استأذن فريق من المنافقين النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخلّفوا عن الغزوة ، منهم عبد الله بنُ أبَيْ ابن سَلُول ، والجِدّ بن قَيس ، ورفاعة بن التابوت ، وكانوا تسعة وثلاثين واعتذروا بأعذار كاذبة وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لمن استأذنه حملا للناس على الصدق ، إذ كان ظاهر حالهم الإيمان ، وعلماً بأنّ المعتذرين إذا ألجئوا إلى الخروج لا يغنون شيئاً ، كما قال تعالى : { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً } [ التوبة : 47 ] فعاتب الله نبيئه صلى الله عليه وسلم في أنْ أذن لهم ، لأنّه لو لم يأذن لهم لقعدوا ، فيكون ذلك دليلاً للنبيء صلى الله عليه وسلم على نفاقهم وكذبهم في دعوى الإيمان ، كما قال الله تعالى : { ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم } [ محمد : 30 ] .
والجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لأنّه غرض أنف .
وافتتاح العتاب بالإعلام بالعفو إكرام عظيم ، ولطافة شريفة ، فأخبره بالعفو قبل أن يباشره بالعِتاب . وفي هذا الافتتاح كناية عن خفّة موجِب العتاب لأنّه بمنزلة أن يقال : ما كان ينبغي ، وتسمية الصفح عن ذلك عَفْواً ناظر إلى مغزى قول أهل الحقيقة : حسنات الأبرار سيّئاتُ المقرَّبين .
وألقي إليه العتاب بصيغة الاستفهام عن العلّة إيماء إلى أنّه ما أذن لهم إلاّ لسبب تَأوَّلَه ورجَا منه الصلاح على الجملة بحيث يُسْأل عن مثله في استعمال السؤال من سائل يطلب العلم وهذا من صيغ التلطّف في الإنكار أو اللوم ، بأن يظهر المنكِر نفسه كالسائِل عن العلّة التي خفيت عليه ، ثم أعقبه بأنّ ترك الإذن كان أجدر بتبيين حالهم ، وهو غرض آخر لم يتعلّق به قصد النبي صلى الله عليه وسلم .
وحذف متعلِّق { أذنت } لظهوره من السياق ، أي لم أذنت لهم في القعود والتخلف .
و { حتَّى } غاية لفعل { أذنت } لأنّه لما وقع في حيز الاستفهام الإنكاري كان في حكم المنفي فالمعنى : لا مقتضيَ للإذن لهم إلى أن يتبيّن الصادق من الكاذب .
وفي زيادة { لك } بعد قوله : { يتبين } زيادة ملاطفة بأنّ العتاب ما كان إلاّ عن تفريط في شيء يعود نفعه إليه ، والمراد بالذين صدقوا : الصادقون في إيمانهم ، وبالكافرين الكاذبين فيما أظهروه من الإيمان ، وهم المنافقون . فالمراد بالذين صدقوا المؤمنون .
قوله تعالى : " عفا الله عنك لم أذنت لهم " قيل : هو افتتاح كلام ، كما تقول : أصلحك الله وأعزك ورحمك كان كذا وكذا . وعلى هذا التأويل يحسن الوقف على قوله : " عفا الله عنك " ، حكاه مكي والمهدوي والنحاس . وأخبره بالعفو قبل الذنب لئلا يطير قلبه فرقا{[8029]} . وقيل : المعنى عفا الله عنك ما كان من ذنبك في أن أذنت لهم ، فلا يحسن الوقف على قوله : " عفا الله عنك " على هذا التقدير ، حكاه المهدوي واختاره النحاس . ثم قيل : في الإذن قولان : الأول : " لم أذنت لهم " في الخروج معك ، وفي خروجهم بلا عدة ونية صادقة فساد . الثاني : " لم أذنت لهم " في القعود لما اعتلوا بأعذار ، ذكرها القشيري قال : وهذا عتاب تلطف إذ قال : " عفا الله عنك " . وكان عليه السلام أذن من غير وحي نزل فيه . قال قتادة وعمرو بن ميمون : اثنتان فعلهما النبي صلى الله عليه وسلم و{[8030]}لم يؤمر بهما : إذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه ولم يكن له أن يمضي شيئا إلا بوحي وأخذه من الأسارى الفدية فعاتبه الله كما تسمعون . قال بعض العلماء : إنما بدر منه ترك الأولى فقدم الله العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب .
قوله تعالى : " حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين " أي ليتبين لك من صدق ممن نافق . قال ابن عباس : وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يومئذ يعرف المنافقين وإنما عرفهم بعد نزول سورة [ التوبة ] . وقال مجاهد : هؤلاء قوم قالوا : نستأذن في الجلوس فإن أذن لنا جلسنا وإن لم يؤذن لنا جلسنا . وقال قتادة : نسخ هذه الآية بقوله في سورة " النور " : " فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم{[8031]} " [ النور : 62 ] . ذكره النحاس في معاني القرآن له .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.