{ الله نُورُ السماوات والأرض } .
أتْبع منةَ الهداية الخاصة في أحكام خاصة المفادة من قوله تعالى : { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } [ النور : 34 ] الآية بالامتنان بأن الله هو مكون أصول الهداية العامة والمعارف الحقِّ للناس كلهم بإرسال رسوله بالهدى ودين الحق ، مع ما في هذا الامتنان من الإعلام بعظمة الله تعالى ومجده وعموم علمه وقدرته .
والذي يظهر لي أن جملة : { الله نور السموات والأرض } معترضة بين الجملة التي قبلها وبين جملة : { مثل نوره كمشكاة } وأن جملة : { مثل نوره كمشكاة } بيان لجملة : { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } [ النور : 34 ] كما سيأتي في تفسيرها فتكون جملة : { الله نور السماوات والأرض } تمهيداً لجملة : { مثَل نوره كمشكاة } .
ومناسبة موقع جملة : { مثل نوره كمشكاة } بعد جملة : { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } أن آيات القرآن نور قال تعالى : { وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً } في سورة النساء ( 174 ) ، وقال : { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } في سورة العقود ( 15 ) ، فكان قوله : { الله نور السماوات والأرض } كلمة جامعة لمعان جمّة تتبع معاني النور في إطلاقه في الكلام .
وموقع الجملة عجيب من عدة جهات ، وانتقال من بيان الأحكام إلى غرض آخر من أغراض الإرشاد وأفانين من الموعظة والبرهان .
والنور : حقيقته الإشراق والضياء . وهو اسم جامد لمعنى ، فهو كالمصدر لأنا وجدناه أصلاً لاشتقاق أفعال الإنارة فشابهت الأفعال المشتقة من الأسماء الجامدة نحو : استنوق الجمل ، فإن فعل أنار مثل فعل أفلس ، وفعل استنار مثل فعل استحجر الطين . وبذلك كان الإخبار به بمنزلة الإخبار بالمصدر أو باسم الجنس في إفادة المبالغة لأنه اسم ماهية من المواهي فهو والمصدر سواء في الاتصاف . فمعنى : { الله نور السماوات والأرض } أن منه ظهورهما . والنور هنا صالح لعدة معان تشبّه بالنور . وإطلاق اسم النور عليها مستعمل في اللغة .
فالإخبار عن الله تعالى بأنه نور إخبار بمعنى مجازي للنور لا محالة بقرينة أصل عقيدة الإسلام أن الله تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض لا يتردد في ذلك أحد من أصحاب اللسان العربي ولا تخلو حقيقة معنى النور عن كونه جوهراً أو عرضاً . وأسعد إطلاقات النور في اللغة بهذا المقام أن يراد به جلاء الأمور التي شأنها أن تخفى عن مدارك الناس وتلتبس فيقل الاهتداء إليها ، فإطلاقه على ذلك مجاز بعلامة التسبب في الحس والعقل وقال الغزالي في رسالته المعروفة « بمشكاة الأنوار{[289]} » : النور هو الظاهر الذي به كل ظهور ، أي الذي تنكشف به الأشياء وتنكشف له وتنكشف منه وهو النور الحقيقي وليس فوقه نور . وجعل اسمه تعالى النور دالاً على التنزه عن العدم وعلى إخراج الأشياء كلها عن ظلمة العدم إلى ظهور الوجود فآل إلى ما يستلزمه اسم النور من معنى الإظهار والتبيين في الخلق والإرشاد والتشريع وتبعه ابن برَّجان الإشبيلي{[290]} في « شرح الأسماء الحسنى » فقال : إن اسمه النور آل إلى صفات الأفعال اه .
أما وصف النور هنا فيتعين أن يكون ملائماً لما قبل الآية من قوله : { لقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } [ النور : 34 ] وما بعدها من قوله : { مثل نوره كمشكاة } إلى قوله : { يهدي الله لنوره من يشاء } وقوله عقب ذلك : { ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور } [ النور : 40 ] . وقد أشرنا آنفاً إلى أن للنور إطلاقات كثيرة وإضافات أخرى صالحة لأن تكون مراداً من وصفه تعالى بالنور . وقد ورد في مواضع من القرآن والحديث فيحمل الاطلاق في كل مقام على ما يليق بسياق الكلام ولا يطرد ذلك على منوال واحد حيثما وقع ، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم " ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن " فإن عطف « من فيهن » يؤذن بأن المراد ب« السماوات والأرض » ذاتهما لا الموجودات التي فيهما فيتعين أن يراد بالنور هنالك إفاضة الوجود المعبر عنه بالفتق في قوله تعالى : { كانتا رتقاً ففتقناهما } [ الأنبياء : 30 ] . والمعنى : أنه بقدرته تعالى استقامت أمورهما .
والتزم حكماء الإشراق من المسلمين وصوفية الحكماء معاني من إطلاقات النور . وأشهرها ثلاثة : البرهان العلمي ، والكمال النفساني ، وما به مشاهدة النورانيات من العوالم . وإلى ثلاثتها أشار شهاب الدين يحيى السهروردي في أول كتابه « هياكل النور » بقوله : « يا قيوم أيِّدنا بالنور وثبتنا على النور واحشرنا إلى النور » كما بينه جلال الدين الدواني في « شرحه » .
ونلحق بهذه المعاني اطلاق النور على الإرشاد إلى الأعمال الصالحة وهو الهدي .
وقد ورد في آيات من القرآن إطلاق النور على ما هو أعم من الهدي كما في قوله تعالى : { إنا أنزلنا التوراة فيها هُدًى ونور } [ المائدة : 44 ] وقوله : { قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس } [ الأنعام : 91 ] فعطف أحد اللفظين على الآخر مشعر بالمغايرة بينهما . وليس شيء من معاني لفظ النور الوارد في هذه الآيات بصالح لأن يكون هو الذي جعل وصفاً لله تعالى لا حقيقة ولا مجازاً فتعين أن لفظ ( نور ) في قوله : { مثل نوره كمشكاة } غير المراد بلفظ نور في قوله : { الله نور السماوات والأرض } فالنور لفظ مشترك استعمل في معنى وتارة أخرى في معنى آخر .
فأحسن ما يفسر به قوله تعالى : { الله نور السماوات والأرض } أن الله موجد كل ما يعبر عنه بالنور وخاصة أسباب المعرفة الحق والحجة القائمة والمرشد إلى الأعمال الصالحة التي بها حسن العاقبة في العالَمَيْن العلوي والسفلي ، وهو من استعمال المشترك في معانيه .
ويجوز أن يراد بالسماوات والأرض من فيهما من باب : { واسأل القرية } [ يوسف : 82 ] وهو أبلغ من ذكر المضاف المحذوف لأن في هذا الحذف إيهام أن السماوات والأرض قابلة لهذا النور كما أن القرية نفسها تشهد بما يسأل منها ، وذلك أبلغ في الدلالة على الإحاطة بالمقصود وألطف دلالة .
فيشمل تلقين العقيدة الحق والهداية إلى الصلاح ؛ فأما هداية البشر إلى الخير والصلاح فظاهرة ، وأما هداية الملائكة إلى ذلك فبأن خلقهم الله على فطرة الصلاح والخير . وبأن أمرهم بتسخير القوى للخير ، وبأن أمر بعضهم بإبلاغ الهدى بتبليغ الشرائع وإلهام القلوب الصالحة إلى الصلاح وكانت تلك مظاهر هدى لهم وبهم .
{ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِى زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مباركة زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يضىء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ على نُورٍ } .
