التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{۞وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسۡمَعۡ لِقَوۡلِهِمۡۖ كَأَنَّهُمۡ خُشُبٞ مُّسَنَّدَةٞۖ يَحۡسَبُونَ كُلَّ صَيۡحَةٍ عَلَيۡهِمۡۚ هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ} (4)

{ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجسامهم وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ } .

هذا انتقال إلى وضَحْ بعض أحوالهم التي لا يبرزونها إذا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولكنها تبرز من مشاهدتهم ، فكان الوضح الأول مفتتحاً ب { إذا جاءك المنافقون } [ المنافقون : 1 ] وهذا الوضح مفتتحاً ب { إذا رأيتهم } .

فجملة { وإذا رأيتهم } معطوفة على جملة { فهم لا يفقهون } [ المنافقون : 3 ] واقعة موقع الاحتراس والتتميم لدفع إيهام من يغره ظاهر صورهم .

واتبع انتفاء فقه عقولهم بالتنبيه على عدم الاغترَار بحسن صورهم فإنها أجسام خالية عن كمال الأنفس كقول حسان ولعله أخذه من هذه الآية :

لابأس بالقوم من طُول ومن غلظ *** جِسم البغال وأحلام العصافِير

وتفيد مع الاحتراس تنبيهاً على دخائلهم بحيث لو حذف حرف العطف من الجملتين لصح وقوعهما موقع الاستئناف الابتدائي . ولكن أوثر العطف للتنبيه على أن هاتين صفتان تحسبان كمالاً وهما نقيصَتان لعدم تناسقهما مع ما شأنُه أن يكون كمالاً . فإن جمال النفس كجمال الخلقة إنما يحصل بالتناسب بين المحاسن وإلا فرّبما انقلب الحسن موجب نقص .

فالخطاب في هذه الآية لغير معيّن يشمل كل من يراهم ممن يظن أن تغرّه صورهم فلا يدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله قد أطلعه على أحوالهم وأوقفه على تعيينهم فهو كالخطاب الذي في قوله في سورة [ الكهف : 18 ] { لو اطلعتَ عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً } والظاهر أن المراد بضمير الجمع واحد معيّن أو عدد محدود إذ يبعد أن يكون جميع المنافقين أحاسن الصور . وعن ابن عباس : كان ابن أُبيّ جسيماً صحيحاً صبيحاً ذلق اللسان . وقال الكلبي : المراد ابنُ أُبيّ والجِد بن قَيس ومعتب بن قُشير كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة . وقال في « الكشاف » : وقوم من المنافقين في مثل صفة ابن أُبيّ رؤساء المدينة .

وأجسام : جمع جسم بكسر الجيم وسكون السين وهو ما يقصد بالإِشارة إليه أو ما له طُول وعَرض وعُمق . وتقدم في قوله تعالى : { وزادهُ بَسطة في العلم والجسم } في سورة [ البقرة : 247 ] . وجملة { وإن يقولوا تسمع لقولهم } معترضة بين جملة { وإذا رأيتهم } الخ وبين جملة { كأنهم خشب مسندة } .

والمراد بالسَّماع في قوله : { تسمع لقولهم } الإِصغاء إليهم لحسن إبانتهم وفصاحة كلامهم مع تغريرهم بحلاوة معانيهم تمويه حالهم على المسلمين .

فاللام في قوله : { لقولهم } لتضمين { تسمع } معنى : تُصْغ أيها السامع ، إذ ليس في الإِخبار بالسماع للقول فائدة لولا أنه ضمن معنى الإِصغاء لوعي كلامهم .

وجملة { كأنهم خشب مسندة } مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً عن سؤال يَنشأ عن وصف حسن أجسامهم وذَلاقة كلامهم ، فإنه في صورة مدح فلا يناسب ما قبله من ذمهم فيترقب السامع ما يَرد بعد هذا الوصف .

ويجوز أن تكون الجملة حالاً من ضميري الغيبة في قوله : { رأيتهم تعجبك أجسامهم } .

ومعناه أن حسن صورهم لا نفع فيه لأنفسهم ولا للمسلمين .

