التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ} (19)

عطف على جملة { لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدّنا } [ الأنبياء : 17 ] مبيِّنةٌ أن كل من في السماوات والأرض عباد لله تعالى مخلوقون لقبول تكليفه والقياممِ بما خلقوا لأجله ، وهو تخلص إلى إبطال الشرك بالحجة الدامغة بعد الإفاضة في إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحجية القرآن .

فاللام في { وله } للملك ، والمجرور باللام خبر مقدم . و { من في السموات } مبتدأ ، وتقديم المجرور للاختصاص ، أي له من في السماوات والأرض لا لغيره وهو قصر إفراد رداً على المشركين الذين جعلوا لله شركاء في الإلهية .

و { من في السماوات والأرض } يعم العقلاء وغيرهم وغُلِّب اسم الموصول الغالب في العقلاء لأنهم المقصود الأول .

وقوله تعالى { ومن عنده } يجوز أن يكون معطوفاً على { من في السماوات والأرض } فيكون من عطف الخاص على العام للاهتمام به . ووجه الاهتمام ظاهر وتكون جملة { لا يستكبرون عن عبادته } حالاً من المعطوف عليه .

ويجوز أن يكون { مَنْ عنده } مبتدأ وجملة { لا يستكبرون عن عبادته } خبراً .

وما صدَق ( مَن ) جماعة كما دل عليه قوله تعالى { لا يستكبرون } بصيغة الجمع .

{ ومن عنده } هم المقربون في العوالم المفضلة وهم الملائكة .

وعلى كلا الوجهين في موقع جملة { لا يستكبرون عن عبادته } يكون المقصود منها التعريض بالذين يستكبرون عن عبادة الله ويعبدون الأصنام وهم المشركون .

والاستحسار : مصدر كالحُسور وهو التعب ، فالسين والتاء فيه للمبالغة في الوصف كالاستكبار والاستنكار والاسيخار ، أي لا يصدر منهم الاستحسار الذي هو التعب الشديد الذي يقتضيه عملهم العظيم ، أي لا يقع منهم ما لو قام بعملهم غيرهم لاستحسر ثقلَ ذلك العمل ، فعبر بالاستحسار هنا الذي هو الحسور القوي لأنه المناسب للعمل الشديد ، ونفيه من قبيل نفي المقيد بقيد خرجَ مخرج الغالب في أمثاله . فلا يفهم من نفي الحسور القوي أنهم قد يحسرون حسوراً ضعيفاً . وهذا المعنى قد يعبر عنه أهل المعاني بأن المبالغة في النفي لا في المنفي .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ} (19)

هكذا يقرر القرآن الكريم تلك الحقيقة للمشركين ، الذين يتقولون على القرآن وعلى الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ويصفونه بالسحر والشعر والافتراء . وهو الحق الغالب الذي يدمغ الباطل ، فإذا هو زاهق . . ثم يعقب على ذلك التقرير بإنذارهم عاقبة ما يتقولون : ( ولكم الويل مما تصفون ) . .

ثم يعرض لهم نموذجا من نماذج الطاعة والعبادة في مقابل عصيانهم وإعراضهم . نموذجا ممن هم أقرب منهم إلى الله . ومع هذا فهم دائبون على طاعته وعبادته ، لا يفترون ولا يقصرون :

( وله من في السماوات والأرض . ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ، يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) . .

ومن في السماوات والأرض لا يعلمهم إلا الله ، ولا يحصيهم إلا الله . والعلم البشري لا يستيقن إلا من وجود البشر . والمؤمنون يستيقنون من وجود الملائكة والجن كذلك لذكرهما في القرآن . ولكننا لا نعرف عنهم إلا ما أخبرنا به خالقهم . وقد يكون هناك غيرهم من العقلاء في غير هذا الكوكب الأرضي ، بطبائع وأشكال تناسب طبيعة تلك الكواكب . وعلم ذلك عند الله .

فإذا نحن قرأنا : ( وله من في السماوات والأرض )عرفنا منهم من نعرف ، وتركنا علم من لا نعلم لخالق السماوات والأرض ومن فيهن .

( ومن عنده )المفهوم القريب أنهم الملائكة . ولكننا لا نحدد ولا نقيد ما دام النص عاما يشمل الملائكة وغيرهم . والمفهوم من التعبير أنهم هم الأقرب إلى الله . فكلمة " عند " بالقياس إلى الله لا تعني مكانا ، ولا تحدد وصفا .

( ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته )كما يستكبر هؤلاء المشركون ( ولا يستحسرون )- أي يقصرون - في العبادة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ} (19)

قوله تعالى : " وله من في السماوات والأرض " أي ملكا وخلقا فكيف يجوز أن يشرك به ما هو عبده وخلقه . " ومن عنده " يعني الملائكة الذين ذكرتم أنهم بنات الله . " لا يستكبرون " أي لا يأنفون " عن عبادته " والتذلل له . " ولا يستحسرون " أي يعيون ، قاله قتادة . مأخوذ من الحسير وهو البعير المنقطع بالإعياء والتعب ، [ يقال ] : حسر البعير يحسر حسورا أعيا وكَلّ ، واستحسر وتحسر مثله ، وحسرته أنا حسرا يتعدى ولا يتعدى ، وأحسرته أيضا فهو حسير . وقال ابن زيد : لا يملون . ابن عباس : لا يستنكفون . وقال أبو زيد : لا يكلون . وقيل : لا يفشلون ، ذكره ابن الأعرابي ، والمعنى واحد .