التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّـٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّـٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (58)

استئناف انتقالي إلى غرض من أحكام المخالطة والمعاشرة . وهو عود إلى الغرض الذي ابتدئت به السورة وقُطع عند قوله { وموعظة للمتقين } [ النور : 34 ] كما تقدم .

وقد ذكر في هذه الآية شرع الاستئذان لأتباع العائلة ومن هو شديد الاختلاط إذا أراد دخول بيت ، فهو من متممات ما ذكر في قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا } [ النور : 27 ] وهو بمفهوم الزمان يقتضي تخصيص عموم قوله : { لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم } الآيات لأن ذلك عام في الأعيان والأوقات فكان قوله : { الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم } إلى قوله : { ومن بعد صلاة العشاء } تشريعاً لاستئذانهم في هذه الأوقات وهو يقتضي عدم استئذانهم في غير تلك الأوقات الثلاثة ، فصار المفهوم مخصصاً لعموم النهي في قوله : { لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا } . وأيضاً هذا الأمر مخصص بعموم { ما ملكت أيمانهن } [ النور : 31 ] وعموم { الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } من قوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن } [ النور : 31 ] الخ المتقدم آنفاً .

وقد روي أن أسماء بنت مرثد دخل عليها عبد لها كبير في وقت كرهت دخوله فيه فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إنما خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حالة نكرهها . فنزلت الآية ، ( يعني أنها اشتكت إباحة ذلك لهم ) . ولو صحت هذه الرواية لكانت هذه الآية نسخاً لعموم { أو ما ملكت أيمانهن } وعموم { أو الطفل } لأنها تقتضي أنه وقع العمل بذلك العموم ثم خصص بهذه الآية . والتخصيص إذا ورد بعد العمل بعموم العام صار نسخاً .

والأمر في قوله : { ليستئذنكم } للوجوب عند الجمهور . وقال أبو قلابة : هو ندب .

فأما المماليك فلأن في عرف الناس أن لا يتحرجوا من اطلاع المماليك عليهم إذ هم خَول وتَبَع . وقد تقدم ذلك آنفاً عند قوله تعالى : { أو ما ملكت أيمانهن } [ النور : 31 ] . وأما الأطفال فلأنهم لا عناية لهم بتطلع أحوال الناس . وتقدم آنفاً عند قوله : { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } [ النور : 31 ] .

كانت هذه الأوقات أوقاتاً يتجرد فيها أهل البيت من ثيابهم كما آذن به قوله تعالى : { وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة } فكان من القبيح أن يرى مماليكهم وأطفالهم عوراتهم لأن ذلك منظر يخجل منه المملوك وينطبع في نفس الطفل لأنه لم يعتد رؤيته ، ولأنه يجب أن ينشأ الأطفال على ستر العورة حتى يكون ذلك كالسجية فيهم إذا كبروا .

ووُجّه الخطاب إلى المؤمنين وجعلت صيغة الأمر موجهة إلى المماليك والصبيان على معنى : لتأمروا الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم أن يستأذنوا عليكم ، لأن على أرباب البيوت تأديب أتباعهم ، فلا يشكل توجيه الأمر إلى الذين لم يبلغوا الحلم .

وقوله : { الذين ملكت أيمانكم } يشمل الذكور والإناث لمالكيهم الذكور والإناث .

وأما مسألة النظر وتفصيلها في الكبير والصغير والذكر والأنثى فهي من علائق ستر العورة المفصلة في كتب الفقه . وقد تقدم شيء من ذلك عند قوله تعالى : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } إلى قوله : { على عورات النساء } [ النور : 31 ] فلا ينبغي التصدي بإيراد صورها في هذه الآية .

وتعيين الاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة لأنها أوقات خلوة الرجال والنساء وأوقات التعري من الثياب ، وهي أوقات نوم وكانوا غالباً ينامون مجردين من الثياب اجتزاء بالغطاء ، وقد سماها الله تعالى : { عورات } .

وما بعد صلاة العشاء هو الليل كله إلى حين الهبوب من النوم قبل الفجر . وانتصب { ثلاث مرات } على أنه مفعول مطلق ل { يستأذنكم } لأن مرات في قوة استئذانات .