يظهر أن هذه الجملة بيان لجملة : { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } [ النور : 34 ] إذ كان ينطوي في معنى { آيات } ووصفها ب { مبينات } ما يستشرف إليه السامع من بيان لما هي الآيات وما هو تبيينها ، فالجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً . ووقعت جملة : { الله نور السماوات والأرض } معترضة بين هذه الجملة والتي قبلها تمهيداً لعظمة هذا النور الممثل بالمشكاة .
وجرى كلام كثير من المفسرين على ما يقتضي أنها بيان لجملة : { الله نور السماوات والأرض } فيكون موقعها موقع عطف البيان فلذلك فُصلت فلم تعطف .
والضمير في قوله : { نوره } عائد إلى اسم الجلالة ، أي مثل نور الله . والمراد ب { نوره } كتابه أو الدين الذي اختاره ، أي مثله في إنارة عقول المهتدين .
فالكلام تمثيل لهيئة إرشاد الله المؤمنين بهيئة المصباح الذي حفّت به وسائل قوة الإشراق فهو نور الله لا محالة . وإنما أوثر تشبيهه بالمصباح الموصوف بما معه من الصفات دون أن يشبه نوره بطلوع الشمس بعد ظلمة الليل لقصد إكمال مشابهة الهيئة المشبه بها بأنها حالة ظهور نور يبدو في خلال ظلمة فتنقشع به تلك الظلمة في مساحة يراد تنويرها . ودون أن يشبه بهيئة بزوغ القمر في خلال ظلمة الأفق لقصد إكمال المشابهة لأن القمر يبدو ويغيب في بعض الليلة بخلاف المصباح الموصوف . وبعد هذا فلأن المقصود ذكر ما حف بالمصباح من الأدوات ليتسنى كمال التمثيل بقبوله تفريق التشبيهات كما سيأتي وذلك لا يتأتى في القمر .
والمَثَل : تشبيه حال بحال ، وقد تقدم في أوائل سورة البقرة . فمعنى { مثل نوره } : شَبيهُ هدِيه حالُ مشكاة . . إلى آخره ، فلا حاجة إلى تقدير : كنور مشكاة ، لأن المشبه به هو المشكاة وما يتبعها .
وقوله : { كمشكاة فيها مصباح } المقصود كمصباح في مشكاة . وإنما قُدم { المشكاة } في الذكر لأن المشبه به هو مجموع الهيئة ، فاللفظ الدال على المشبه به هو مجموع المركب المبتدىء بقوله : { كمشكاة } والمنتهي بقوله : { ولو لم تمسسه نار } فلذلك كان دخول كاف الشبه على كلمة { مشكاة } دون لفظ { مصباح } لا يقتضي أصالة لفظ مشكاة في الهيئة المشبه بها دون لفظ { مصباح } بل موجب هذا الترتيب مراعاة الترتيب الذهني في تصور هذه الهيئة المتخيلة حين يلمح الناظر إلى انبثاق النور ثم ينظر إلى مصدره فيرى مشكاةً ثم يبدو له مصباح في زجاجة .
والمشكاة المعروف من كلام أهل اللغة أنها فرجة في الجدار مثل الكوة لكنها غير نافذة فإن كانت نافذة فهي الكوة . ولا يوجد في كلام الموثوق عنهم من أهل العربية غير هذا المعنى ، واقتصر عليه الراغب وصاحب « القاموس » و« الكشاف » واتفقوا على أنها كلمة حبشية أدخلها العرب في كلامهم فعدت في الألفاظ الواقعة في القرآن بغير لغة العرب . ووقع ذلك في « صحيح البخاري » فيما فسره من مفردات سورة النور .
ووقع في « تفسير الطبري » وابن عطية عن مجاهد : أن المشكاة العمود الذي فيه القنديل يكون على رأسه ، وفي « الطبري » عن مجاهد أيضاً : المشكاة الصُفر ( أي النحاس أي قطعة منه شبيه القصيبة ) الذي في جوف القنديل . وفي معناه ما رواه هو عن ابن عباس : المشكاة موقع الفتيلة ، وفي معناه أيضاً ما قاله ابن عطية عن أبي موسى الأشعري : المشكاة الحديدة والرصاصة التي يكون فيها الفتيل في جوف الزجاجة . وقول الأزهري : أراد قصبة الزجاجة التي يستصبح فيها وهي موضع الفتيلة .
وقد تأوله الأزهري بأن قصبة الزجاجة شبهت بالمشكاة وهي الكوة فأطلق عليها مشكاة .
والمصباح : اسم للإناء الذي يوقد فيه بالزيت للإنارة ، وهو من صيغ أسماء الآلات مثل المفتاح ، وهو مشتق من اسم الصبح ، أي ابتداء ضوء النهار ، فالمصباح آلة الإصباح أي الإضاءة . وإذا كان المشكاة اسماً للقصيبة التي توضع في جوف القنديل كان المصباح مراداً به الفتيلة التي توضع في تلك القُصيبة .
وإعادة لفظ { المصباح } دون أن يقال : فيها مصباح في زجاجة ، كما قال : { كمشكاة فيها مصباح } إظهار في مقام الإضمار للتنويه بذكر المصباح لأنه أعظم أركان هذا التمثيل ، وكذلك إعادة لفظ { الزجاجة } في قوله : { الزجاجة كأنها كوكب دري } لأنه من أعظم أركان التمثيل . ويسمى مثل هذه الإعادة تشابه الأطراف في فن البديع ، وأنشدوا فيه قول ليلى الأخيلية في مدح الحجاج بن يوسف :
إذا أُنزل الحجاج أرضاً مريضةً *** تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها *** غلام إذا هز القناة سقاها
سقاها فروّاها بشرب سجاله *** دماءَ رجال يحلبون صراها
ومما فاقت به الآية عدم تكرار ذلك أكثر من مرتين .
والزجاجة : اسم إناء يصنع من الزجاج ، سميت زجاجة لأنها قطعة مصنوعة من الزجاج بضم الزاي وتخفيف الجيمين ملحقة بآخر الكلمة هاء هي علامة الواحد من اسم الجمع كأنهم عاملوا الزجاج معاملة أسماء الجموع مثل تَمر ، ونَمل ، ونَخْل ، كانوا يتخذون من الزجاج آنية للخمر وقناديل للإسراج بمصابيح الزيت لأن الزجاج شفاف لا يحجب نور السراج ولا يحجب لون الخمر وصفاءها ليعلمه الشارب .
والزجاج : صنف من الطين المطيّن من عجين رمللٍ مخصوص يوجد في طبقة الأرض وليس هو رمل الشطوط .
وهذا العجين اسمه في اصطلاح الكيمياء ( سليكَا ) يخلط بأجزاء من رماد نبت يسمى في الكيمياء ( صُودا ) ويسمى عند العرب الغاسول وهو الذي يتخذون منه الصابون . ويضاف إليهما جزء من الكلس ( الجير ) ومن ( البوتاس ) أو من ( أُكسيد الرصاص ) فيصير ذلك الطين رقيقاً ويدخل للنار فيصهر في أتون خاص به شديد الحرارة حتى يتميّع وتختلط أجزاؤه ثم يخرج من الأتون قطعاً بقدر ما يريد الصانع أن يصنع منه ، وهو حينئذٍ رخو يشبه الحلواء فيكون حينئذٍ قابلاً للامتداد وللانتفاخ إذا نُفخ فيه بقصبة من حديد يضعها الصانع في فمه وهي متصلة بقطعة الطين المصهورة فينفخ فيها فإذا داخلها هواء النفَس تمددت وتشكلت بشكل كما يتفق فيتصرف فيه الصانع بتشكيله بالشكل الذي يبتغيه فيجعل منه أواني مختلفة الأشكال من كؤوس وباطيات وقِنِّينات كبيرة وصغيرة وقوارير للخمر وآنية لزيت المصابيح تفضل ما عداها بأنها لا تحجب ضوء السراج وتزيده إشعاعاً .
