التحرير والتنوير لابن عاشور - ابن عاشور [إخفاء]  
{وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} (34)

هذا سؤال صريح يدل على أن موسى لا يريد بالأول التنصل من التبليغ ولكنه أراد تأييده بأخيه . وإنما عيّنه ولم يسأل مؤيداً ما لعلمه بأمانته وإخلاصه لله ولأخيه وعلمه بفصاحة لسانه .

و { ردى } بالتخفيف مثل ( ردء ) بالهمز في آخره : العون . قرأه نافع وأبو جعفر { ردى } مخففاً . وقرأه الباقون { ردءاً } بالهمز على الأصل .

و { يصدقني } قرأه الجمهور مجزوماً في جواب الطلب بقوله { فأرسله معي } . وقرأه عاصم وحمزة بالرفع على أن الجملة حال من الهاء من { أرسله } .

ومعنى تصديقه إياه أن يكون سبباً في تصديق فرعون وملئه إياه بإبانته عن الأدلة التي يلقيها موسى في مقام مجادلة فرعون كما يقتضيه قوله { هو أفصح مني لساناً فأرسله معي ردى يصدقني } . فإنه فرع طلب إرساله معه على كونه أفصح لساناً وجعل تصديقه جواب ذلك الطلب أو حالاً من المطلوب فهو تفريع على تفريع ، فلا جرم أن يكون معناه مناسباً لمعنى المفرع عنه وهو أنه أفصح لساناً . وليس للفصاحة أثر في التصديق إلا بهذا المعنى .

وليس التصديق أن يقول لهم : صدق موسى ، لأن ذلك يستوي فيه الفصيح وذو الفهاهة . فإسناد التصديق إلى هارون مجاز عقلي لأنه سببه ، والمصدقون حقيقة هم الذين يحصل لهم العلم بأن موسى صادق فيما جاء به .

وجملة { إني أخاف أن يكذبون } تعليل لسؤال تأييده بهارون ، فهذه مخافة ثانية من التكذيب ، والأولى مخافة من القتل .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} (34)

29

( وأخي هارون هو أفصح مني لسانا ، فأرسله معي ردءا يصدقني ، إني أخاف أن يكذبون ) .

إن هارون أفصح لسانا فهو أقدر على المنافحة عن الدعوة . وهو ردء له معين ، يقوي دعواه ، ويخلفه إن قتلوه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} (34)

قوله تعالى : " فأرسله معي ردءا " يعني معينا مشتق من أردأته أي أعنته والردء العون قال الشاعر :

ألم تر أنَّ أصْرَمَ كان رِدْئِي *** وخيرُ الناس في قُلٍّ ومَالِ

النحاس : وقد أردأه ورداه أي أعانه ، وترك همزه تخفيفا . وبه قرأ نافع : وهو بمعنى المهموز . قال المهدوي : ويجوز أن يكون ترك الهمز من قولهم أردى على المائة أي زاد عليها ، وكأن المعنى أرسله معي زيادة في تصديقي قاله مسلم بن جندب . وأنشد قول الشاعر :

وأسْمَرَ خَطِّيًّا كأنَّ كُعُوبَهُ *** نوى القَسْبِ قد أرْدَى ذِرَاعًا على العَشْرِ

كذا أنشد الماوردي هذا البيت : قد أردى . وأنشده الغزنوي والجوهري في الصحاح قد أرمى{[12370]} . قال : والقسب الصلب ، والقسب تمر يابس يتفتت في الفم صلب النواة . قال يصف رمحا : وأسمر البيت . قال الجوهري : ردؤ الشيء يردؤ رداءة فهو رديء أي فاسد ، وأردأته أفسدته ، وأردأته أيضا يعني أعنته . تقول : أردأته بنفسي أي كنت له ردءا . وهو العون قال الله تعالى : " فأرسله معي رداء يصدقني " . قال النحاس : وقد حكى ردأته : ردءا وجمع ردء أرداة وقرأ عاصم وحمزة : " يصدقني " بالرفع وجزم الباقون . وهو اختيار أبي حاتم على جواب الدعاء واختار الرفع أبو عبيد على الحال من الهاء في " أرسله " أي أرسله ردءا مصدقا حالة التصديق . كقوله : " أنزل علينا مائدة من السماء تكون " [ المائدة : 114 ] أي كائنة ، حال صرف إلى الاستقبال . ويجوز أن يكون صفة لقوله : " ردءا " " إني أخاف أن يكذبون " إذا لم يكن لي وزير ولا معين ؛ لأنهم لا يكادون يفقهون عني .


[12370]:أرمى وأرى لغتان.