وقوله : { من قبل صلاة الفجر } ظرف مستقر في محل نصب على البدل من { ثلاث مرات } بدل مفصل من مجمل . وحرف ( من ) مزيد للتأكيد .

وعطف عليه { وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء } . والظهيرة : وقت الظهر وهو انتصاف النهار .

وقوله : { ثلاث عورات } قرأه الجمهور مرفوعاً على أنه خبر مبتدإ محذوف أي هي ثلاث عورات ، أي أوقات ثلاث عورات . وحذف المسند إليه هنا مما اتبع فيه الاستعمال في كل إخبار عن شيء تقدم الحديث عنه .

و { لكم } متعلق ب { عورات } . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بالنصب على البدل من { ثلاث مرات } .

والعورة في الأصل : الخلل والنقص . وفيه قيل لمن فقدت عينه أعور وعورت عينه ، ومنه عورة الحي وهي الجهة غير الحصينة منه بحيث يمكن الدخول منها كالثغر ، قال لبيد :

وأجَنَّ عورات الثغور ظلامها

وقال تعالى : { يقولون إنّ بيوتنا عورة } [ الأحزاب : 13 ] ثم أطلقت على ما يكره انكشافه كما هنا وكما سمي ما لا يحب الإنسان كشفه من جسده عورة . وفي قوله : { ثلاث عورات لكم } نص على علة إيجاب الاستئذان فيها .

وقوله : { ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن } تصريح بمفهوم الظروف في قوله : { من قبل صلاة الفجر } وما عطف عليه ، أي بعد تلك الأوقات المحددة . فصلاة الفجر حد معلوم ، وحالة وضع الثياب من الظهيرة تحديد بالعرف ، وما بعد صلاة العشاء من الحصة التي تسع في العرف تصرفَ الناس في التهيؤ إلى النوم .

ولك أن تجعل ( بعدَ ) بمعنى ( دون ) ، أي في غير تلك الأوقات الثلاثة كقوله تعالى : { فمن يهديه من بعد الله } [ الجاثية : 23 ] ، وضمير { بعدهن } عائد إلى ثلاث عورات ، أي بعد تلك الأوقات .

ونفي الجناح عن المخاطبين في قوله : { ليس عليكم } بعد أن كان الكلام على استئذان المماليك والذين لم يبلغوا الحلم إيماء إلى لحن خطاب حاصل من قوله : { ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم } فإن الأمر باستئذان هؤلاء عليهم يقتضي أمر أهل البيت بالاستئذان على الذين ملكت أيمانهم إذا دعاهم داع إلى الدخول عليهم في تلك الأوقات كما يرشد السامعَ إليه قوله : { ثلاث عورات لكم } .

وإنما لم يصرح بأمر المخاطبين بأن يستأذنوا على الذين ملكت أيمانهم لندور دخول السادة على عبيدهم أو على غلمانهم إذ الشأن أنهم إذا دعتهم حاجة إليهم أن ينادوهم فأما إذا دعت الحاجة إلى الدخول عليهم فالحكم فيهم سواء . وقد أشار إلى العلة قوله تعالى : { طوافون عليكم بعضكم على بعض } .

وقوله : { طوافون عليكم } خبر مبتدأ محذوف تقديره : هم طوافون ، يعود على { الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم } .

والكلام استئناف بياني ، أي إنما رفع الجناح عليهم وعليكم في الدخول بدون استئذان بعد تلك الأوقات الثلاثة لأنهم طوافون عليكم فلو وجب أن يستأذنوا كان ذلك حرجاً عليهم وعليكم .

وفي الكلام اكتفاء . تقديره : وأنتم طوافون عليهم دل عليه قوله : { ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن } وقوله عقبه : { بعضكم على بعض } .

و { بعضكم على بعض } جملة مستأنفة أيضاً . ويجعل { بعضكم } مبتدأ ، ويتعلق قوله : { على بعض } بحبر محذوف تقديره : طواف على بعض . وحذف الخبر وبقي المتعلق به وهو كون خاص حذف لدلالة { طوافون } عليه . والتقدير : بعضكم طواف على بعض . ولا يحسن من جعل { بعضكم على بعض } بدلاً من الواو في { طوافون عليكم } لأنه عائد إلى { الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم } فلا يحسن أن يبدل منه بعض المخاطبين وهم ليسوا من الفريقين إلا بتقدير .