وقد كان الزجاج معروفاً عند القدماء من الفنيقيين وعند القبط من نحو القرن الثلاثين قبل المسيح ثم عرفه العرب وهم يسمونه الزجاج والقوارير . قال بشار :
ارفق بعمرو إذا حركت نسبته *** فإنه عربي من قوارير
وقد عرفه العبرانيون في عهد سليمان واتخذ منه سليمان بلاطاً في ساحة صرحه كما ورد في قوله تعالى : { قال إنه صرح ممرد من قوارير } [ النمل : 44 ] . وقد عرفه اليونان قديماً ومن أقوال الحكيم ( ديوجينوس اليوناني ) : « تيجان الملوك كالزجاج يسرع إليها العطب » . وسمى العرب الزجاج بلَّوراً بوزن سنّوْر وبوزن تنُّور . واشتهر بصناعته أهل الشام . قال الزمخشري في « الكشاف » : { في زجاجة } أراد قنديلاً من زجاج شامي أزهر اه . واشتهر بدقة صنعه في القرن الثالث المسيحي أهل البندقية ولونوه وزينوه بالذهب وما زالت البندقية إلى الآن مصدر دقائق صنع الزجاج على اختلاف أشكاله وألوانه يتنافس فيه أهل الأذواق . وكذلك بلاد ( بوهيميا ) من أرض ( المجر ) لجودة التراب الذي يصنع منه في بلادهم . ومن أصلح ما انتفع فيه الزجاج اتخاذ أطباق منه توضع على الكوى النافذة والشبابيك لتمنع الرياح وبرد الشتاء والمطر عن سكان البيوت ولا يحجب عن سكانها الضوء . وكان ابتكار استعمال هذه الأطباق في القرن الثالث من التاريخ المسيحي ولكن تأخر الانتفاع به في ذلك مع الاضطرار إليه لعسر استعماله وسرعة تصدعه في النقل ووفرة ثمنه ، ولذلك اتخذ في النوافذ أول الأمر في البلاد التي يصنع فيها فبقي زماناً طويلاً خاصاً بمنازل الملوك والأثرياء .
والكوكب : النجم ، والدرِّيّ بضم الدال وتشديد التحتية في قراءة الجمهور واحد الدراري وهي الكواكب الساطعة النور مثل الزُّهرة والمشتري منسوبة إلى الدُّر في صفاء اللون وبياضه ، والياء فيه ياء النسبة وهي نسبة المشابهة كما في قول طرفة يصف راحلته :
أي كالجمل في عظم الجثة وفي القوة .
وقولهم في المثل « بات بليلة نابغية » أي كليلة النابغة في قوله :
فبت كأني ساورتني ضئيلة *** الأبيات . . .
قال الحريري : « فبت بليلة نابغية . وأحزان يعقوبية » المقامة السابعة والعشرون .
ومنه قولهم : وردي اللون ، أي كلون الورد . والدر يضرب مثلاً للإشراق والصفاء . قال لبيد :
وتضيء في وجه الظلام منيرة *** كجمانة البحري سُلّ نظامها
وقيل : الكوكب الدري علم بالغلبة على كوكب الزهرة .
وقرأ أبو عمرو والكسائي { دِرّيء } بكسر الدال ومد الراء على وزن شريب من الدرء وهو الدفع ، لأنه يدفع الظلام بضوئه أو لأن بعض شعاعه يدفع بعضاً فيما يخاله الرائي .
وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بضم الدال ومد الراء من الدرء أيضاً على أن وزنه فُعِّيل وهو وزن نادر في كلام العرب لكنه من أبنية كلامهم عند سيبويه ومنه عُلِّية وسُرِّية وذُرّية بضم الأول في ثلاثتها .
وإنما سُلك طريق التشبيه في التعبير عن شدة صفاء الزجاجة لأنه أوجز لفظاً وأبين وصفاً . وهذا تشبيه مفرد في أثناء التمثيل ولا حظ له في التمثيل .
وجملة : { يوقد من شجرة } الخ في موضع الصفة ل { مصباح } .
وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم { يوقد } بتحتية في أوله مضمومة بعدها واو ساكنة وبفتح القاف مبنياً للنائب ، أي يوقده الموقد . فالجملة حال من { مصباح } .
وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف { تَوَقَّد } بفوقية مفتوحة في أوله وبفتح الواو وتشديد القاف مفتوحة ورفع الدال على أنه مضارع توقّد حذفت منه إحدى التاءين وأصله تتوقد على أنه صفة أو حال من { مشكاة } أو من { زجاجة } أو من المذكورات وهي مشكاة ومصباح وزجاجة ، أي تنير . وإسناد التوقد إليها مجاز عقلي .
وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر مثل قراءة حمزة ومن معه لكن بفتح الدال على أنه فعل مضي حال أو صفة لمصباح .
والإيقاد : وضع الوقود وهو ما يزاد في النار المشتعلة ليقوى لهبها ، وأريد به هنا ما يُمَد به المصباح من الزيت .
وفي صيغة المضارع على قراءة الأكثرين إفادة تجدد إيقاده ، أي لا يذوى ولا يطفأ . وعلى قراءة ابن كثير ومن معه بصيغة المضي إفادة أن وقوده ثبت وتحقق .
وذكرت الشجرة باسم جنسها ثم أبدل منه { زيتونة } وهو اسم نوعها للإبهام الذي يعقبه التفصيل اهتماماً بتقرر ذلك في الذهن . ووصف الزيتونة بالمباركة لما فيها من كثرة النفع فإنها ينتفع بحبها أكلاً وبزيتها كذلك ويستنار بزيتها ويدخل في أدوية وإصلاح أمور كثيرة . وينتفع بحطبها وهو أحسن حطب لأن فيه المادة الدهنية قال تعالى : { تنبت بالدهن } [ المؤمنون : 20 ] ، وينتفع بجودة هواء غاباتها .
وقد قيل إن بركتها لأنها من شجر بلاد الشام والشام بلد مبارك من عهد إبراهيم عليه السلام قال تعالى : { ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين } [ الأنبياء : 71 ] يريد أرض الشام .
ووصف الزيتونة ب { مباركة } على هذا وصف كاشف ، ويجوز أن يكون وصفاً مخصصاً ل { زيتونة } أي شجرة ذات بركة ، أي نماء ووفرة ثمر من بين شجر الزيتون فيكون ذكر هذا الوصف لتحسين المشبه به لينجر منه تحسين للمشبه كما في قول كعب بن زهير :
شجت بذي شبم من ماء مَحْنية *** صافٍ بأبطح أصْحى وهو مَشْمول
تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه *** من صوب سارية بيضٌ يعاليل
فإن قوله ، وأفرطه الخ لا يزيد الماء صفاءً ولكنه حالة تحسنه عند السامع .
وقوله : { لا شرقية ولا غربية } وصف ل { زيتونة } . دخل حرف ( لا ) النافية في كلا الوصفين فصار بمنزلة حرف هجاء من الكلمة بعده ولذلك لم يكن في موضع إعراب نظير ( ال ) المعرفة التي ألغز فيها الدماميني بقوله :
حاجيتكم لتخبروا ما اسمان *** وأول إعرابه في الثاني
وهو مبني بكل حــــال *** ها هو للناظر كالعيان
لإفادة الاتصاف بنفي كل وصف وعطف على كل وصف ضده لإرادة الاتصاف بوصف وسط بين الوصفين المنفيين لأن الوصفين ضدان على طريقة قولهم : « الرمان حلو حامض » . والعطف هنا من عطف الصفات كقوله تعالى : { لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } [ النساء : 143 ] وقول المرأة الرابعة من حديث أم زرع : « زوجي كليل تهامة لا حَرٌّ ولا قُرُّ »{[291]} أي وسطاً بين الحر والقُر وقول العجاج يصف حمار وحشٍ :
حشرج في الجَوف قليلاً وشهق *** حتى يقال ناهقٌ وما نهَق
والمعنى : أنها زيتونة جهتها بين جهة الشرق وجهة الغرب ، فُنفِيَ عنها أن تكون شرقية وأن تكون غربية ، وهذا الاستعمال من قبيل الكناية لأن المقصود لازم المعنى لا صريحه . وأما إذا لم يكن الأمران المنفيان متضادين فإن نفيهما لا يقتضي أكثر من نفي وقوعهما كقوله تعالى : { وظل من يحموم لا بارد ولا كريم } [ الواقعة : 43 ، 44 ] وقول المرأة الأولى من نساء حديث أم زرع : « زوجي لحم جَمَل على رأس جبَل ، لا سَهْلٌ فيرتقى ولا سمين فينتقل » .
