التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (10)

جملة : { دعواهم فيها سبحانك اللهم } وما عطف عليها أحوال من ضمير { الذين آمنوا } .

والدعوى : هنا الدعاء . يقال : دعوة بالهاء ، ودعوَى بألف التأنيث .

وسبحان : مصدر بمعنى التسبيح ، أي التنزيه .

وقد تقدم عند قوله تعالى : { قالوا سبحانك لا علم لنا } في سورة [ البقرة : 32 ] .

{ اللهم } نداء لله تعالى ، فيكون إطلاق الدعاء على هذا التسبيح من أجل أنه أريد به خطاب الله لإنشاء تنزيهه ، فالدعاء فيه بالمعنى اللغوي . ويجوز أن تكون تسمية هذا التسبيح دعاء من حيث إنه ثناء مسوق للتعرض إلى إفاضة الرحمات والنعيم ، كما قال أمية بن أبي الصلت :

إذَا أثنى عليك المرءُ يوماً *** كَفَاه عن تَعَرضِه الثناء

واعلم أن الاقتصار على كون دعواهم فيها كلمة { سبحانك اللهم } يشعر بأنهم لا دعوى لهم في الجنة غير ذلك القول ، لأن الاقتصار في مقام البيان يشعر بالقصر ، ( وإن لم يكن هو من طرق القصر لكنه يستفاد من المقام ) ولكن قوله : { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } يفيد أن هذا التحميد من دعواهم ، فتحصل من ذلك أن لهم دعوى وخاتمة دعوى .

ووجه ذكر هذا في عدد أحوالهم أنها تدل على أن ما هم فيه من النعيم هو غايات الراغبين بحيث إن أرادوا أن ينعَموا بمقام دعاء ربهم الذي هو مقام القرب لم يجدوا أنفسهم مشتاقين لشيء يسألونه فاعتاضوا عن السؤال بالثناء على ربهم فألهموا إلى التزام التسبيح لأنه أدل لفظ على التمجيد والتنزيه ، فهو جامع للعبارة عن الكمالات .

والتحية : اسم جنس لما يُفاتح به عند اللقاء من كلمات التكرمة . وأصلها مشتقة من مصدر حيَّاهُ إذا قال له عند اللقاء أحياك الله . ثم غلبت في كل لفظ يقال عند اللقاء ، كما غلب لفظ السلام ، فيشمل : نحو حيَّاك الله ، وعِم صباحاً ، وعِمْ مساء وصبّحك الله بخير ، وبتّ بخير . وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى : { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها } في سورة [ النساء : 86 ] .

ولهذا أخبر عن تحيتهم بأنها سلام ، أي لفظ سلام ، إخباراً عن الجنس بفرد من أفراده ، أي جعل الله لهم لفظ السلام تحية لهم .

والظاهر أن التحية بينهم هي كلمة ( سلام ) ، وأنها محكية هنا بلفظها دون لفظ السلام عليكم أو سلام عليكم ، لأنه لو أريد ذلك لقيل وتحيتهم فيها السلام بالتعريف ليتبادر من التعريف أنه السلام المعروف في الإسلام ، وهو كلمة السلام عليكم . وكذلك سلام الله عليهم بهذا اللفظ قال تعالى : { سلام قولاً من رب رحيم } [ يس : 58 ] وأما قوله : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم } [ الرعد : 23 ، 24 ] فهو تلطف معهم بتحيتهم التي جاءهم بها الإسلام .

ونكتة حذف كلمة ( عليكم ) في سلام أهل الجنة بعضهم على بعض أن التحيّة بينهم مجرد إيناس وتكرمة فكانت أشبه بالخبر والشكر منها بالدعاء والتأمين كأنهم يغتبطون بالسلامة الكاملة التي هم فيها في الجنة فتنطلق ألسنتهم عند اللقاء معبرة عما في ضمائرهم ، بخلاف تحيّة أهل الدنيا فإنها تقع كثيراً بين المتلاقين الذين لا يعرِف بعضهم بعضاً فكانت فيها بقية من المعنى الذي أحدَث البشر لأجله السلامَ ، وهو معنى تأمين الملاقِي من الشر المتوقَّع من بين كثير من المتناكرين .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (10)