و { خشب } بضم الخاء وضم الشين جمع خَشَبة بفتح الخاء وفتح الشين وهو جمع نادر لم يحفظ إلا في ثَمَرة ، وقيل : ثُمر جمع ثمار الذي هو جمع ثَمرة فيكون ثُمُر جمعَ جمع . فيكون خُشب على مثال جمع الجمع وإن لم يسمع مفرده . ويقال : خُشْب بضم فسكون وهو جمع خشبة لا محالة ، مثل : بُدْن جمع بدنة .

وقرأه الجمهور بضمتين . وقرأه قنبل عن ابننِ كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوبُ بضمة فسكون .

والمسنَّدة التي سُندت إلى حائط أو نحوه ، أي أميلت إليه فهي غليظة طويلة قوية لكنها غير منتفع بها في سَقف ولا مشدود بها جدار . شُبهوا بالخُشُب المسنَّدة تشبيه التمثيل في حُسن المرأى وعدم الجَدوى ، أفيد بها أن أجسامهم المعجَب بها ومقالَهم المصغى إليه خاليان عن النفع كخُلوّ الخُشب المسنَّدة عن الفائدة ، فإذا رأيتموهم حسبتموهم أرباب لبّ وشجاعة وعلم ودراية . وإذا اختبرتموهم وجدّتموهم على خلاف ذلك فلا تحْتفلوا بهم .

{ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عليهم } .

هذه الجملة بمنزلة بدل البعض من مضمون جملة { كأنهم خشب مسندة } ، أي من مخالفة باطنهم المشوه للظاهر المموّه ، أي هم أهل جبن في صورة شجعان .

وهذا من جملة ما فضحته هذه السورة من دخائلهم ومطاوي نفوسهم كما تقدم في الآيات السابقة وإن اختلفت مواقعها من تفنن أساليب النظم ، فهي مشتركة في التنبيه على أسرارهم .

والصيحة : المرة من الصياح ، أي هم لسوء ما يضمرونه للمسلمين من العداوة لا يزالون يتوجّسون خيفة من أن ينكشف أمرهم عند المسلمين فهم في خوف وهلع إذا سمعوا صيحة في خصومة أو أنشدت ضالة خشُوا أن يكون ذلك غارة من المسلمين عليهم للإِيقاع بهم .

و { كلّ } هنا مستعمل في معنى الأكثر لأنهم إنما يتوجّسون خوفاً من صيحات لا يعلمون أسبابها كما استعمله النابغة في قوله :

بها كل ذيَّال وخنساءَ ترعوي *** إلى كُلّ رَجَّاف من الرمل فارد

وقوله : { عليهم } ظرف مستقر هو المفعول الثاني لفعل { يحسبون } وليس متعلقاً ب { صيحة } .

{ هُمُ العدو فاحذرهم } .

يجوز أن تكون استئنافاً بيانياً ناشئاً عن جملة { يحسبون كل صيحة عليهم } لأن تلك الجملة لغرابة معناها تثير سؤالاً عن سبب هلعهم وتخوفهم من كلّ ما يتخيَّل منه بأس المسلمين فيجاب بأن ذلك لأنهم أعداء ألِدّاءُ للمسلمين ينظرون للمسلمين بمرآة نفوسهم فكما هم يتربصون بالمسلمين الدوائر ويتمنون الوقيعة بهم في حين يظهرون لهم المودة كذلك يظنون بالمسلمين التربص بهم وإضمار البطش بهم على نحو ما قال أبو الطيب :

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه *** وصدَّق ما يعتاده من توهم

ويجوز أن تكون الجملة بمنزلة العلة لِجملة { يحسبون كل صيحة عليهم } على هذا المعنى أيضاً .

ويجوز أن تكون استئنافاً ابتدائياً لِذكر حالة من أحوالهم تهُم المسلمين معرفتُها ليترتب عليها تفريع { فاحذرهم } وعلى كل التقادير فنظم الكلام واف بالغرض من فضح دخائلهم .