واعلم أن هذا الاستعمال إنما يكون في عطف نفي الأسماء وأما عطف الأفعال المنفية فهو من عطف الجمل نحو : { فلا صدَّق ولا صلىَّ } [ القيامة : 31 ] وقوله صلى الله عليه وسلم " لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض " .
واعلم أيضاً أن هذا لم يرد إلا في النفي بلا النافية ولذلك استقام للحريري أن يلقب شجرة الزيتون بلقب « لا و لا » بقوله في المقامة السادسة والأربعين « بورك فيك من طلا . كما بورك في لا و لا » أي في الشجرة التي قال الله في شأنها : { لا شرقية ولا غربية } .
ثم يحتمل أن يكون معنى : { لا شرقية ولا غربية } أنها نابتة في موضع بين شرق بلاد العرب وغربها وذلك هو البلاد الشامية . وقد قيل إن أصل منبت شجرة الزيتون بلاد الشام . ويحتمل أن يكون المعنى أن جهة تلك الشجرة من بين ما يحف بها من شجر الزيتون موقع غير شرق الشمس وغربها وهو أن تكون متجهة إلى الجنوب ، أي لا يحجبها عن جهة الجنوب حاجب وذلك أنفع لحياة الشجرة وطيب ثمرتها ، فبذلك يكون زيتها أجود زيت وإذا كان أجود كان أشد وقوداً ولذلك أتبع بجملة : { يكاد زيتها يضيء } وهي في موضع الحال .
وجملة : { ولو لم تمسسه نار } في موضع الحال من { زيتها } .
والزيت : عصارة حب الزيتون وما يشبهه من كل عصارة دهنية ، مثل زيت السمسم والجلجلان . وهو غذاء . ولذلك تجب الزكاة في زيت الزيتون إذا كان حبه نصاباً خمسة أوسق وكذلك زكاة زيت الجلجلان والسمسم .
و { لو } وصلية . والتقدير : يكاد يضيء في كل حال حتى في حالة لم تمسسه فيها نار .
وهذا تشبيه بالغ كمال الإفصاح بحيث هو مع أنه تشبيه هيئة بهيئة هو أيضاً مفرَّق التشبيهات لأجزاء المركب المشبه مع أجزاء المركب المشبه به وذلك أقصى كمال التشبيه التمثيلي في صناعة البلاغة .
ولما كان المقصود تشبيه الهيئة بالهيئة والمركب بالمركب حسن دخول حرف التشبيه على بعض ما يدل على بعض المركب ليكون قرينة على أن المراد التشبيه المركب ولو كان المراد تشبيه الهدى فقط لقال : نوره كمصباح في مشكاة . . إلى آخره .
فالنور هو معرفة الحق على ما هو عليه المكتسبة من وحي الله وهو القرآن . شبه بالمصباح المحفوف بكل ما يزيد نوره انتشاراً وإشراقاً .
وجملة : { نور على نور } مستأنفة إشارة إلى أن المقصود من مجموع أجزاء المركب التمثيلي هنا هو البلوغ إلى إيضاح أن الهيئة المشبه بها قد بلغت حد المضاعفة لوسائل الإنارة إذ تظاهرت فيها المشكاة والمصباح والزجاج الخالص والزيت الصافي ، فالمصباح إذا كان في مشكاة كان شعاعه منحصراً فيها غير منتشر فكان أشد إضاءة لها مما لو كان في بيت ، وإذا كان موضوعاً في زجاجة صافية تضاعف نوره ، وإذا كان زيته نقياً صافياً كان أشد إسراجاً ، فحصل تمثيل حال الدين أو الكتاب المنزل من الله في بيانه وسرعة فشوه في الناس بحال انبثاق نور المصباح وانتشاره فيما حف به من أسباب قوة شعاعه وانتشاره في الجهة المضاءة به .
فقوله : { نور } خبر مبتدأ محذوف دل عليه قوله : { مثل نوره كمشكاة } إلى آخره ، أي هذا المذكور الذي مثل به الحق هو نور على نور .
و { على } للاستعلاء المجازي وهو التظاهر والتعاون . والمعنى : أنه نور مكرر مضاعف . وقد أشرت آنفاً إلى أن هذا التمثيل قابل لتفريق التشبيه في جميع أجزاء ركني التمثيل بأن يكون كل جزء من أجزاء الهيئة المشبهة مشابهاً لجزء من الهيئة المشبه بها وذلك أعلى التمثيل .
فالمشكاة يشبهها ما في الإرشاد الإلهي من انضباط اليقين وإحاطة الدلالة بالمدلولات دون تردد ولا انثلام . وحفظ المصباح من الانطفاء مع ما يحيط بالقرآن من حفظه من الله بقوله : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } [ الحجر : 9 ] .
ومعاني هداية إرشاد الإسلام تشبه المصباح في التبصير والإيضاح ، وتبيينُ الحقائق من ذلك الإرشاد .
وسلامته من أن يطرقه الشك واللبس يشبه الزجاجة في تجلية حال ما تحتوي عليه كما قال : { ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } [ النور : 34 ] .
والوحي الذي أبلغ الله به حقائق الديانة من القرآن والسنة يشبه الشجرة المباركة التي تعطي ثمرة يستخرج منها دلائل الإرشاد .
وسماحة الإسلام وانتفاء الحرج عنه يشبه توسط الشجرة بين طرفي الأفق فهو وسط بين الشدة المحرجة وبين اللين المفرِّط .
ودوام ذلك الإرشاد وتجدده يشبه الإيقاد .
وتعليم النبي صلى الله عليه وسلم أمته ببيان القرآن وتشريع الأحكام يشبه الزيت الصافي الذي حصلت به البصيرة وهو مع ذلك بيّن قريب التناول يكاد لا يحتاج إلى إلحاح المعلم .
وانتصاب النبي عليه الصلاة والسلام للتعليم يشبه مس النار للسراج وهذا يومىء إلى استمرار هذا الإرشاد .
كما أن قوله : { من شجرة } يوميء إلى الحاجة إلى اجتهاد علماء الدين في استخراج إرشاده على مرور الأزمنة لأن استخراج الزيت من ثمر الشجرة يتوقف على اعتصار الثمرة وهو الاستنباط .
{ يَهْدِى الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الامثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَىْءٍ عَلَيِمٌ } .
هذه الجمل الثلاث معترضة أو تذييل للتمثيل . والمعنى : دفع التعجب من عدم اهتداء كثير من الناس بالنور الذي أنزله الله وهو القرآن والإسلام فإن الله إذا لم يشأ هَدْيَ أحد خلقه وجبله على العناد والكفر .
وأن الله يضرب الأمثال للناس مرجوّا منهم التذكرُ بها : فمنهم من يعتبر بها فيهتدي ، ومنهم من يعرض فيستمر على ضلاله ولكن شأن تلك الأمثال أن يهتدي بها غير من طُبع على قلبه .