وقوله : { كذلك يبين الله لكم الآيات } أي مثل ذلك البيان الذي طرق أسماعكم يبين الله لكم الآيات ، فبيانه بالغ الغاية في الكمال حتى لو أريد تشبيهه لما شبّه إلا بنفسه . وقد تقدم عند قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } في سورة البقرة ( 143 ) .

والتعريف في { الآيات } تعريف الجنس . والمراد بالآيات القرآن فإن ما يقع فيه إجمال منها يبين بآيات أخرى ، فالآيات التي أولها { يا أيها الذين آمنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم } جاءت بياناً لآيات { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم } [ النور : 27 ] .

وجملة : { والله عليم حكيم } معترضة . والمعنى : يبين الله لكم الآيات بياناً كاملاً وهو عليم حكيم ، فبيانه بالغ غاية الكمال لا محالة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّـٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّـٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (58)

58

( يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ؛ ثلاث مرات : من قبل صلاة الفجر ، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ، ومن بعد صلاة العشاء . ثلاث عورات لكم . ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن . طوافون عليكم بعضكم على بعض . كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ) . .

لقد سبقت في السورة أحكام الاستئذان على البيوت . وهنا يبين أحكام الاستئذان في داخل البيوت .

فالخدم من الرقيق ، والأطفال المميزون الذين لم يبلغوا الحلم يدخلون بلا استئذان . إلا في ثلاثة أوقات تنكشف فيها العورات عادة ، فهم يستأذنون فيها . هذه الأوقات هي : الوقت قبل صلاة الفجر حيث يكون الناس في ثياب النوم عادة أو أنهم يغيرونها ويلبسون ثياب الخروج . ووقت الظهيرة عند القيلولة ، حيث يخلعون ملابسهم في العادة ويرتدون ثياب النوم للراحة . وبعد صلاة العشاء حين يخلعون ملابسهم كذلك ويرتدون ثياب الليل . .

وسماها( عورات )لانكشاف العورات فيها . وفي هذه الأوقات الثلاثة لا بد أن يستأذن الخدم ، وأن يستأذن الصغار المميزون الذين لم يبلغوا الحلم ، كي لا تقع أنظارهم على عورات أهليهم . وهو أدب يغفله الكثيرون في حياتهم المنزلية ، مستهينين بآثاره النفسية والعصبية والخلقية ، ظانين أن الخدم لا تمتد أعينهم إلى عورات السادة ! وأن الصغار قبل البلوغ لا ينتبهون لهذه المناظر . بينما يقرر النفسيون اليوم - بعد تقدم العلوم النفسية - أن بعض المشاهد التي تقع عليها أنظار الأطفال في صغرهم هي التي تؤثر في حياتهم كلها ؛ وقد تصيبهم بأمراض نفسية وعصبية يصعب شفاؤهم منها .

والعليم الخبير يؤدب المؤمنين بهذه الآداب ؛ وهو يريد أن يبني أمة سليمة الأعصاب ، سليمة الصدور ، مهذبة المشاعر ، طاهرة القلوب ، نظيفة التصورات .

ويخصص هذه الأوقات الثلاثة دون غيرها لأنها مظنة انكشاف العورات . ولا يجعل استئذان الخدم و الصغار في كل حين منعا للحرج . فهم كثيرو الدخول والخروج على أهليهم بحكم صغر سنهم أو قيامهم بالخدمة : ( طوافون عليكم بعضكم على بعض ) . . وبذلك يجمع بين الحرص على عدم انكشاف العورات ، وإزالة الحرج والمشقة لو حتم أن يستأذنوا كما يستأذن الكبار .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّـٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّـٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} (58)

فيه ثمان{[12053]} مسائل :

الأولى-قال العلماء ، هذه الآية خاصة والتي قبلها عامة ؛ لأنه قال : " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها " [ النور : 27 ] ثم خص هنا فقال : " ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم " فخص في هذه الآية بعض المستأذنين ، وكذلك أيضا يتأول القول في الأولى في جميع الأوقات عموما . وخص في هذه الآية بعض الأوقات ، فلا يدخل فيها عبد ولا أمة ، وغْداً كان أو ذا منظر إلا بعد الاستئذان . قال مقاتل : نزلت في أسماء بنت مرثد ، دخل عليها غلام لها كبير ، فاشتكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت عليه الآية . وقيل : سبب نزولها دخول مدلج على عمر ، وسيأتي .

