أريد التخلص إلى جزاء الفريقين الشاكر والكفور .
والجملة مُستأنفة استئنافاً بيانياً لأن قوله : { إمّا شاكراً وإمّا كفوراً } [ الإنسان : 3 ] يثير تطلع السامعين إلى معرفة آثار هذين الحالين المترددِ حالُه بينَهما ، فابتدىء بجزاء الكافر لأن ذكره أقرب .
وأكد الخبر عن الوعيد بحرف التأكيد لإِدخال الروْع عليهم لأن المتوعِّد إذا أكَّد كلامه بمؤكِّد فقد آذن بأنه لا هوادة له في وعيده .
وأصل { أعتَدْنا } أعدَدنا ، بدالين ، أي هيأنا للكافرين ، يقال : اعتدّ كما يقال : أعَدَّ ، قال تعالى : { وَأعَتدتْ لهن متّكَأً } [ يوسف : 31 ] .
وقد تردد أيمة اللغة في أن أصل الفعل بدالين أو بتاء ودال فلم يجزموا بأيهما الأصل لكثرة ورود فعل : أعدّ ، وفعل اعْتَدَّ في الكلام والأظهر أنهما فعلان نشآ من لغتين غير أن الاستعمال خصّ الفعل ذا التاء بعُدة الحرب فقالوا : عَتَاد الحرب ولم يقولوا عدَاد .
وأما العُدة بضم العين فتقع على كل ما يعد ويهيأ ، يقال : أعد لكل حال عُدة . ويطلق العَتاد على ما يُعدّ من الأمور .
والأكثر أنه إذا أريد الإِدغام جيء بالفعل الذي عينه دال وإذا وجد مقتضى فك الإِدغام لموجب مثل ضمير المتكلم جيء بالفعل الذي عينه تاء .
والسلاسل : القيود المصنوعة من حَلق الحديد يقيد بها الجناة والأسرى .
والأغلال : جمع غُلّ بضم الغين ، وهو حلقة كبيرة من حديد توضع في رقبة المقيَّد ، وتناط بها السلسلة قال تعالى : { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل } [ غافر : 71 ] فالأغلال والسلاسل توضع لهم عند سَوْقهم إلى جهنم .
والسعير : النار المسعرة ، أي التي سعَّرها الموقِدون بزيادة الوَقود ليشتد التهابها فهو في الأصل وصف بمعنى اسم المفعول جعل علماً على جهنم . وقد تقدم عند قوله : { كلَّما خبَتْ زدناهم سعيراً } في سورة الإسراء ( 97 ) .
وكتب { سلاسلا } في المصحف الإِمامِ في جميع النسخ التي أرسلت إلى الأمصار بألف بعد اللام الثانية ولكن القراء اختلفوا في قراءته ، فنافع والكسائي وهشام عن ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر قرأوا { سَلاسلاً } منوناً في الوصل ووقفوا عليه كما يوقف على المنون المنصوب ، وإذ كان حقه أن يمنع من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجمع تعين أن قراءته بالتنوين لمراعاة مزاوجته مع الاسمين اللذيْن بعده وهما { أغلالاً } و { سعيراً } ، والمزاوجة طريقة في فصيح الكلام ، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم لنساءٍ " ارجِعْنَ مَأزورات غير مأجورات " فجعل « مأزورات » مهموزاً وحقه أن يكون بالواو لكنه هُمز لمزاوجة مأجورات ، وكذلك قوله في حديث سؤال الملكين الكافر « فيقال له : لاَ درَيْت ولا تلَيْت » ، وكان الأصل أن يقال : ولا تَلوت . ومنه قول ابن مُقْبِل أو القَلاَّحُ :
هتَّاكُ أخْبيَةٍ وَلاَّجُ أبْوِبَةٍ *** يُخَالطُ البِرُّ منه الجِدَّ واللِّينا
فقوله ( أبوبة ) جمع باب وحقه أن يَقول أبواب .
وهذه القراءة متينة يعضدها رسم المصحف وهي جارية على طريقة عربية فصيحة .
وقرأه الباقون بدون تنوين في الوصل .
واختلفوا في قراءته إذا وقفوا عليه فأكثرهم قرأه في الوقف بدون ألف فيقول { سلاسلْ } في الوقف . وقرأه أبو عمرو ورويس عن يعقوب بالألف على اعتباره منوناً في الوصل .
قرأه البَزي عن ابن كثير وابنُ ذكوان عن ابن عامر وحفصٌ عن عاصم في الوقف بجواز الوجهين بالألف وبتركها .
فأما الذين لم ينونوا { سلاسلا } في الوصل ووقفوا عليه بألف بعد لامه الثانية . وهما أبو عمرو ورويس عن يعقوب فمخالفة روايتهم لرسم المصحف محمولة على أن الرسم جرى على اعتبار حالة الوقف وذلك كثير فكتابة الألف بعد اللام لقصد التنبيه على إشباع الفتحة عند الوقف لمزاوجة الفواصل في الوقف لأن الفواصل كثيراً ما تعطى أحكام القوافي والأسجاع .