وجملة : { والله بكل شيء عليم } تذييل لمضمون الجملتين قبلها ، أي لا يعزب عن علمه شيء . ومن ذلك علم من هو قابل للهدى ومن هو مصرّ على غيّه . وهذا تعريض بالوعد للأولين والوعيد للآخرين .
في الدرسين الماضيين من السورة عالج السياق أغلظ ما في الكيان البشري . ليرققه ويطهره ويرتفع به إلى آفاق النور . عالج عرامة اللحم والدم ، وشهوة العين والفرج ، ورغبة التجريح والتشهير ، ودفعة الغضب والغيظ . وعالج الفاحشة أن تشيع في النفس وأن تشيع في الحياة ، وأن تشيع في القول . عالجها بتشديد حد الزنا وحد القذف . وعالجها بعرض نموذج شنيع فظيع من رمي المحصنات الغافلات المؤمنات . وعالجها بالوسائل الواقية : بالاستئذان على البيوت وغض البصر وإخفاء الزينة ، والنهي عن مثيرات الفتنة ، وموقظات الشهوة . ثم بالإحصان ، ومنع البغاء ، وتحرير الرقيق . . كل أولئك ليأخذ الطريق على دفعات اللحم والدم ، ويهيئ للنفوس وسائل العفة والاستعلاء والشفافية والإشراق .
وفي أعقاب حديث الإفك عالج ما تخلف عنه من غضب وغيظ ، ومن اضطراب في المقاييس ، وقلق في النفوس . فإذا نفس محمد - رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] - مطمئنة هادئة . وإذا نفس عائشة - رضي الله عنها - قريرة راضية . وإذا نفس أبي بكر - رضي الله عنه - سمحة صافية . وإذا نفس صفوان بن المعطل - رضي الله عنه - قانعة بشهادة الله وتبرئته . وإذا نفوس المسلمين آيبة تائبة . وقد تكشف لها ما كانت تخبط فيه من التيه . فثابت إلى ربها شاكرة فضله ورحمته وهدايته . .
بهذا التعليم . وهذا التهذيب . وهذا التوجيه . عالج الكيان البشري ، حتى أشرق بالنور ؛ وتطلع إلى الأفق الوضيء ؛ واستشرق النور الكبير في آفاق السماوات والأرض ، وهو على استعداد لتلقي الفيض الشامل الغامر في عالم كله إشراق ، وكله نور :
( الله نور السماوات والأرض ) . .
وما يكاد النص العجيب يتجلى حتى يفيض النور الهادئ الوضيء ، فيغمر الكون كله ، ويفيض على المشاعر والجوارح ، وينسكب في الحنايا والجوانح ؛ وحتى يسبح الكون كله في فيض النور الباهر ؛ وحتى تعانقهوترشفه العيون والبصائر ؛ وحتى تنزاح الحجب ، وتشف القلوب ، وترف الأرواح . ويسبح كل شيء في الفيض الغامر ، ويتطهر كل شيء في بحر النور ، ويتجرد كل شيء من كثافته وثقله ، فإذا هو انطلاق ورفرفة ، ولقاء ومعرفة ، وامتزاج وألفة ، وفرح وحبور . وإذا الكون كله بما فيه ومن فيه نور طليق من القيود والحدود ، تتصل فيه السماوات بالأرض ، والأحياء بالجماد ، والبعيد بالقريب ؛ وتلتقي فيه الشعاب والدروب ، والطوايا والظواهر ، والحواس والقلوب . .
( الله نور السماوات والأرض ) . .
النور الذي منه قوامها ومنه نظامها . . فهو الذي يهبها جوهر وجودها ، ويودعها ناموسها . . ولقد استطاع البشر أخيرا أن يدركوا بعلمهم طرفا من هذه الحقيقة الكبرى ، عندما استحال في أيديهم ما كان يسمى بالمادة - بعد تحطيم الذرة - إلى إشعاعات منطلقة لا قوام لها إلا النور ! ولا " مادة " لها إلا النور ! فذرة المادة مؤلفة من كهارب وإليكترونيات ، تنطلق - عند تحطيمها - في هيئة إشعاع قوامه هو النور ! فأما القلب البشري فكان يدرك الحقيقة الكبرى قبل العلم بقرون وقرون . كان يدركها كلما شف ورف ، وانطلق إلى آفاق النور . ولقد أدركها كاملة شاملة قلب محمد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ففاض بها وهو عائد من الطائف ، نافض كفيه من الناس ، عائذ بوجه ربه يقول : " أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة " . وفاض بها في رحلة الإسراء والمعراج . فلما سألته عائشة : هل رأيت ربك ? قال . " نور . أنى أراه " .
ولكن الكيان البشري لا يقوى طويلا على تلقي ذلك الفيض الغامر دائما ، ولا يستشرف طويلا ذلك الأفق البعيد . فبعد أن جلا النص هذا الأفق المترامي ، عاد يقارب مداه ، ويقربه إلى الإدراك البشري المحدود ، في مثل قريب محسوس :
مثل نوره كمشكاة فيها مصباح . المصباح في زجاجة . الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ، يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار . نور على نور . .
وهو مثل يقرب للإدراك المحدود صورة غير المحدود ؛ ويرسم النموذج المصغر الذي يتأمله الحس ، حين يقصر عن تملي الأصل . وهو مثل يقرب للإدراك طبيعة النور حين يعجز عن تتبع مداه وآفاقه المترامية وراء الإدراك البشري الحسير .
ومن عرض السماوات والأرض إلى المشكاة . وهي الكوة الصغيرة في الجدار غير النافذة ، يوضع فيها المصباح ، فتحصر نوره وتجمعه ، فيبدو قويا متألقا : ( كمشكاة فيها مصباح ) . . ( المصباح في زجاجة ) . . تقيه الريح ، وتصفي نوره ، فيتألق ويزداد . . ( الزجاجة كأنها كوكب دري ) . . فهي بذاتها شفافة رائقة سنية منيرة . . هنا يصل بين المثل والحقيقة . بين النموذج والأصل . حين يرتقي من الزجاجة الصغيرة إلى الكوكب الكبير ، كي لا ينحصر التأمل في النموذج الصغير ، الذي ما جعل إلا لتقريب الأصل الكبير . . وبعد هذه اللفتة يعود إلى النموذج . إلى المصباح :
( يوقد من شجرة مباركة زيتونة )ونور زيت الزيتون كان أصفى نور يعرفه المخاطبون . ولكن ليس لهذا وحده كان اختيار هذا المثل . إنما هو كذلك الظلال المقدسة التي تلقيها الشجرة المباركة . ظلال الوادي المقدس في الطور ، وهو أقرب منابت الزيتون لجزيرة العرب . وفي القرآن إشارة لها وظلال حولها : ( وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين ) . وهي شجرة معمرة ، وكل ما فيها مما ينفع الناس . زيتها وخشبهاوورقها وثمرها . . ومرة أخرى يلتفت من النموذج الصغير ليذكر بالأصل الكبير . فهذه الشجرة ليست شجرة بعينها وليست متحيزة إلى مكان أو جهة . إنما هي مثل مجرد للتقريب : ( لا شرقية ولا غربية ) . . وزيتها ليس زيتا من هذا المشهود المحدود ، إنما هو زيت آخر عجيب : ( يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) . . فهو من الشفافية بذاته ، ومن الإشراق بذاته ، حتى ليكاد يضيء بغير احتراق ؛ ( ولو لم تمسسه نار ) . . ( نور على نور ) . . وبذلك نعود إلى النور العميق الطليق في نهاية المطاف !