الثانية-اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى " ليستأذنكم " على ستة أقوال

الأول : أنها منسوخة ، قاله ابن المسيب وابن جبير .

الثاني : أنها ندب غير واجبة ، قاله أبو قلابة ، قال : إنما أمروا بهذا نظرا لهم .

الثالث : عنى بها النساء ، قاله أبو عبد الرحمن السلمي .

الرابع : وقال ابن عمر : هي في الرجال دون النساء .

الخامس : كان ذلك واجبا ، إذ كانوا لا غلق لهم ولا أبواب ، ولو عاد الحال لعاد الوجوب حكاه المهدوي عن ابن عباس .

السادس : أنها محكمة واجبة ثابتة على الرجال والنساء ، وهو قول أكثر أهل العلم ، منهم القاسم وجابر بن زيد والشعبي . وأضعفها قول السلمي لأن " الذين " لا يكون للنساء في كلام العرب ، إنما يكون للنساء - اللاتي واللواتي - وقول ابن عمر يستحسنه أهل النظر ؛ لأن " الذين " للرجال في كلام العرب ، وإن كان يجوز أن يدخل معهم النساء فإنما يقع ذلك بدليل ، والكلام على ظاهره ، غير أن في إسناده ليث بن أبي سليم{[12054]} . وأما قول ابن عباس فروى أبو داود عن عبيدالله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول : آية لم يؤمر بها أكثر الناس آية الاستئذان وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي . قال أبو داود : وكذلك رواه عطاء عن ابن عباس " يأمر به " . وروى عكرمة أن نفرا من أهل العراق قالوا : يا ابن عباس ، كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا ولا يعمل بها أحد{[12055]} ، قول الله عز وجل " يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم " . قال أبو داود : قرأ القعنبي إلى " عليم حكيم " قال ابن عباس : إن الله حليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر ، وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال{[12056]} ، فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل والرجل على أهله ، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات ، فجاءهم الله بالستور والخير ، فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد .

قلت : هذا متن حسن ، وهو يرد قول سعيد وابن جبير ، فإنه ليس فيه دليل على نسخ الآية ، ولكن على أنها كانت على حال ثم زالت ، فإن كان مثل ذلك الحال فحكمها قائم كما كان ، بل حكمها لليوم ثابت في كثير من مساكن المسلمين في البوادي والصحارى ونحوها . وروى وكيع عن سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن الشعبي " يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم " قال : ليست بمنسوخة .

قلت : إن الناس لا يعملون بها ، قال : الله عز وجل المستعان .

الثالثة-قال بعض أهل العلم : إن الاستئذان ثلاثا مأخوذ من قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات " قال يزيد{[12057]} : ثلاث دفعات . قال : فورد القرآن في المماليك والصبيان ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجميع . قال ابن عبد البر : ما قاله من هذا وإن كان له وجه فإنه غير معروف عن العلماء في تفسير الآية التي نزع بها ، والذي عليه جمهورهم في قوله " ثلاث مرات " أي في ثلاث أوقات . ويدل على صحة هذا القول ذكره فيها " من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء " .

الرابعة-أدب الله عز وجل عباده في هذه الآية بأن يكون العبيد إذ لا بال لهم ، والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم إلا أنهم عقلوا معاني الكشفة ونحوها ، يستأذنون على أهليهم في هذه الأوقات الثلاثة ، وهي الأوقات التي تقتضي عادة الناس الانكشاف فيها وملازمة التعري . فما قبل الفجر وقت انتهاء النوم ووقت الخروج من ثياب النوم ولبس ثياب النهار . ووقت القائلة وقت التجرد أيضا وهي الظهيرة ؛ لأن النهار يظهر فيها إذا علا شعاعه واشتد حره . وبعد صلاة العشاء وقت التعري للنوم ، فالتكشف غالب في هذه الأوقات . يروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاما من الأنصار يقال له : مدلج إلى عمر بن الخطاب ظهيرة ليدعوه ، فوجده نائما قد أغلق عليه الباب ، فدق عليه الغلام الباب فناداه ، ودخل ، فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شيء ، فقال عمر : وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعات إلا بإذن ، ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد أنزلت ، فخر ساجدا شكرا لله . وهي مكية .