والتعريف في { العدو } تعريف الجنس الدال على معيّن كمال حقيقة العدوّ فيهم ، لأن أعدى الأعادي العدوّ المتظاهر بالموالاة وهو مداح وتحت ضلوعه الداء الدوي . وعلى هذا المعنى رتب عليه الأمر بالحذر منهم .

و { العدوّ } : اسم يقع على الواحد والجمع . والمراد : الحذر من الاغترار بظواهرهم الخلابة لئلا يُخلص المسلمون إليهم بسرهم ولا يتقبلوا نصائحهم خشية المكائد .

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم ليبلغه المسلمين فيحذروهم .

{ قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يؤفكون } .

تذييل فإنه جمع على الإِجمال ما يغني عن تعداد مذامّهم كقوله { أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم } [ النساء : 63 ] ، مسوق للتعجيب من حال توغلهم في الضلالة والجهالة بعُدولهم عن الحق .

فافتتح التعجيب منهم بجملة أصلها دعاء بالإِهلاك والاستئصال ولكنها غلب استعمالها في التعجب أو التعجيب من سوء الحال الذي جرّهُ صاحبه لنفسه فإن كثيراً من الكَلم التي هي دعاء بسوء تستعمل في التعجيب من فعل أو قول مكروهٍ مثل قولهم : ثكلته أمهُ ، ووَيلُ أمّه . وتَربتْ يمينه . واستعمال ذلك في التعجب مجاز مرسل للملازمة بين بُلوغ الحال في السوء وبين الدعاء على صاحبه بالهلاك ، إذ لا نفع له ولا للناس في بقائه ، ثم الملازمةِ بين الدعاء بالهلاك وبين التعجب من سوء الحال . فهي ملازمة بمرتبتين كنايةٌ رمزية .

و { أنَّى } هنا اسم استفهام عن المكان . وأصل { أنَّى } ظرف مكان وكثر تضمينه معنى الاستفهام في استعمالاته ، وقد يكون للمكان المجازي فيفسر بمعنى ( كيفَ ) كقوله تعالى : { قلتم أنى هذا } في سورة [ آل عمران : 165 ] ، وفي قوله : { أنَّى لهم الذكرى } في سورة [ الدخان : 13 ] . ومنه قوله هنا { أنى يؤفكون } ، والاستفهام هنا مستعمل في التعجيب على وجه المجاز المرسل لأن الأمر العجيب من شأنه أن يستفهم عن حال حصوله . فالاستفهام عنه من لوازم أعجوبته . فجملة { أنى يؤفكون } بيان للتعجيب الإجمالي المفاد بجملة { قاتلهم الله } .

و { يؤفكون } يُصرفون يقال : أفَكَه ، إذا صرفه وأبعده ، والمراد : صرفهم عن الهدى ، أي كيف أمكن لهم أن يصرفوا أنفسهم عن الهدى ، أو كيف أمكن لمضلليهم أن يصرفوهم عن الهدى مع وضوح دلائله .

وتقدم نظير هذه الآية في سورة براءة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسۡمَعۡ لِقَوۡلِهِمۡۖ كَأَنَّهُمۡ خُشُبٞ مُّسَنَّدَةٞۖ يَحۡسَبُونَ كُلَّ صَيۡحَةٍ عَلَيۡهِمۡۚ هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ} (4)