إنه نور الله الذي أشرقت به الظلمات في السماوات والأرض . النور الذي لا ندرك كنهه ولا مداه . إنما هي محاولة لوصل القلوب به ، والتطلع إلى رؤياه : ( يهدي الله لنوره من يشاء ) . . ممن يفتحون قلوبهم للنور فتراه . فهو شائع في السماوات والأرض ، فائض في السماوات والأرض . دائم في السماوات والأرض . لا ينقطع ، ولا يحتبس ، ولا يخبو . فحيثما توجه إليه القلب رآه . وحيثما تطلع إليه الحائر هداه . وحيثما اتصل به وجد الله .
إنما المثل الذي ضربه الله لنوره وسيلة لتقريبه إلى المدارك ، وهو العليم بطاقة البشر :
قوله تعالى : { الله نور السموات والأرض } الآية{[11955]}
النور في كلام العرب : الأضواء المدركة بالبصر . واستعمل مجازا فيما صح من المعاني ولاح فيقال منه : كلام له نور . ومنه : الكتاب المنير ، ومنه قول الشاعر :
نسب كأن عليه من شمس الضحا *** نورا ومن فَلَقِ الصباح عمودَا
والناس يقولون : فلان نور البلد ، وشمس العصر وقمره . وقال :
فإنك{[11956]}شمس والملوك كواكب
هلاَّ خصصت من البلاد بمقصد *** قمرَ القبائل خالد بن يزيد
إذا سار عبد الله من مَروَ ليلة *** فقد سار منها نورها وجمالها
فيجوز أن يقال : لله تعالى نور من جهة المدح لأنه أوجد الأشياء ونور جميع الأشياء منه ابتداؤها وعنه صدورها وهو سبحانه ليس من الأضواء المدركة جل وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا . وقد قال هشام الجوالقي وطائفة من المجسمة : هو نور لا كالأنوار ، وجسم لا كالأجسام . وهذا كله محال على الله تعالى عقلا ونقلا على ما يعرف في موضعه من علم الكلام . ثم إن قولهم متناقض ، فإن قولهم جسم أو نور حكم عليه بحقيقة ذلك ، وقولهم لا كالأنوار ولا كالأجسام نفي لما أثبتوه من الجسمية والنور ، وذلك متناقض ، وتحقيقه في علم الكلام . والذي أوقعهم في ذلك ظواهر اتبعوها منها هذه الآية ، وقول عليه السلام إذا قام من الليل يتهجد ( اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ) . وقال عليه السلام وقد سئل : هل رأيت ربك ؟ فقال : ( رأيت نورا ) . إلى غير ذلك من الأحاديث . واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ، فقيل : المعنى أي به وبقدرته أنارت أضواؤها ، واستقامت أمورها ، وقامت مصنوعاتها . فالكلام على التقريب للذهن ، كما يقال : الملك نور أهل البلد ، أي به قوام أمرها وصلاح جملتها ؛ لجريان أموره على سنن السداد . فهو في الملك مجاز ، وهو في صفة الله حقيقة محضة ، إذ هو الذي أبدع الموجودات وخلق العقل نورا هاديا ؛ لأن ظهور الموجود به حصل كما حصل بالضوء ظهور المبصرات ، تبارك وتعالى لا رب غيره . قال معناه مجاهد والزهري وغيرهما . قال ابن عرفة : أي منور السموات والأرض . وكذا قال الضحاك والقرظي . كما يقولون : فلان غياثنا ، أي مغيثنا . وفلان زادي ، أي مزودي . قال جرير :
وأنت لنا نور وغَيْثٌ وعصمةٌ *** ونبتٌ لمن يرجو نداك وريقُ
أي ذو وَرق . وقال مجاهد : مدبر الأمور في السموات والأرض . أبيّ بن كعب والحسن وأبو العالية : مزين السموات بالشمس والقمر والنجوم ، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين . وقال ابن عباس وأنس : المعنى الله هادي أهل السموات والأرض . والأول أعم للمعاني وأصح مع التأويل .
قوله تعالى : " مثل نوره " أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن ، والدلائل تسمى نورا . وقد سمى الله تعالى كتابه نورا فقال : " وأنزلنا إليكم نورا مبينا " {[11957]} [ النساء : 174 ] وسمى نبيه نورا فقال : " قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين " [ المائدة : 15 ] . وهذا لأن الكتاب يهدي ويبين ، وكذلك الرسول . ووجه الإضافة إلى الله تعالى أنه مثبت الدلالة ومبينها وواضعها . وتحتمل الآية معنى آخر ليس فيه مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل به ، بل وقع التشبيه فيه جملة بجملة ، وذلك أن يريد مثل نور الله الذي هو هداه وإتقانه صنعة كل مخلوق وبراهينه الساطعة على الجملة ، كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة ، التي هي أبلغ صفات النور الذي بين أيدي الناس ، فمثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أيها البشر . والمشكاة : الكوة في الحائط غير النافذة ، قاله ابن جبير وجمهور المفسرين ، وهي أجمع للضوء ، والمصباح فيها أكثر إنارة منه في غيرها ، وأصلها الوعاء يجعل فيه الشيء . والمشكاة وعاء من أدم كالدلو يبرد فيها الماء ؛ وهو على وزن مفعلة كالمقراة{[11958]} والمصفاة . قال الشاعر :
كأن عينيه مشكاتان في حجر *** قِيضا اقتياضا بأطراف المناقير{[11959]}
وقيل : المشكاة عمود القنديل الذي فيه الفتيلة . وقال مجاهد : هي القنديل . وقال " في زجاجة " لأنه جسم شفاف ، والمصباح فيه أنور منه في غير الزجاج . والمصباح : الفتيل بناره " كأنها كوكب دري " أي في الإنارة والضوء . وذلك يحتمل معنيين : إما أن يريد أنها بالمصباح كذلك ، وإما أن يريد أنها في نفسها لصفائها وجودة جوهرها كذلك . وهذا التأويل أبلغ في التعاون على النور . قال الضحاك : الكوكب الدري هو الزهرة .
قوله تعالى : " يوقد من شجرة مباركة " أي من زيت شجرة ، فحذف المضاف . والمباركة المنماة ، والزيتون من أعظم الثمار نماء ، والرمان كذلك . والمعنى{[11960]} يقتضي ذلك . وقول أبي طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس :
ليت شعري مسافرَ بن أبي عم *** رو وليتٌ يقولها المحزونُ
بورك الميت الغريب كما بو *** رك نبعُ الرمان والزيتونُ
وقيل : من بركتهما أن أغصانهما تورق من أسفلها إلى أعلاها . وقال ابن عباس : في الزيتونة منافع ، يسرج بالزيت ، وهو إدام ودهان ودباغ ، ووقود يوقد بحطبه وتفله ، وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة ، حتى الرماد يغسل به الإبريسم{[11961]} . وهي أول شجرة نبتت في الدنيا ، وأول شجرة نبتت بعد الطوفان ، وتنبت في منازل الأنبياء والأرض المقدسة ، ودعا لها سبعون نبيا بالبركة ؛ منهم إبراهيم ، ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم فإنه قال{[11962]} : ( اللهم بارك في الزيت والزيتون ) . قاله مرتين{[11963]} .
قوله تعالى : " لا شرقية ولا غربية " اختلف العلماء في قوله تعالى : " لا شرقية ولا غربية " فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة وغيرهم : الشرقية التي تصيبها الشمس إذا شرقت ولا تصيبها إذا غربت لأن لها سترا . والغربية عكسها ، أي أنها شجرة في صحراء ومنكشف من الأرض لا يواريها عن الشمس شيء وهو أجود لزيتها ، فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية ولا للغرب فتسمى غربية ، بل هي شرقية غربية . وقال الطبري عن ابن عباس : إنها شجرة في دوحة قد أحاطت بها ، فهي غير منكشفة من جهة الشرق ولا من جهة الغرب . قال ابن عطية : وهذا قول لا يصح عن ابن عباس ؛ لأن الثمرة التي بهذه الصفة يفسد جناها وذلك مشاهد في الوجود . وقال الحسن : ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا ، وإنما هو مثل ضربه الله تعالى لنوره ، ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية . الثعلبي : وقد أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا ؛ لأنها بدل من الشجرة ، فقال " زيتونة " . وقال ابن زيد : إنها من شجر الشأم ، فإن شجر الشأم لا شرقي ولا غربي ، وشجر الشأم هو أفضل الشجر ، وهي الأرض المباركة ، و " شرقية " نعت " لزيتونة " و " لا " ليست تحول بين النعت والمنعوت ، " ولا غربية " عطف عليه .
