اسم { أهل الكتاب } لقب في القرآن لليهود والنصارى الذين لم يتديّنوا بالإِسلام لأن المراد بالكتاب التوراة والإِنجيل إذا أضيف إليه ( أهل ) ، فلا يطلق على المسلمين : أهل الكتاب ، وإن كان لهم كتاب ، فمن صار مسلماً من اليهود والنصارى لا يوصف بأنه من أهل الكتاب في اصطلاح القرآن ، ولذلك لما وصف عبد الله بن سلام في القرآن وصف بقوله : { ومن عنده علم الكتاب } [ الرعد : 43 ] وقوله : { وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله } [ الأحقاف : 10 ] ، فلما كان المتحدث عنهم آنفاً صاروا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد انسلخ عنهم وصف أهل الكتاب ، فبقي الوصف بذلك خاصاً باليهود والنصارى ، فلما دعا الله الذين اتبعوا المسيح إلى الإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ووعدهم بمضاعفة ثواب ذلك الإِيمان ، أعلمهم أن إيمانهم يُبطل ما ينتحلُه أتباع المسيحية بعد ذلك من الفضل والشرف لأنفسهم بدوامهم على متابعة عيسى عليه السلام فيغالطوا الناس بأنهم إن فاتهم فضل الإِسلام لم يفتهم شيء من الفضل باتباع عيسى مع كونهم لم يغيروا دينهم .
وقد أفاد هذا المعنى قوله تعالى : { لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله } .
قال الفخر : قال الواحدي : هذه آية مشكلة وليس للمفسرين كلام واضح في اتصالها بما قبلها اهـ أي هل هي متصلة بقوله : { يؤتكم كفلين من رحمته } [ الحديد : 28 ] الآية ، أو متصلة { فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم } إلى قوله : { والله ذو الفضل غفور رحيم } [ الحديد : 27 ، 28 ] . يريد الواحدي أن اتصال الآية بما قبلها ينبني عليه معنى قوله تعالى : { لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله } .
فاللام في قوله : { لئلا يعلم أهل الكتاب } يحتمل أن تكون تعليلية فيكون ما بعدها معلولاً بما قبلها ، وعليه فحرف ( لا ) يجوز أن يكون زائداً للتأكيد والتقوية .
والمعلَّل هو ما يرجع إلى فضل الله لا محالة وذلك ما تضمنه قوله : { يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم } أو قوله : { فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم إلى غفور رحيم } [ الحديد : 27 ، 28 ] .
وذهب جمهور المفسرين إلى جعل ( لا ) زائدة . وأن المعنى على الإِثبات ، أي لأن يعلم ، وهو قول ابن عباس وقرأ { ليعلم } ، وقرأ أيضاً { لكي يعلم } ( وقراءته تفسير ) . وهذا قول الفرّاء والأخفش ، ودرج عليه الزمخشري في « الكشاف » وابن عطية وابن هشام في « مغني اللبيب » ، وهو بناء على أن ( لا ) قد تقع زائدة وهو ما أثبته الأخفش ، ومنه قوله تعالى : { ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعني } [ طه : 92 ، 93 ] وقوله : { ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك } [ الأعراف : 12 ] وقوله : { فلا أقسم بمواقع النجوم } [ الواقعة : 75 ] ونحو ذلك وقوله : { وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون } [ الأنبياء : 95 ] على أحد تأويلات ، وروي أن العرب جعلتها حشواً في قول الشاعر أنشده أبو عمرو بن العلاء :
أَبَى جُودُه لا البخلَ واستعجلت به *** « نعم » من فتى لا يمنع الجود قائلُه
في رواية بنصب ( البخل ) ، البخل وأن العرب فسروا البيتَ بمعنى أبَى جودُه البخلَ{[413]} .
والمعنى : على هذا الوجه أن المعلَّل هو تبليغ هذا الخبر إلى أهل الكتاب ليعلموا أن فضل الله أُعطيَ غيرهم فلا يتبجحوا بأنهم على فضل لا ينقص عن فضل غيرهم إذا كان لغيرهم فضل وهو الموافق لتفسير مجاهد وقتادة .