قوله تعالى : " وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم " أي هيئاتهم ومناظرهم . " وإن يقولوا تسمع لقولهم " يعني عبدالله بن أبي . قال ابن عباس : كان عبدالله بن أبي وسيما جسيما صحيحا صبيحا ذلق اللسان ، فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم مقالته . وصفه الله بتمام الصورة وحسن الإبانة . وقال الكلبي : المراد ابن أبيّ وجَدّ بن قيس ومعتب بن قشير ، كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة . وفي صحيح مسلم : " كأنهم خشب مسندة " قال : كانوا رجالا أجمل شيء كأنهم خشب مسندة ، شبههم بخشب مسندة إلى الحائط لا يسمعون ولا يعقلون ، أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام . وقيل : شبههم بالخشب التي قد تآكلت فهي مسندة بغيرها لا يعلم ما في بطنها . وقرأ قنبل وأبو عمرو والكسائي " خشْب " بإسكان الشين . وهي قراءة البراء بن عازب واختيار أبي عبيد ؛ لأن واحدتها خشبة . كما تقول : بدنة وبدن ، وليس في اللغة فعلة يجمع على فعل . ويلزم من ثقلها أن تقول : البدن ، فتقرأ " والبدن " . وذكر اليزيدي أنه جماع الخشباء ، كقول عز وجل : " وحدائق غلبا " واحدتها حديقة غلباء . وقرأ الباقون بالتثقيل وهي رواية البزي عن ابن كثير وعياش عن أبي عمرو ، وأكثر الروايات عن عاصم . واختاره أبو حاتم ، كأنه جمع خشاب وخشب ، نحو ثمرة وثمار ثمر . وإن شئت جمعت خشبة على خشبة كما قالوا : بدنة وبدن وبدن . وقد روي عن ابن المسيب فتح الخاء والشين في " خشب " . قال سيبويه : خشبة وخشب ، مثل بدنة وبدن ، قال : ومثله بغير هاء أسد وأسد ، ووثن ووثن وتقرأ خشب وهو جمع الجمع ، خشبة وخشاب وخشب ، مثل ثمرة وثمار وثمر . والإسناد الإمالة ، تقول : أسندت الشيء أي أملته . و " مسندة " للتكثير ، أي استندوا إلى الأيمان بحقن دمائهم .

قوله تعالى : " يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو " أي كل أهل صيحة عليهم هم العدو . ف " هم العدو " في موضع المفعول الثاني على أن الكلام لا ضمير فيه . يصفهم بالجبن والخور . قال مقاتل والسدي : أي إذا نادى مناد في العسكر أن انفلتت دابة أو أنشدت ضالة ظنوا أنهم المرادون ؛ لما في قلوبهم من الرعب . كما قال الشاعر وهو الأخطل :

ما زلت تحسب كل شيء بعدهم *** خيلا تَكُرُّ عليهم ورجالا

وقيل : " يحسبون كل صيحة عليهم هم " العدو " كلام ضميره فيه لا يفتقر إلى ما بعد ، وتقديره : يحسبون كل صيحة عليهم أنهم قد فطن بهم وعلم بنفاقهم ؛ لأن للريبة خوفا . ثم استأنف الله خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : " هم العدو " وهذا معنى قول الضحاك وقيل : يحسبون كل صيحة يسمعونها في المسجد أنها عليهم ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر فيها بقتلهم ، فهم أبدا وجلون من أن ينزل الله فيهم أمرا يبيح به دماءهم ، ويهتك به أستارهم . وفي هذا المعنى قول الشاعر :

فلو أنها عصفورةٌ لحسبتُها *** مُسَوَّمَةً تدعو عبيداً وأزْنَمَا

بطن من بني ، يربوع . ثم وصفهم الله بقوله : " هم العدو فاحذرهم " حكاه عبدالرحمن بن أبي حاتم . وفي قوله تعالى : وجهان : أحدهما : فاحذر أن تثق بقولهم أو تميل إلى كلامهم . الثاني : فاحذر ممايلتهم لأعدائك وتخذيلهم لأصحابك .

قوله تعالى : " قاتلهم الله " أي لعنهم الله قال ابن عباس وأبو مالك . وهي كلمة ذم وتوبيخ . وقد تقول العرب : قاتله الله ما أشعره ! يضعونه موضع التعجب . وقيل : معنى " قاتلهم الله " أي أحلهم محل من قاتله عدو قاهر ؛ لأن الله تعالى قاهر لكل معاند . حكاه ابن عيسى . " أنى يؤفكون " أي يكذبون ، قاله ابن عباس . قتادة : معناه يعدلون عن الحق . الحسن : معناه يصرفون عن الرشد . وقيل : معناه كيف تضل عقولهم عن هذا مع وضوح الدلائل ؛ وهو من الإفك وهو الصرف . و " أن " بمعنى كيف ، وقد تقدم{[15030]} .


[15030]:راجع جـ 3 ص 92 وجـ 4 ص 79.