الخامسة-قوله تعالى : " والذين لم يبلغوا الحلم منكم " أي الذين لم يحتلموا من أحراركم ، قاله مجاهد . وذكر إسماعيل بن إسحاق كان{[12058]} يقول : ليستأذنكم الذين لم يبلغوا الحلم مما ملكت أيمانكم ، على التقديم والتأخير ، وأن الآية في الإماء . وقرأ الجمهور بضم اللام ، وسكنها الحسن بن أبي الحسن لثقل الضمة ، وكان أبو عمرو يستحسنها . و " ثلاث مرات " نصب على الظرف ؛ لأنهم لم يؤمروا بالاستئذان ثلاثا ، إنما أمروا بالاستئذان في ثلاثة مواطن ، والظرفية في " ثلاث " بينة : من قبل صلاة الفجر ، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ، ومن صلاة العشاء . وقد مضى معناه . ولا يجب أن يستأذن ثلاث مرات في كل وقت . " ثلاث عورات لكم " قرأ جمهور السبعة " ثلاث عورات " برفع " ثلاث " . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم " ثلاث " بالنصب على البدل من الظرف في قوله " ثلاث مرات " . قال أبو حاتم : النصب ضعيف مردود . وقال الفراء : الرفع أحب إلي . قال : وإنما اخترت الرفع لأن المعنى : هذه الخصال ثلاث عورات . والرفع عند الكسائي بالابتداء ، والخبر عنده ما بعده ، ولم يقل بالعائد ، وقال نصا بالابتداء . قال : والعورات الساعات التي تكون فيها العورة ، إلا أنه قرأ بالنصب ، والنصب فيه قولان : أحدهما : أنه مردود على قوله " ثلاث مرات " ، ولهذا استبعده الفراء . وقال الزجاج : المعنى ليستأذنكم أوقات ثلاث عورات ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . و " عورات " جمع عورة ، وبابه في الصحيح أن يجيء على فعلات ( بفتح العين ) كجفنة وجفنات ، ونحو ذلك ، وسكنوا العين في المعتل كبيضة وبيضات ؛ لأن فتحه داع إلى اعتلاله فلم يفتح لذلك ، فأما قول الشاعر :

أبو بَيَضَاتٍ رائحٌ مُتَأَوِّبٌ *** رَفِيقٌ بمسح المُنْكِبِينَ سَبُوحُ{[12059]}

فشاذ .

السادسة-قوله تعالى : " ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن " أي في الدخول من غير أن يستأذنوا وإن كنتم متبذلين . " طوافون " بمعنى هم طوافون . قال الفراء : كقولك في الكلام إنما هم خدمكم وطوافون عليكم . وأجاز الفراء نصب " طوافين " لأنه نكرة ، والمضمر في " عليكم " معرفة . ولا يجيز البصريون أن يكون حالا من المضمرين اللذين في " عليكم " وفي " بعضكم " لاختلاف العاملين . ولا يجوز مررت يزيد ونزلت على عمرو العاقلين ، على النعت لهما . فمعنى " طوافون عليكم " أي يطوفون عليكم وتطوفون عليهم ، ومنه الحديث في الهرة ( إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات{[12060]} ) . فمنع في الثلاث العورات من دخولهم علينا ؛ لأن حقيقة العورة كل شيء لا مانع دونه ، ومنه قوله " إن بيوتنا عورة " {[12061]}[ الأحزاب : 13 ] أي سهلة للمدخل ، فبين العلة الموجبة للإذن ، وهي الخلوة في حال العورة ، فتعين امتثاله وتعذر نسخه . ثم رفع الجناح بقوله : " ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض " أي يطوف بعضكم على بعض . " كذلك يبين الله لكم الآيات " الكاف في موضع نصب ، أي يبين الله لكم آياته الدالة على متعبداته بيانا مثل ما يبين لكم هذه الأشياء . " والله عليم حكيم " تقدم{[12062]} .