وعندي : أنه لا يعطي معنى لأن إخبار القرآن بأن للمسلمين أجرين لا يصدِّق به أهل الكتاب فلا يستقر به علمهم بأنهم لا فضل لهم فكيف يعلل إخبار الله به بأنه يُزيل علم أهل الكتاب بفضل أنفسهم فيعلمون أنهم لا فضل لهم .
وذهب أبو مسلم الأصفهاني وتبعه جماعة إلى أن ( لا ) نافية ، وقرره الفخر بأن ضمير { يقدرون } عائد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا به ( أي على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة وأصله أن لا تقدروا ) وإذا انتفى علم أهل الكتاب بأن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين لا يقدرون على شيء من فضل الله ثبت ضد ذلك في علمهم أي كيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين يقدرون على فضل الله ، ويكون { يقدرون } مستعاراً لمعنى : ينالون ، وأن الفضل بيد الله ، فهو الذي فضلهم ، ويكون ذلك كناية عن انتفاء الفضل عن أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم .
ويرد على هذا التفسير ما ورد على الذي قبله لأن علم أهل الكتاب لا يحصل بإخبار القرآن لأنهم يكذبون به .
وأنا أرى أن دعوى زيادة ( لا ) لا داعي إليها ، وأن بقاءها على أصل معناها وهو النفي متعينّ ، وتجعل اللام للعاقبة ، أي أعطيناكم هذا الفضل وحرم منه أهل الكتاب ، فبقي أهل الكتاب في جهلهم وغرورهم بأن لهم الفضل المستمر ولا يحصل لهم علم بانتفاء أن يكونوا يملكون فضل الله ولا أن الله قد أعطى الفضل قوماً آخرين وحَرمَهَم إيّاه فينسون أن الفضل بيد الله ، وليس أحد يستحقه بالذات .
وبهذا الغرور استمروا على التمسك بدينهم القديم ، ومعلوم أن لام العاقبة أصلها التعليل المجازي كما علمته في تفسير قوله تعالى : { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً } في سورة [ القصص : 8 ] .
وقوله : { أهل الكتاب } يجوز أن يكون صادقاً على اليهود خاصة إن جعل التعليل تعليلاً لمجموع قوله : { فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم } [ الحديد : 27 ] وقوله : { يؤتكم كفلين من رحمته } [ الحديد : 28 ] .
ويجوز أن يكون صادقاً على اليهود والنصارى إن جعل لام التعليل علة لقوله : { يؤتكم كفلين من رحمته } .
و ( أن ) من قوله : { أن لا يقدرون } مخفّفة من ( أنَّ ) واسمها ضمير شأن محذوف .
والمعنى : لا تكترثوا بعدم علم أهل الكتاب بأنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله وبأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ، أي لا تكترثوا بجهلهم المركب في استمرارهم على الاغترار بأن لهم منزلة عند الله تعالى فإن الله عالم بذلك وهو خلقهم فهم لا يقلعون عنه ، وهذا مثل قوله تعالى : { ختم الله على قلوبهم } في سورة [ البقرة : 7 ] .
وجملة { والله ذو الفضل العظيم } تذييل يعمّ الفضلَ الذي آتاه الله أهل الكتاب المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم وغيرَه من الفضل .
( لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله . وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ) . . فقد كان أهل الكتاب يزعمون أنهم شعب الله المختار ، وأنهم أبناء الله وأحباؤه : ( وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ) . . ( وقالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) . . فالله يدعو الذين آمنوا إلى استحقاق رحمته وجنته وهبته ومغفرته حتى يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على احتجاز شيء من فضله ، وأن الفضل بيده يؤتيه من يشاء ، غير مقصور على قوم ، ولا محجوز لطائفة ، ولا محدود ولا قليل : ( والله ذو الفضل العظيم ) . .
