيا أدرك الصلاة . وقد روي عن الزهري : أنها تجب عليه إذا سمع الأذان .

الثامنة- قوله تعالى : " إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله " دليل على أن الجمعة لا تجب إلا بالنداء ، والنداء لا يكون إلا بدخول الوقت ، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : ( إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما ) قاله لمالك بن الحويرث وصاحبه . وفي البخاري عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس . وقد روي عن أبي الصديق وأحمد بن حنبل أنها تصلّى قبل الزوال . وتمسك أحمد في ذلك بحديث سلمة بن الأكوع : كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم ننصرف وليس للحيطان ظل . وبحديث ابن عمر : ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة . ومثله عن سهل . خرجه مسلم . وحديث سلمة محمول على التبكير . رواه هشام بن عبدالملك عن يعلي بن الحارث عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه . وروى وكيع عن يعلي عن إياس عن أبيه قال : كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء . وهذا مذهب الجمهور من الخلف والسلف ، وقياسا على صلاة الظهر . وحديث ابن عمر وسهل ، دليل على أنهم كانوا يبكرون إلى الجمعة تبكيرا كثيرا عند الغداة أو قبلها ، فلا يتناولون ذلك إلا بعد انقضاء الصلاة . وقد رأى مالك أن التبكير بالجمعة إنما يكون قرب الزوال بيسير . وتأول قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة . . . ) الحديث بكماله إنه كان في ساعة واحدة . وحمله سائر العلماء على ساعات النهار الزمانية الاثنتي عشرة ساعة المستوية أو المختلفة بحسب زيادة النهار ونقصانه . ابن العربي : وهو أصح ؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما : ما كانوا يقيلون ولا يتغدون إلا بعد الجمعة لكثرة البكور إليها .

التاسعة- فرض الله تعالى الجمعة على كل مسلم ، ردا على من يقول : إنها فرض على الكفاية ، ونقل عن بعض الشافعية . ونقل عن مالك من لم يحقق : أنها سنة . وجمهور الأمة والأئمة أنها فرض على الأعيان ؛ لقول الله تعالى : " إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع " . وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين ) . وهذا حجة واضحة في وجوب الجمعة وفرضيتها . وفي سنن ابن ماجه عن أبي الجعد الضمري - وكانت له صحبة - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه ) . إسناده صحيح . وحديث جابر بن عبدالله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة طبع الله على قلبه ) . ابن العربي : وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الرواح إلى الجمعة واجب على كل مسلم ) .

العاشرة- أوجب الله السعي إلى الجمعة مطلقا من غير شرط . وثبت شرط الوضوء بالقرآن والسنة في جميع الصلوات ؛ لقوله عز وجل : " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " [ المائدة : 6 ] الآية{[14984]} . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ) . وأغربت طائفة فقالت : إن غسل الجمعة فرض . ابن العربي : وهذا باطل ؛ لما روى النسائي وأبو داود في سننهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت . ومن اغتسل فالغسل أفضل ) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من توضأ يوم الجمعة{[14985]} فأحسن الوضوء ثم راح إلى الجمعة فاستمع وأنصت غفر الله له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام . ومن مس الحصى{[14986]} فقد لغا{[14987]} ) وهذا نص . وفي الموطأ : أن رجلا دخل يوم الجمعة وعمر بن الخطاب يخطب . . . - الحديث{[14988]} إلى أن قال : - ما زدت على أن توضأت ، فقال عمر : والوضوء أيضا ؟ وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل . فأمر{[14989]} عمر بالغسل ولم يأمره بالرجوع ، فدل على أنه محمول على الاستحباب . فلم يمكن وقد تلبس بالفرض - وهو الحضور والإنصات للخطبة - أن يرجع عنه إلى السنة ، وذلك بمحضر فحول الصحابة وكبار المهاجرين حوالي عمر ، وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم .

الحادية عشرة- لا تسقط الجمعة لكونها في يوم عيد ، خلافا لأحمد بن حنبل فإنه قال : إذا اجتمع عيد وجمعة سقط فرض الجمعة ؛ لتقدم العيد عليها واشتغال الناس به عنها . وتعلق في ذلك بما روي أن عثمان أذن في يوم عيد لأهل العوالي{[14990]} أن يتخلفوا عن الجمعة . وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة إذا خولف فيه ولم يجمع معه عليه . والأمر بالسعي متوجه يوم العيد كتوجهه في سائر الأيام . وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة : ب " سبح اسم ربك الأعلى " [ الأعلى . 1 ] و " هل أتاك حديث الغاشية " [ الغاشية : 1 ] قال : وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضا في الصلاتين . أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .

الثانية عشرة- قوله تعالى : " إلى ذكر الله " أي الصلاة . وقيل الخطبة والمواعظ ، قاله سعيد بن جبير . ابن العربي : والصحيح أنه واجب في الجميع ، وأول الخطبة . وبه قال علماؤنا ، إلا عبدالملك بن الماجشون فإنه رآها سنة . والدليل على وجوبها أنها تحرم البيع ولولا وجوبها ما حرمته ؛ لأن المستحب لا يحرم المباح . وإذا قلنا : إن المراد بالذكر الصلاة فالخطبة من الصلاة . والعبد يكون ذاكرا لله بفعله كما يكون مسبحا لله بفعله . الزمخشري : فإن قلت : كيف يفسر ذكر الله بالخطبة وفيها غير ذلك ؟ قلت : ما كان من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم والثناء عليه وعلى خلفائه الراشدين وأتقياء المؤمنين والموعظة والتذكير فهو في حكم ذكر الله . فأما ما عدا ذلك من ذكر الظلمة وألقابهم والثناء عليهم والدعاء لهم ، وهم أحقاء بعكس ذلك ، فهو من ذكر الشيطان ، وهو من ذكر الله على مراحل .