فما همومهم في هذه الجنة وما هي شواغلهم ، وما هي دعواهم التي يحبون تحقيقها ? إن همومهم ليست مالاً ولا جاهاً ، وإن شواغلهم ليست دفع أذى ولا تحصيل مصلحة . لقد كفوا شر ذلك كله ، ولقد اكتفوا فما لهم من حاجة من تلك الحاجات ، ولقد استغنوا بما وهبهم الله ، ولقد ارتفعوا عن مثل هذه الشواغل والهموم . إن أقصى ما يشغلهم حتى ليوصف بأنه( دعواهم )هو تسبيح الله أولا وحمده أخيرا ، يتخلل هذا وذاك تحيات بينهم وبين أنفسهم وبينهم وبين ملائكة الرحمن :

( دعواهم فيها : سبحانك اللهم . وتحيتهم فيها سلام . وآخر دعواهم : أن الحمد لله رب العالمين ) . .

إنه الانطلاق من هموم الحياة الدنيا وشواغلها ؛ والارتفاع عن ضروراتها وحاجاتها ، والرفرفة في آفاق الرضى والتسبيح والحمد والسلام . تلك الآفاق اللائقة بكمال الإنسان .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ} (10)

قوله تعالى : " دعواهم فيها سبحانك اللهم " دعواهم : أي دعاؤهم ، والدعوى مصدر دعا يدعو ، كالشكوى مصدر شكا يشكو ، أي دعاؤهم في الجنة أن يقولوا سبحانك اللهم وقيل : إذا أرادوا أن يسألوا شيئا أخرجوا السؤال بلفظ التسبيح ويختمون بالحمد . وقيل : نداؤهم الخدم ليأتوهم بما شاؤوا ثم سبحوا . وقيل : إن الدعاء هنا بمعنى التمني قال الله تعالى " ولكم فيها ما تدعون{[8433]} " [ فصلت : 31 ] أي ما تتمنون . والله أعلم . " وتحيتهم فيها سلام " أي تحية الله لهم أو تحية الملك أو تحية بعضهم لبعض : سلام . وقد مضى في " النساء " معنى التحية مستوفى{[8434]} . والحمد لله .

قوله تعالى : { وآخرهم دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } فيه أربع مسائل :

الأولى : قيل : إن أهل الجنة إذا مر بهم الطير واشتهوه قالوا : سبحانك اللهم ، فيأتيهم الملك بما اشتهوا ، فإذا أكلوا حمدوا الله فسؤالهم بلفظ التسبيح والختم بلفظ الحمد . ولم يحك أبو عبيد إلا تخفيف " أن " ورفع ما بعدها ؛ قال : وإنما نراهم اختاروا هذا وفرقوا بينها وبين قوله عز وجل : " أن لعنة الله " و " أن غضب الله " لأنهم أرادوا الحكاية حين يقال الحمد لله . قال النحاس : مذهب الخليل وسيبويه أن " أن " هذه مخففة من الثقيلة . والمعنى أنه الحمد لله . قال محمد بن يزيد : ويجوز " أن الحمد لله " يعملها خفيفة عملها ثقيلة ، والرفع أقيس . قال النحاس : وحكى أبو حاتم أن بلال بن أبي بردة قرأ " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين " . قلت : وهى قراءة ابن محيصن ، حكاها الغزنوي لأنه يحكي عنه .

الثانية - التسبيح والحمد والتهليل قد يسمى دعاء ، روى مسلم والبخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب : ( لا إله إلا الله العظيم الحليم . لا إله إلا الله رب العرش العظيم . لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم ) . قال الطبري : كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب . وقال ابن عيينة وقد سئل عن هذا فقال : أما علمت أن الله تعالى يقول ( إذا شغل عبدي ثناؤه عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ) . والذي يقطع النزاع وأن هذا يسمى دعاء وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شيء وإنما هو تعظيم لله تعالى وثناء عليه ما رواه النسائي عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( دعوة ذي النون إذا دعا بها في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجيب له ) .

الثالثة - من السنة لمن بدأ بالأكل أن يسمي الله عند أكله وشربه ويحمده عند فراغه اقتداء بأهل الجنة ، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها ) .

الرابعة - يستحب للداعي أن يقول في آخر دعائه كما قال أهل الجنة : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ، وحسن أن يقرأ آخر " والصافات{[8435]} " فإنها جمعت تنزيه البارئ تعالى عما نسب إليه ، والتسليم على المرسلين ، والختم بالحمد لله رب العالمين .


[8433]:راجع ج 15 ص 43
[8434]:راجع ج 5 ص 297
[8435]:راجع ج 15 ص 140