وبعدُ فالقراءات روايات مسموعة ورسم المصحف سُنة مَخصوصة به وذكر الطيبي : أن بعض العلماء اعتذر عن اختلاف القراء في قوله : { سَلاسلا } بأنه من الاختلاف في كيفية الأداء كالمَدّ والإِمالة وتخفيف الهمزة وأن الاختلاف في ذلك لا ينافي التواتر .
قوله تعالى : " إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا " بين حال الفريقين ، وأنه تعبد العقلاء وكلفهم ومكنهم مما أمرهم ، فمن كفر فله العقاب ، ومن وحد وشكر فله الثواب . والسلاسل : القيود في جهنم طول كل سلسلة سبعون ذراعا كما مضى في " الحاقة " {[15662]} . وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم وهشام عن ابن عامر " سلاسلا " منونا . الباقون بغير تنوين . ووقف قنبل وابن كثير وحمزة بغير ألف . الباقون بالألف . فأما " قوارير " الأول فنونه نافع وابن كثير والكسائي وأبو بكر عن عاصم ، ولم ينون الباقون . ووقف فيه يعقوب وحمزة بغير ألف . والباقون بالألف . وأما " قوارير " الثانية فنونه أيضا نافع والكسائي وأبو بكر ، ولم ينون الباقون . فمن نون قرأها بالألف ، ومن لم ينون أسقط منها الألف ، واختار أبو عبيد التنوين في الثلاثة ، والوقف بالألف اتباعا لخط المصحف . قال : رأيت في مصحف عثمان " سلاسلا " بالألف و " وقواريرا " الأول بالألف ، وكان الثاني مكتوبا بالألف فحكت فرأيت أثرها هناك بينا . فمن صرف فله أربع حجج : أحدها : أن الجموع أشبهت الآحاد فجمعت جمع الآحاد ، فجعلت في حكم الآحاد فصرفت . الثانية : أن الأخفش حكى عن العرب صرف جميع ما لا ينصرف إلا أفعل منك ، وكذا قال الكسائي والفراء : هو على لغة من يجر الأسماء كلها إلا قولهم هو أظرف منك فإنهم لا يجرونه ، وأنشد ابن الأنباري في ذلك قول عمرو بن كلثوم :
كأن سيوفنا فينا وفيهم *** مَخَارِيقٌ بأيدي لا عبينَا
وجَزُورِ أيسارٍ دعوتُ لحَتْفِهَا *** بمغالِقٍ متشابِهٍ أجسامُهَا
فضلا وذو كَرَمٍ يعينُ على الندَى *** سَمْحٌ كَسُوبُ رغائبٍ غَنَّامُهَا
فصرف مخاريق ومغالق ورغائب ، وسبيلها ألا تصرف . والحجة الثالثة : أن يقول نونت قوارير الأول لأنه رأس آية ، ورؤوس الآي جاءت بالنون ، كقوله جل وعز : " مذكورا " . " سميعا بصيرا " فنونا الأول ليوقف بين رؤوس الآي ، ونونا الثاني على الجوار للأول . والحجة الرابعة : اتباع المصاحف ، وذلك أنهما جميعا في مصاحف مكة والمدينة والكوفة بالألف . وقد احتج من لم يصرفهن بأن قال : إن كل جمع بعد الألف منه ثلاثة أحرف أو حرفان أو حرف مشدد لم يصرف في معرفة ولا نكرة ، فالذي بعد الألف منه ثلاثة أحرف قولك : قناديل ودنانير ومناديل ، والذي بعد الألف منه حرفان قول الله عز وجل : " لهدمت صوامع " [ الحج : 40 ] لأن بعد الألف منه حرفين ، وكذلك قوله : " ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا " [ الحج : 40 ] . والذي بعد الألف منه حرف مشدد شواب ودواب . وقال خلف : سمعت يحيى بن آدم يحدث عن ابن إدريس قال : في المصاحف الأول الحرف الأول بالألف والثاني بغير ألف ، فهذا حجة لمذهب حمزة . وقال خلف : رأيت في مصحف ينسب إلى قراءة ابن مسعود الأول بالألف والثاني بغير ألف . وأما أفعل منك فلا يقول أحد من العرب في شعره ولا في غيره هو أفعل منك منونا ؛ لأن من تقوم مقام الإضافة فلا يجمع بين تنوين وإضافة في حرف ؛ لأنهما دليلان من دلائل الأسماء ولا يجمع بين دليلين . قال الفراء وغيره .
قوله تعالى : " وأغلالا " جمع غل تغل بها أيديهم إلى أعناقهم . وعن جبير بن نفير عن أبي الدرداء كان يقول : ارفعوا هذه الأيدي إلى الله جل ثناؤه قبل أن تغل بالأغلال . قال الحسن : إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار ؛ لأنهم أعجزوا الرب سبحانه ولكن إذلالا . " وسعيرا " تقدم القول فيه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.