الثالثة عشرة- قوله تعالى : " وذروا البيع " منع الله عز وجل منه عند صلاة الجمعة ، وحرمه في وقتها على من كان مخاطبا بفرضها . والبيع لا يخلو عن شراء فاكتفى بذكر أحدهما ، كقوله تعالى : " سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم{[14991]} " [ النحل : 81 ] . وخص البيع لأنه أكثر ما يشتغل به أصحاب الأسواق . ومن لا يجب عليه حضور الجمعة فلا ينهى عن البيع والشراء . وفي وقت التحريم قولان : إنه من بعد الزوال إلى الفراغ منها ، قاله الضحاك والحسن وعطاء . الثاني - من وقت أذان الخطبة إلى وقت الصلاة ، قاله الشافعي . ومذهب مالك أن يترك البيع إذا نودي للصلاة ، ويفسخ عنده ما وقع من ذلك من البيع في ذلك الوقت . ولا يفسخ العتق والنكاح والطلاق وغيره ، إذ ليس من عادة الناس الاشتغال به كاشتغالهم بالبيع . قالوا : وكذلك الشركة والهبة والصدقة نادر لا يفسخ . ابن العربي : والصحيح فسخ الجميع ؛ لأن البيع إنما منع منه للاشتغال به . فكل أمر يشغل عن الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعا مفسوخ ردعا . المهدوي : ورأى بعض العلماء البيع في الوقت المذكور جائزا ، وتأول النهي عنه ندبا ، واستدل بقوله تعالى : " ذلكم خير لكم " .

قلت : وهذا مذهب الشافعي ، فإن البيع ينعقد عنده ولا يفسخ . وقال الزمخشري في تفسيره : إن عامة العلماء على أنه ذلك لا يؤدي فساد البيع . قالوا : لأن البيع لم يحرم لعينه ، ولكن لما فيه من الذهول عن الواجب ، فهو كالصلاة في الأرض المغصوبة والثوب المغصوب ، والوضوء بماء مغصوب . وعن بعض الناس أنه فاسد .

قلت : والصحيح فساده وفسخه ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : ( كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ) . أي مردود . والله أعلم .


[14966]:راجع جـ 15 ص 58.
[14967]:زيادة عن تاريخ الطبري والبداية والنهاية.
[14968]:جـ 4 ص 59.
[14969]:جـ 17 ص 17.
[14970]:ص 166 من هذا الجزء.
[14971]:آية 58 سورة المائدة.
[14972]:راجع جـ 6 ص 224 وما بعدها.
[14973]:أي أول الوقت عند الزوال. وسماه ثالثا باعتبار كونه مزيدا على الأذان بين يدي الإمام والإقامة للصلاة. فهو أول باعتبار الوجود، ثالث باعتبار مشروعية عثمان له باجتهاده وموافقة سائر الصحابة له بالسكوت وعدم الإنكار.
[14974]:الزوراء: موضع بالسوق بالمدينة، قيل إنه مرتفع كالمنارة. وقيل: حجر كبير عند باب المسجد.
[14975]:راجع جـ 10 ص 235.
[14976]:راجع جـ 20 ص 82.
[14977]:راجع جـ 17 ص 114.
[14978]:وعجزه: *فلم يفعلوا ولم يلاموا ولم يألوا*
[14979]:في شرح ديوان زهير: "الساعيان": الحارث بن عوف، وهرم بن سنان، سعيا في الديات. وقيل: خارجة بن سنان والحارث بن عوف؛ "سعيا" أي عملا حسنا. و "غيظ بن مرة" حي من غطفان بن سعد. و "تبزل بالدم": أي تشقق. يقول: كان بينهم صلح فتشقق بالدم. يقول: سعيا ما تشقق فأصلحا.
[14980]:التكملة عن ابن العربي.
[14981]:رجل صيت: شديد الصوت عاليه.
[14982]:أب يحضرونها نوبا. وفي رواية "يتناوبون".
[14983]:في ح، ز، س "في العباء" بفتح العين المهملة والمد، جمع عباءة.
[14984]:راجع جـ 6 ص 6.
[14985]:ما بين المربعين لم يرد في صحيح مسلم.
[14986]:أي سواء للسجود غير مرة في الصلاة.
[14987]:اللغو: الكلام المطرح الساقط.
[14988]:الحديث كما ورد في الموطأ وشرحه: "دخل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد يوم الجمعة وعمر يخطب. فقال عمر: أية ساعة هذه؟ (إشارة إلى أن هذا الساعة ليست من ساعات الرواح إلى الجمعة لأنه وقت طويت فيه الصحف) ـ فقال: يا أمير المؤمنين، انقلبت من السوق فسمعت النداء فما زدت على أن توضأت ـ (اعتذر منه على أنه لم يشتغل بغير الفرض مبادرة إلى سماع الخطبة والذكر) ـ فقال عمر: الوضوء أيضا! وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالغسل. (معناه أنك مع ما فاتك من التهجير فاتتك فضيلة الغسل الذي قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر به).
[14989]:في الأصول: "فأقر" بالقاف. والتصويب عن ابن العربي.
[14990]:العوالي: أماكن بأعلى أراضي المدينة وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية.
[14991]:راجع جـ 10 ص 160.