وهي دعوة فيها تحضيض واستجاشة واستشارة للسباق إلى الجنة والرحمة . تختم بها السورة ختاما يتناسق مع سياقها كله ، ومع الهتاف المكرر فيها لهذه القلوب كي تحقق إيمانها وتخشع لربها وتستجيب لتكاليف الإيمان في الأموال والأرواح . في تجرد وإخلاص .
وبعد فهذه السورة نموذج من النماذج القرآنية الواضحة في خطاب القلوب البشرية ، واستجاشتها بأسلوب عميق التأثير . وهي في بدئها وسياقها وختامها ؛ وفي إيقاعاتها وصورها وظلالها ؛ وفي طريقة تناولها للموضوع وسيرها فيه جولة بعد جولة ، وشوطا بعد شوط . . هي في هذا كله درس بديع لأصحاب هذه الدعوة ، يعلمهم كيف يخاطبون الناس ، وكيف يوقظون الفطرة ، وكيف يستحيون القلوب !
إنها درس رباني من صانع القلوب ، ومنزل القرآن ، وخالق كل شيء بقدر . وفي هذه المدرسة الإلهية يتخرج الدعاة المستجابون الموفقون . . .
قوله تعالى : " لئلا يعلم أهل الكتاب " أي ليعلم ، و " أن لا " صلة زائدة مؤكدة ، قاله الأخفش . وقال الفراء : معناه لأن يعلم و " لا " صلة زائدة في كل كلام دخل عليه جحد . قال قتادة : حسد أهل الكتاب المسلمين فنزلت : " لئلا يعلم أهل الكتاب " أي لأن يعلم أهل الكتاب أنهم " لا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله " وقال مجاهد : قالت اليهود يوشك أن يخرج منا نبي يقطع الأيدي والأرجل . فلما خرج من العرب كفروا فنزلت : " لئلا يعلم " أي ليعلم أهل الكتاب " أن لا يقدرون " أي أنهم يقدرون ، كقوله تعالى : " ألا يرجع إليهم قولا{[14738]} " [ طه : 89 ] . وعن الحسن : " ليلا يعلم أهل الكتاب " وروي ذلك عن ابن مجاهد . وروى قطرب بكسر اللام وإسكان الياء{[14739]} . وفتح لام الجر لغة معروفة . ووجه إسكان الياء أن همزة " أن " حذفت فصارت " لن " فأدغمت النون في اللام فصار " للا " فلما اجتمعت اللامات أبدلت الوسطى منها ياء ، كما قالوا في أما : أيما . وكذلك القول في قراءة من قرأ " ليلا " بكسر اللام إلا أنه أبقى اللام على اللغة المشهورة فيها فهو أقوى من هذه الجهة . وعن ابن مسعود " لكيلا يعلم " وعن حطان بن عبدالله " لأن يعلم " . وعن عكرمة " ليعلم " وهو خلاف المرسوم . " من فضل الله " قيل : الإسلام . وقيل : الثواب . وقال الكلبي : من رزق الله . وقيل : نعم الله التي لا تحصى . " وأن الفضل بيد الله " ليس بأيديهم فيصرفون النبوة عن محمد صلى الله عليه وسلم إلى من يحبون . وقيل : " وأن الفضل بيد الله " أي هو له " يؤتيه من يشاء " وفي البخاري : حدثنا الحكم بن نافع ، قال حدثنا شعيب عن الزهري ، قال أخبرني سالم بن عبدالله ، أن عبدالله بن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو قائم على المنبر : ( إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس أعطي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى انتصف النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ، ثم أعطي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ، ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى غروب الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين ، قال أهل التوراة : ربنا هؤلاء أقل عملا وأكثر أجرا قال هل ظلمتكم من أجركم من شيء ؟ قالوا : لا ، فقال فذلك فضلي أوتيه من أشاء ) في رواية : ( فغضبت اليهود والنصارى وقالوا ربنا . . . ) الحديث . " والله ذو الفضل العظيم " . [ تم تفسير سورة الحديد " والحمد لله ]{[14740]} .