ومحلّ الامتنان هو قوله : { أحياءً } وأمَّا قوله : { وأمواتاً } فتتميم وإدماج .
وكِفَات : اسم للشيء الذي يُكْفَت فيه ، أي يُجمع ويُضَمّ فيه ، فهو اسم جاء على صيغة الفِعال من كَفَت ، إذا جَمَع ، ومنه سُمي الوعاء : كفاتاً ، كما سمي ما يعي الشيء وِعَاء ، وما يَضُم الشيء : الضِمام .
و { أحياء } مفعول { كِفاتاً } لأن { كفاتاً } فيه معنى الفِعل كأنه قيل كافتةً أحياءً . وقد يقولون منصوب بفعل مقدر دلّ عليه { كِفاتاً } وكل ذلك متقارب .
و { أمواتاً } عطف عليه وهو إدماج وتتميم لأن فيه مشاهدة الملازمة بين الأحياء والأموات تدلّ على أن الحياة هي المقصود من الخلقة .
وهذا تقرير لهم بالاعتراف بالأحوال المشاهدة في الأرض الدالة على تفرد الله تعالى بالإِلهية .
وتنوين { أحياء } و{ أمواتاً } للتعظيم مراداً به التكثيرُ ولذلك لم يؤت بهما معرَّفين باللام ، وفائدة ذكر هذين الجَمْعين ما في معنييهما من التذكير بالحياة والموت .
وقد تصدى الكلام لإِثبات البعث بشواهد ثلاثة :
أحدها : بحال الأمم البائدة في انقراضها .
الثاني : بحال تكوين الإِنسان .
الثالث : مصير الكل إلى الأرض وفي كل ذلك إبطال لإِحالتهم وقوع البعث لأنهم زعموا استحالته فأبطلت دعواهم بإثبات إمكان البعث فإنه إذ ثبت الإِمكان بطلت الاستحالة فلم يبق إلاّ النظر في أدلة ترجيح وقوع ذلك الممكن .
وفي الآية امتنان يجعل الأرض صالحة لدفن الأموات ، وقد ألهم الله لذلك ابنَ آدم حين قتَل أخاه كما تقدم ذكره في سورة المائدة ، فيؤخذ من الآية وجوب الدفن في الأرض إلاّ إذا تعذر ذلك كالذي يموت في سفينة بعيدة عن مراسي الأرض أو لا تستطيع الإِرساء ، أو كان الإِرساء يضر بالراكبين أو يُخاف تعفن الجثة فإنها يُرمى بها في البحر وتثقَّل بشيء لترسُب إلى غريق الماء . وعليه فلا يجوز إحراق الميت كما يفعل مَجُوس الهند ، وكان يفعله بعض الرومان ، ولا وضعُه لكواسر الطير كما كان يفعل مَجُوس الفرس ، وكان أهل الجاهلية يتمدحون بالميت الذي تأكله السباع أو الضباع وهو الذي يموت قتيلاً في فلاة ، قال تأبط :
لا تدْفِنُوني إِنَّ دَفني مُحَرَّم *** عليكُم ولكنْ خَامري أُمَّ عامر
وهذا من جهالة الجاهلية وكُفران النعمة .
واحتج ابن القاسم من أصحاب مالك بهذه الآية لكون القبر حرزاً فأوجب القطع على من سرق من القبر كفناً أو ما يبلغ ربع دينار ، وقال مالك : القبر حِوَز للميت كما أن البيت حِوَز الحي .
وفي « مفاتيح الغيب » عن تفسير القفال : أن ربيعة استدل بها على ذلك .
الأولى- قوله تعالى : " ألم نجعل الأرض كفاتا " أي ضامة تضم الأحياء على ظهورها والأموات في بطنها . وهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه ، ودفن شعره وسائر ما يزيله عنه . وقوله عليه السلام : [ قصوا أظافركم وادفنوا قلاماتكم ] وقد مضى . يقال : كفت الشيء أكفته : إذا جمعته وضممته ، والكفت : الضم والجمع . وأنشد سيبويه :
كِرامٌ حين تَنْكَفِتُ الأفاعي *** إلى أجحارِهِنَّ من الصَّقِيعِ
وقال أبو عبيد : " كفاتا " أوعية . ويقال للنِّحْيِ : كفت وكفيت ، لأنه يحوي اللبن ويضمه قال :
فأنتَ اليوم فوق الأرض حَيًّا *** وأنت غداً تضُمُّكَ في كِفَاتِ
وخرج الشعبي في جنازة فنظر إلى الجبان فقال : هذه كفات الأموات ، ثم نظر إلى البيوت فقال : هذه كفات الأحياء .
والثانية- روى عن ربيعة في النباش قال تقطع يده فقيل له : لم قلت ذلك ؟ قال . إن الله عز وجل يقول : " ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا " فالأرض حرز . وقد مضى هذا في سورة " المائدة " {[15721]} . وكانوا يسمون بقيع الغرقد كفتة ، لأنه مقبرة تضم الموتى ، فالأرض تضم الأحياء إلى منازلهم والأموات في قبورهم . وأيضا استقرار الناس على وجه الأرض ، ثم اضطجاعهم عليها ، انضمام منهم إليها . وقيل : هي كفات للأحياء يعني دفن ما يخرج من الإنسان من الفضلات في الأرض ؛ إذ لا ضم في كون الناس عليها ، والضم يشير إلى الاحتفاف من جميع الوجوه . وقال الأخفش وأبو عبيدة ومجاهد في أحد قوليه : الأحياء والأموات ترجع إلى الأرض ، أي الأرض منقسمة إلى حي وهو الذي ينبت ، وإلى ميت وهو الذي لا ينبت . وقال الفراء : انتصب ، " أحياء وأمواتا " بوقوع الكفات عليه ، أي ألم نجعل الأرض كفات أحياء وأموات . فإذا نونت نصبت ، كقوله تعالى : " أو إطعام في يوم ذي مسغبة . يتيما " [ البلد : 14 ] . وقيل : نصب على الحال من الأرض ، أي منها كذا ومنها كذا . وقال الأخفش : " كفاتا " جمع كافتة والأرض يراد بها الجمع فنعتت بالجمع . وقال الخليل : التكفيت : تقليب الشيء ظهرا لبطن أو بطنا لظهر . ويقال : انكفت القوم إلى منازلهم أي انقلبوا . فمعنى الكفات أنهم يتصرفون على ظهرها وينقلبون إليها ويدفنون فيها .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.