التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا} (3)

استئناف بياني لبيان ما نشأ عن جملة { نبتليه } [ الإنسان : 2 ] ولتفصيل جملة { فجعلناه سميعاً بصيراً } [ الإنسان : 2 ] ، وتخلُّصّ إلى الوعيد على الكفر والوَعد على الشكر .

وهداية السبيل : تمثيل لحال المرشدِ . و { السبيل } : الطريق الجادة إلى ما فيه النفع بواسطة الرُسل إلى العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة التي هي سبب فوزه بالنعيم الأبدي ، بحال من يدل السائر على الطريق المؤدية إلى مقصده من سَيْره .

وهذا التمثيل ينحل إلى تشبيهاتتِ أجزاءِ الحالة المركَّبَة المشبَّهة بأجزاء الحالة المشبَّه بها ، فالله تعالى كالهادي ، والإِنسان يشبه السائر المتحير في الطريق ، وأعمال الدين تشبه الطريق ، وفوز المتتبع لهدي الله يشبه البلوغ إلى المكان المطلوب .

وفي هذا نداء على أن الله أرشد الإِنسان إلى الحق وأن بعض الناس أدخلوا على أنفسهم ضلالَ الاعتقاد ومفاسدَ الأعمال ، فمن بَرَّأَ نفسه من ذلك فهو الشاكر وغيره الكفور ، وذلك تقسيم بحسب حال الناس في أول البعثة ، ثم ظهر من خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً .

وتأكيد الخبر ب ( إنَّ ) للرد على المشركين الذين يزعمون أن ما يدعوهم إليه القرآن باطل .

و { إِما شاكراً وإما كفوراً } حالان من ضمير الغيبة في { هديناه } ، وهو ضمير { الإِنسان } [ الإنسان : 2 ] .

و { إما } حرف تفصيل ، وهو حرفٌ بسيط عند الجمهور . وقال سيبويه : هو مركب من حرف ( إِنْ ) الشرطية و ( مَا ) النافية . وقد تجردت ( إنْ ) بالتركيب على الشرطية كما تجردت ( مَا ) عن النفي ، فصار مجموع { إِما } حرف تفصيل ، ولا عمل لها في الاسم بعدها ولا تمنع العامل الذي قبلها عن العمل في معموله الذي بعدها فهي في ذلك مثل ( اَلْ ) حرففِ التعريف . وقدر بعض النحاة { إما } الثانية حرفَ عطف وهو تحكم إذ جعلوا الثانية عاطفة وهي أخت الأولى ، وإنما العاطف الواو و { إِما } مقحمة بين الاسم ومعموله كما في قول تأبط شراً :

هُمَا خُطَّتَا إِمَّا إِسارٍ ومِنَّةٍ *** وإِمَّا دَمٍ والموتُ بالحُر أجْدَرُ

فإن الاسمين بعد ( إما ) في الموضعين من البيت مجرورَان بالإِضافة ولذلك حذفت النون من قوله : هما خطتَا ، وذلك أفصح كما جاء في هذه الآية .

قال ابن جنيّ : « أما من جرَّ ( إِسار ) فإنه حذف النون للإِضافة ولم يَعتد ( إِمَّا ) فاصلاً بين المضاف والمضاف إليه ، وعلى هذا تقول : هما إِما غلاما زيدٍ وإما عمرو ، وأجودُ من هذا أن تقول : هما خطتَا إِسارٍ ومنةٍ وإِما خطتا دم ثم قال : وأما الرفع فطريق المذهب ، وظاهر أمره أنه على لغة من حذف النون لغير الإِضافة فقد حُكي ذلك » الخ .

ومقتضى كلامه أن البيت روي بالوجهين : الجرِ والرفع وقريب منه كلام المرزوقي وزاد فقال « وحَذف النون إذا رفعتَ ( إسارُ ) استطالة للاسم كأنه استطال خطتا ببدَلِه وهو قوله : إِما إسار » الخ .

والمعنى : إنا هديناه السبيل في حال أنه متردد أمره بين أحد هذين الوصفين وصففِ شاكر ووصففِ كفور ، فأحدُ الوصفين على الترديد مقارنٌ لحال إرشاده إلى السبيل ، وهي مقارنةٌ عرفية ، أي عَقب التبليغ والتأمل ، فإن أخذ بالهدى كان شاكراً وإن أعرض كان كفوراً كمن لم يأخذ بإرشاد من يهديه الطريق فيأخذ في طريق يلقى به السباع أو اللصوصَ ، وبذلك تم التمثيل الذي في قوله : { إِنا هديناه السبيل } .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا} (3)

قوله تعالى : " إنا هديناه السبيل " أي بينا له وعرفناه طريق الهدى والضلال ، والخير والشر ببعث الرسل ، فآمن أو كفر ، كقوله تعالى : " وهديناه النجدين " [ البلد : 10 ] . وقال مجاهد : أي بينا له السبيل إلى الشقاء والسعادة . وقال الضحاك وأبو صالح والسدي : السبيل هنا خروجه من الرحم . وقيل : منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله . " إما شاكرا وإما كفورا " أي أيهما فعل فقد بينا له . قال الكوفيون : " إن " ها هنا تكون جزاء و " ما " زائدة أي بينا له الطريق إن شكر أو كفر . واختاره الفراء ولم يجزه البصريون ؛ إذ لا تدخل " إن " للجزاء على الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل . وقيل : أي هديناه الرشد ، أي بينا له سبيل التوحيد بنصب الأدلة عليه ، ثم إن خلقنا له الهداية اهتدى وآمن ، وإن خذلناه كفر . وهو كما تقول : قد نصحت لك ، إن شئت فاقبل ، وإن شئت فاترك ، أي فإن شئت ، فتحذف الفاء . وكذا " إما شاكرا " والله أعلم . ويقال : هديته السبيل وللسبيل وإلى السبيل . وقد تقدم في " الفاتحة " {[15660]} وغيرها . وجمع بين الشاكر والكفور ، ولم يجمع بين الشكور والكفور مع اجتماعهما في معنى المبالغة ، نفيا للمبالغة في الشكر وإثباتا لها في الكفر ؛ لأن شكر الله تعالى لا يؤدى ، فانتفت عنه المبالغة ، ولم تنتف عن الكفر المبالغة ، فقل شكره ، لكثرة النعم{[15661]} عليه وكثرة كفره وإن قل مع الإحسان إليه . حكاه الماوردي .


[15660]:راجع جـ 1 ص 147 و ص 160.
[15661]:في أ، ح، و: "وكثرة كفره".