قوله تعالى : " يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار " مبالغة في حسنه وصفائه وجودته . " نور على نور " أي اجتمع في المشكاة ضوء المصباح إلى ضوء الزجاجة وإلى ضوء الزيت ، فصار لذلك نور على نور . واعتقلت هذه الأنوار في المشكاة فصارت كأنور ما يكون فكذلك براهين الله تعالى واضحة وهي برهان بعد برهان ، وتنبيه بعد تنبيه ، كإرساله الرسل وإنزاله الكتب ، ومواعظ تتكرر فيها لمن له عقل معتبر . ثم ذكر تعالى هداه لنوره من شاء وأسعد من عباده ، وذكر تفضله لعباد في ضرب الأمثال لتقع لهم العبرة والنظر المؤدي إلى الإيمان . وقرأ عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وأبو عبد الرحمن السلمي " الله نور " بفتح النون والواو المشددة . واختلف المتأولون في عود الضمير في " نوره " على من يعود ، فقال كعب الأحبار وابن جبير : هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم ، أي مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم . قال ابن الأنباري : " الله نور السموات والأرض " وقف حسن ، ثم تبتدئ " مثل نوره كمشكاة فيها مصباح " على معنى نور محمد صلى . وقال أبي بن كعب وابن جبير أيضا والضحاك : هو عائد على المؤمنين . وفي قراءة أبيّ " مثل نور المؤمنين " . وروي أن في قراءته " مثل نور المؤمن " . وروي أن فيها " مثل نور من آمن به " . وقال الحسن : هو عائد على القرآن والإيمان . قال مكي : وعلى هذه الأقوال يوقف على قوله : " والأرض " . قال ابن عطية : وهذه الأقوال فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر ، وفيها مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل فعلى من قال : الممثل به محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو قول كعب الحبر{[11964]} ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو المشكاة أو صدره والمصباح هو النبوة وما يتصل بها من عمله{[11965]} وهداه ، والزجاجة قلبه ، والشجرة المباركة هي الوحي ، والملائكة رسل الله إليه وسببه المتصل به ، والزيت هو الحجج والبراهين والآيات التي تضمنها الوحي . ومن قال : الممثل به المؤمن ، وهو قول أبيّ ، فالمشكاة صدره ، والمصباح الإيمان والعلم ، والزجاجة قلبه ، وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمنها . قال أبيّ : فهو على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات . ومن قال : إن الممثل به هو القرآن والإيمان ، فتقدير الكلام : مثل نوره الذي هو الإيمان في صدر المؤمن في قلبه كمشكاة ، أي كهذه الجملة . وهذا القول ليس في مقابلة التشبيه كالأولين ؛ لأن المشكاة ليست تقابل الإيمان . وقالت طائفة : الضمير في " نوره " عائد على الله تعالى . وهذا قول ابن عباس فيما ذكر الثعلبي والماوردي والمهدوي ، وقد تقدم معناه . ولا يوقف على هذا القول على " الأرض " . قال المهدوي : الهاء لله عز وجل ، والتقدير : الله هادي أهل السموات والأرض ، مثل هداه في قلوب المؤمنين كمشكاة ، وروي ذلك عن ابن عباس . وكذلك قال زيد بن أسلم ، والحسن : إن الهاء لله عز وجل . وكان أبيّ وابن مسعود يقرآنها " مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة " . قال محمد بن علي الترمذي : فأما غيرهما فلم يقرأها في التنزيل هكذا ، وقد وافقهما في التأويل أن ذلك نوره قلب المؤمن ، وتصديقه في آية أخرى يقول : " أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من{[11966]} ربه " [ الزمر : 22 ] . واعتل الأولون بأن قالوا : لا يجوز أن يكون الهاء لله عز وجل ؛ لأن الله عز وجل لا حدّ لنوره . وأمال الكسائي فيما روى عنه أبو عمر الدوري الألف من " مشكاة " وكسر الكاف التي قبلها . وقرأ نصر بن عاصم " زجاجة " بفتح الزاي و " الزجاجة " كذلك ، وهي لغة . وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم " دري " بضم الدال وشد الياء ، ولهذه القراءة وجهان : إما أن ينسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه ، وإما أن يكون أصله دريء مهموز ، فعيل من الدرء وهو الدفع ، وخففت الهمزة . ويقال للنجوم العظام التي لا تعرف أسماؤها : الدراري ، بغير همز فلعلهم خففوا الهمزة ، والأصل من الدرء الذي هو الدفع . وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم " دريء " بالهمز والمد ، وهو فعيل من الدرء ، بمعنى أنها يدفع بعضها بعضا . وقرأ الكسائي وأبو عمرو " دريء " بكسر الدال والهمز من الدرء والدفع ، مثل السكير والفسيق . قال سيبويه : أي يدفع بعض ضوئه بعضا من لمعانه . قال النحاس : وضعف أبو عبيد قراءة أبي عمرو والكسائي تضعيفا شديدا ، لأنه تأولها من درأت أي دفعت ، أي كوكب يجري من الأفق إلى الأفق . وإذا كان التأويل على ما تأوله لم يكن في الكلام فائدة ، ولا كان لهذا الكوكب مزية على أكثر الكواكب ، ألا ترى أنه لا يقال جاءني إنسان من بني آدم . ولا ينبغي أن يتأول لمثل أبي عمرو والكسائي مع علمهما وجلالتهما هذا التأويل البعيد ، ولكن التأويل لهما على ما روي عن محمد بن يزيد أن معناهما في ذلك : كوكب مندفع بالنور ، كما يقال : اندرأ الحريق أن اندفع . وهذا تأويل صحيح لهذه القراءة . وحكى سعيد بن مسعدة أنه يقال : درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا . وقال الجوهري في الصحاح : ودرأ علينا فلان يدرأ دروءا أي طلع مفاجأة . ومنه كوكب دريء ، على فعيل ، مثل سكير وخمير ؛ لشدة توقده وتلألئه . وقد درأ الكوكب دروءا . قال أبو عمرو بن العلاء : سألت رجلا من سعد بن بكر من أهل ذات عرق فقلت : هذا الكوكب الضخم ما تسمونه ؟ قال : الدريء ، وكان من أفصح الناس . قال النحاس : فأما قراءة حمزة فأهل اللغة جميعا قالوا : هي لحن لا تجوز ؛ لأنه ليس في كلام العرب اسم على فُعِّيل . وقد اعترض أبو عبيد في هذا فاحتج لحمزة فقال : ليس هو فُعِّيل وإنما هو فعول ، مثل سبوح ، أبدل من الواو ياء ، كما قالوا : عُتيٌّ .