السابعة-قوله تعالى : " ومن بعد صلاة العشاء " يريد العتمة . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى يقول : ( لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل ) . وفي رواية ( فإنها في كتاب الله العشاء وإنها تعتم بحلاب الإبل ) . وفي البخاري عن أبي برزة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء . وقال أنس : أخر النبي صلى الله عليه وسلم العشاء . وهذا يدل على العشاء الأولى . وفي الصحيح : فصلاها ، يعني العصر بين العشاءين المغرب والعشاء . وفي الموطأ وغيره : ( ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا ) . وفي مسلم عن جابر بن سمرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الصلوات نحوا من صلاتكم ، وكان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئا ، وكان يخف الصلاة . وقال القاضي أبو بكر بن العربي : وهذه أخبار متعارضة ، لا يعلم منها الأول من الآخر بالتاريخ ، ونهيه عليه السلام عن تسمية المغرب عشاء وعن تسمية العشاء عتمة ثابت ، فلا مرد له من أقوال الصحابة فضلا عمن عداهم . وقد كان ابن عمر يقول : من قال صلاة العتمة فقد أثم . وقال ابن القاسم قال مالك : " ومن بعد صلاة العشاء " فالله سماها صلاة العشاء فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن تسمي بما سماها الله تعالى به ويعلمها الإنسان أهله وولده ، ولا يقال عتمة إلا عند خطاب من لا يفهم وقد قال حسان[ بن ثابت ]{[12063]} :

وكانت لا يزال بها أنيس *** خلال مُرُوجها نَعَمٌ وشَاءُ

فدع هذا ولكن مَنْ لِطَيفٍ *** يؤرِّقُنِي إذا ذهب العشاءُ

وقد قيل : إن هذا النهي عن اتباع الأعراب في تسميتهم العشاء عتمة ، إنما كان لئلا يعدل بها عما سماها الله تعالى في كتابه إذ قال : " ومن بعد صلاة العشاء " ؛ فكأنه نهيُ إرشاد إلى ما هو الأولى ، وليس على جهة التحريم ، ولا على أن تسميتها العتمة لا يجوز . ألا ترى أنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أطلق عليها ذلك ، وقد أباح تسميتها بذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما . وقيل : إنما نهى عن ذلك تنزيها لهذه العبادة الشريفة الدينية عن أن يطلق عليها ما هو اسم لفعلة دنيوية ، وهي الحلبة التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت ويسمونها العتمة ، ويشهد لهذا قوله : ( فإنها تعتم بحلاب الإبل ) .

الثامنة-روى ابن ماجه في سننه حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمارة بن غزية عن أنس بن مالك عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : ( من صلى في جماعة أربعين ليلة لا تفوته الركعة الأولى من صلاة العشاء كتب الله بها عتقا من النار ) . وفي صحيح مسلم عن عثمان بن عفان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله ) . وروى الدارقطني في سننه عن سبيع أو تبيع عن كعب قال : من توضأ فأحسن الوضوء وصلى العشاء الآخرة وصلى بعدها أربع ركعات فأتم ركوعهن وسجودهن ويعلم ما يقترئ{[12064]} فيهن كن له بمنزلة ليلة القدر .


[12053]:كذا في ك. وهو الموجود.
[12054]:في تهذيب التهذيب: "قال ابن حبان اختلط في آخر عمره، فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم. وقال البزار: كان أحد العباد، إلا أنه أصابه اختلاط فاضطرب حديثه...إلخ"
[12055]:زيادة عن سنن أبي داود. في ك: ولا نعمل بها.
[12056]:الحجال: جمع الحجلة (بالتحريك) وهو بيت كالقبة يستر بالثياب ويكون له أزرار كبار.
[12057]:كذا في ب. وفي ك وج و ا: يزيد. ولا وجه له.
[12058]:كذا في نسخ الأصل، وظاهر أن في العبارة سقطا.
[12059]:كذا في اللسان مادة "بيض". والذي في نسخ الأصل. أبو بيضات رائح أو مغتد*** عجلان ذا زاد وغير مزوّد وهذا البيت للنابغة الذبياني، وصواب إنشاده: أمن آل مية رائح أو مغتد*... ... ... إلخ.
[12060]:قوله: "أو الطوافات" يحتمل أن يكون على معنى الشك من الراوي. ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك، يريد أن هذا الحيوان لا يخلو أن يكون من جملة الذكور الطوافين أو الإناث الطوافات (عن الباجي).
[12061]:راجع ج 14 ص 147.
[12062]:راجع ج 1 ص 187.
[12063]:من ك.
[12064]:يقترئ بمعنى يقرأ.