التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَكُ نُطۡفَةٗ مِّن مَّنِيّٖ يُمۡنَىٰ} (37)

استئناف هو علة وبيان للإِنكار المسوق للاستدلال بقوله : { أيحسب الإِنسان أن يُترك } [ القيامة : 36 ] الذي جعل تكريراً وتأييداً لمضمون قوله : { أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه الآية ، أي أنَّ خلق الإِنسان من مادة ضعيفة وتدرجه في أطوار كيانِهِ دليل على إثبات القدرة على إنشائه إنشاء ثانياً بعد تفرق أجزائه واضمحلالها ، فيتصل معنى الكلام هكذا : أيحسب الإِنسان أن لن نجمع عظامه ويُعد ذلك متعذراً . ألم نَبْدَأ خلقه إذْ كوَّنَّاه نطفة ثم تطوَّر خلقُه أطوَاراً فماذا يعجزنا أن نعيد خلقه ثانياً كذلك ، قال تعالى : { كما بدأنا أول خلق نعيده } [ الأنبياء : 104 ] .

وهذه الجمل تمهيد لقوله : { أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } .

وهذا البيان خاص بأحد معنيي التَّرك في الآية وهو تركه دون إحياء وأكتفي ببيان هذا عن بيان المعنى الآخر الذي قيَّده قوله : { سُدَّى } [ القيامة : 36 ] أي تركه بدون جَزاء على أعماله لأن فائدة الإِحياء أن يجازى على عمله . والمعنى : أيحسب أن يترك فانياً ولا تجدد حياته .

ووقع وصف { سدى } في خلال ذلك موقع الاستدلال على لزوم بعث الناس من جانب الحكمة ، وانتُقل بعده إلى بيان إمكان البعث من جانب المادة ، فكان وقوعه إدماجاً .

فالإِنسان خُلق من ماء وطُوِّر أطواراً حتى صار جسداً حيّاً تامّ الخلقة والإِحساسِ فكان بعضه من صنف الذكور وبعضه من صنف الإِناث ، فالذي قدر على هذا الخلق البديع لا يعجزه إعادة خلق كل واحد كما خلقه أول مرة بحكمة دقيقة وطريقة أخرى لا يعلمها إلاّ هو .

والنُطفة : القليل من الماء سمي بها ماء التناسل ، وتقدم في سورة فاطر .

واختلف في تفسير معنى { تُمنَى } فقال كثير من المفسرين معناه : تراق . ولم يُذكر في كتب اللغة أن فعل : مَنَى أو أمْنَى يطلق بمعنى أراق سوى أن بعض أهل اللغة قال في تسمية ( مِنًى ) التي بمكة إنها سميت كذلك لأنها تُراق بها دماء الهدي ، ولم يبينوا هل هو فعل مجرد أو بهمزة التعدية .

وأحسب هذا من التلفيقات المعروفة من أهل اللغة من طلبهم إيجاد أصل لاشتقاق الأعلام وهو تكلف صراح ، فاسم ( مِنى ) عَلَم مرتجل ، وقال ثعلب : سميت بذلك من قولهم : منَى الله عليه الموت ، أي قدَّره لأنها تنحر فيها الهدايا ومثله عن ابن شميل وعن ابن عيينة . وفسر بعضهم { تُمنى } بمعنى تخلق من قولهم منَى الله الخلق ، أي خلقهم . والأظهر قول بعض المفسرين أنه مضارع أمنى الرجل فيكون كقوله : { أفرأيتم ما تُمْنُون } في سورة الواقعة ( 58 ) .

والعلقة : القطعة الصغيرة من الدم المتعقد .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَلَمۡ يَكُ نُطۡفَةٗ مِّن مَّنِيّٖ يُمۡنَىٰ} (37)

قوله تعالى : " ألم يك نطفة من مني يمنى " أي من قطرة ماء تمنى في الرحم ، أي تراق فيه ؛ ولذلك سميت ( مني ) لإراقة الدماء . وقد تقدم{[15649]} . والنطفة : الماء القليل ؛ يقال : نطف الماء : إذا قطر . أي ألم يك ماء قليلا في صلب الرجل وترائب المرأة .

وقرأ حفص " من مني يمنى " بالياء ، وهي قراءة ابن محيصن ومجاهد ويعقوب وعياش عن أبي عمرو ، واختاره أبو عبيد لأجل المني . الباقون بالتاء لأجل النطفة ، واختاره أبو حاتم .


[15649]:راجع جـ 17 ص 118 و ص 216.