قال أبو جعفر النحاس : وهذا الاعتراض والاحتجاج من أعظم الغلط وأشده ؛ لأن هذا لا يجوز البتة ، ولو جاز ما قال لقيل في سُبّوح{[11967]}سُبّيح ، وهذا لا يقوله أحد ، وليس عتي من هذا ، والفرق بينهما واضح بين ؛ لأنه ليس يخلو عُتيٌّ من إحدى جهتين : إما أن يكون جمع عات فيكون البدل فيه لازما ، لأن الجمع باب تغيير ، والواو لا تكون طرفا في الأسماء وقبلها ضمة ، فلما كان قبل هذه ساكن وقبل الساكن ضمة والساكن ليس بحاجز حصين أبدل من الضمة كسرة فقلبت الواو ياء . وإن كان عُتيٌّ واحدا كان بالواو أولى ، وجاز قلبها لأنها طرف ، والواو في فعول ليست طرفا فلا يجوز قلبها . قال الجوهري : قال أبو عبيد إن ضممت الدال قلت دري ، يكون منسوبا إلى الدر ، على فعلي ولم تهمزه لأنه ليس في كلام العرب فعيل . ومن همزه من القراء فإنما أراد فعولا مثل سبوح فاستثقل[ لكثرة الضمات ]{[11968]}فرد بعضه إلى الكسر . وحكى الأخفش عن بعضهم " دريء " من درأته ، وهمزها وجعلها على فعيل مفتوحة الأول . قال : وذلك من تلألئه . قال الثعلبي : وقرأ سعيد بن المسيب وأبو رجاء " دريء " بفتح الدال مهموزا . قال أبو حاتم : هذا خطأ لأنه ليس في الكلام فعيل ، فإن صح عنهما فهما حجة . " يوقد " قرأ شيبة ونافع وأيوب وسلام وابن عامر وأهل الشام وحفص " يوقد " بياء مضمومة وتخفيف القاف وضم الدال . وقرأ الحسن والسلمي وأبو جعفر وأبو عمرو بن العلاء البصري " توقد " مفتوحة الحروف كلها مشددة القاف ، واختارها أبو حاتم وأبو عبيد . قال النحاس : وهاتان القراءتان متقاربتان ؛ لأنهما جميعا للمصباح ، وهو أشبه بهذا الوصف ؛ لأنه الذي ينير ويضيء ، وإنما الزجاجة وعاء له . و " توقد " فعل ماض من توقد يتوقد ، ويوقد فعل مستقبل من أوقد يوقد . وقرأ نصر بن عاصم " توقد " والأصل على قراءته تتوقد حذف إحدى التاءين لأن الأخرى تدل عليها . وقرأ الكوفيون " توقد " بالتاء يعنون الزجاجة . فهاتان القراءتان على تأنيث الزجاجة .
قوله تعالى : " من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية " تقدم القول فيه . " يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور " على تأنيث النار . وزعم أبو عبيد أنه لا يعرف إلا هذه القراءة . وحكى أبو حاتم أن السدي روى عن أبي مالك عن ابن عباس أنه قرأ " ولو لم يمسسه نار " بالياء . قال محمد بن يزيد : التذكير على أنه تأنيث غير حقيقي ، وكذا سبيل المؤنث عنده . وقال ابن عمر : المشكاة جوف محمد صلى الله عليه وسلم ، والزجاجة قلبه ، والمصباح النور الذي جعله الله تعالى في قلبه يوقد شجرة مباركة ، أي أن أصله من إبراهيم وهو شجرته ، فأوقد الله تعالى في قلب محمد صلى الله عليه وسلم النور كما جعله في قلب إبراهيم عليه السلام . وقال محمد بن كعب : المشكاة إبراهيم ، والزجاجة إسماعيل ، والمصباح محمد صلوات الله عليهم أجمعين ، سماه الله تعالى مصباحا كما سماه سراجا فقال : " وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا " {[11969]} [ الأحزاب : 46 ] يوقد من شجرة مباركة وهي آدم عليه السلام ، بورك في نسله وكثر منه الأنبياء والأولياء . وقيل : هي إبراهيم عليه السلام ، سماه الله تعالى مباركا لأن أكثر الأنبياء كانوا من صلبه . " لا شرقية ولا غربية " أي لم يكن يهوديا ولا نصرانيا وإنما كان حنيفا مسلما . وإنما قال ذلك لأن اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى تصلي فبل المشرق . " يكاد زيتها يضيء " أي يكاد محاسن محمد صلى الله عليه وسلم تظهر للناس قبل أن أوحى الله تعالى إليه . " نور على نور " نبي من نسل نبي . وقال الضحاك : شبه عبد المطلب بالمشكاة وعبد الله بالزجاجة والنبي صلى الله عليه وسلم بالمصباح كان في قلبهما ، فورث النبوة من إبراهيم . " من شجرة " أي شجرة التقى والرضوان وعشيرة الهدى والإيمان ، شجرة أصلها نبوة ، وفرعها مروءة ، وأغصانها تنزيل ، وورقها تأويل ، وخدمها جبريل وميكائيل . قال القاضي أبو بكر بن العربي : ومن غريب الأمر أن بعض الفقهاء قال إن هذا مثل ضربه الله تعالى لإبراهيم ومحمد ولعبد المطلب وابنه عبد الله ، فالمشكاة هي الكوة بلغة الحبشة ، فشبه عبد المطلب بالمشكاة فيها القنديل وهو الزجاجة ، وشبه عبد الله بالقنديل وهو الزجاجة ، ومحمد كالمصباح يعني من أصلابهما ، وكأنه كوكب دري وهو المشتري " يوقد من شجرة مباركة " يعني إرث النبوة من إبراهيم عليه السلام هو الشجرة المباركة ، يعني حنيفية لا شرقية ولا غربية ، لا يهودية ولا نصرانية . " يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار " يقول : يكاد إبراهيم يتكلم بالوحي من قبل أن يوحي إليه . " نور على نور " إبراهيم ثم محمد صلى الله عليه وسلم . قال القاضي : وهذا كله عدول عن الظاهر ، وليس يمتنع في التمثيل أن يتوسع المرء فيه .
قلت : وكذلك في جميع الأقوال لعدم ارتباطه بالآية ما عدا القول الأول ، وأن هذا مثل ضربه الله تعالى لنوره ، ولا يمكن أن يضرب لنوره المعظم مثلا تنبيها لخلقه إلا ببعض خلقه ؛ لأن الخلق لقصورهم لا يفهمون إلا بأنفسهم ومن أنفسهم ، ولولا ذلك ما عرف الله إلا الله وحده ، قاله ابن العربي . قال ابن عباس : هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار ، فإن مسته النار زاد ضوءه ، كذلك قلب المؤمن يكاد يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم ، فإذا جاءه العلم زاده هدى على هدى ونورا على نور ، كقول إبراهيم من قبل أن تجيئه المعرفة : " هذا ربي " {[11970]} ، من قبل أن يخبره أحد أن له ربا ، فلما أخبره الله أنه ربه زاد هدى ، فقال له ربه : " أسلم قال أسلمت لرب العالمين " {[11971]} [ البقرة : 131 ] . ومن قال : إن هذا مثل للقرآن في قلب المؤمن قال : كما أن هذا المصباح يستضاء به ولا ينقص فكذلك القرآن يهتدى به ولا ينقص ، فالمصباح القرآن والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة لسانه وفهمه والشجرة المباركة شجرة الوحي . " يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار " تكاد حجج القرآن تتضح ولو لم يقرأ . " نور على نور " يعني أن القرآن نور من الله تعالى لخلقه ، مع ما أقام لهم من الدلائل والإعلام قبل نزول القرآن ، فازدادوا بذلك نورا على نور . ثم أخبر أن هذا النور المذكور عزيز وأنه لا يناله إلا من أراد الله هداه فقال : " يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس " أي يبين الأشباه تقريبا إلى الأفهام . " والله بكل شيء عليم " أي بالمهدي والضال . وروي عن ابن عباس أن اليهود قالوا : يا محمد ، كيف يخلص نور الله تعالى من دون السماء ، فضرب الله تعالى ذلك مثلا لنوره .