قوله تعالى : { لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله } ، وذلك أن وفد نجران قالوا : يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول : إنه عبد الله ورسوله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنه ليس بعار لعيسى عليه السلام أن يكون عبداً لله ، فنزل : { لن يستنكف المسيح } لن يأنف ولن يتعظم ، والاستنكاف : التكبر مع الأنفة .
قوله تعالى : { ولا الملائكة المقربون } ، وهم حملة العرش ، لا يأنفون أن يكونوا عبيداً لله ، ويستدل بهذه الآية من يقول بتفضيل الملائكة على البشر ، لأن الله تعالى ارتقى من عيسى إلى الملائكة ، ولا يرتقى إلا إلى الأعلى ، لا يقال : لا يستنكف فلان من كذا ، ولا عبده ، إنما يقال : فلان لا يستنكف من هذا ولا مولاه ، ولا حجة لهم فيه ، لأنه لم يقل ذلك رفعاً لمقامهم على مقام البشر ، بل رداً على الذين يقولون الملائكة آلهة ، كما رد على النصارى قولهم المسيح ابن الله ، وقال رداً على النصارى بزعمهم ، فإنهم يقولون بتفضيل الملائكة .
قوله تعالى :{ ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً } قيل :الاستنكاف هو التكبر مع الأنفة ، والاستكبار هو العلو والتكبر عن غير أنفة .
ولما كان الوكيل من يقوم مقام الموكل ، ويفعل ما يعجز عنه الموكل ، وكان الله{[23978]} تعالى لا يعجزه شيء ، ولا يحتاج إلى شيء ، وكان عيسى عليه الصلاة السلام لا يدّعي القدرة على شيء إلا بالله ، وكان يحتاج إلى النوم وإلى الأكل والشرب وإلى{[23979]} ما يستلزمانه ، صح أنه عبد الله فقال سبحانه دالاً على ذلك : { لن يستنكف } أي يطلب ويريد أن يمتنع ويأبى{[23980]} ويستحي{[23981]} ويأنف ويستكبر { المسيح } أي الذي ادعوا{[23982]} فيه الإلهية ، وأنفوا له من العبودية لكونه خلق من غير ذكر ، ولكونه أيضاً يخبر ببعض{[23983]} المغيبات ، ويحيي بعض الأموات ، ويأتي بخوارق العادات { أن } أي من أن { يكون عبداً لله } أي الملك الأعظم الذي عيسى عليه الصلاة والسلام من جملة مخلوقاته ، فإنه من جنس البشر في الجملة وإن كان خلقه خارقاً لعادة البشر { ولا الملائكة } أي الذين{[23984]} هم أعجب خلقاً منه في كونهم ليسوا من ذكر ولا أنثى ولا ما يجانس عنصر البشر ، فكانوا لذلك أعجب خلقاً{[23985]} من آدم عليه الصلاة والسلام أيضاً ، وهم لا يستنكفون بذلك عن أن يكونوا عباد الله .
ولما كان التقريب مقتضياً في الأغلب للاستحقاق ، وكان صفة عامة للملائكة{[23986]} قال : { المقربون } أي الذين هم في حضرة القدس{[23987]} ، فهم أجدر بعلم المغيبات وإظهار الكرامات ، وجبرئيل الذي هو أحدهم كان سبباً في حياة عيسى عليه الصلاة والسلام ، وقد ادعى بعض الناس فيهم الإلهية أيضاً ، وبهذا طاح استدلال المعتزلة بهذه الآية على أفضلية الملك على البشر بأن العادة في مثل هذا السياق{[23988]} الترقي من الأدنى إلى الأعلى بعد تسليم مدعاهم ، لكن في الخلق لا في المخلوق .
ولما أخبر تعالى عن خلّص عباده بالتشرف بعبوديته أخبر عمن يأبى ذلك ، فقال مهدداً محذراً موعداً : { ومن يستنكف } أي من الموجودات كلهم { عن عبادته{[23989]} } ولما كان الاستنكاف قد يكون بمعنى مجرد{[23990]} الامتناع لا كبراً ، قال مبيناً للمراد من معناه هنا : { ويستكبر } أي يطلب الكبر عن ذلك ويوجده{[23991]} ، لأن مجرد الامتناع لا يستلزمه .
ولما كان الحشر عاماً للمستكبر وغيره كان الضمير في { فسيحشرهم } عائداً على العباد المشار إليهم بعبداً وعبادته ، ولا يستحسن{[23992]} عوده على " مَنْ " لأن التفصيل يأباه ، والتقدير حينئذ : فسيذلهم لأنه سيحشر العباد { إليه جميعاً * } أي المستكبرين وغيرهم بوعد لا خلف فيه لأن الكل يموتون ، ومن مات كان مخلوقاً محدثاً قطعاً ، ومن كان مقدوراً على ابتدائه وإفنائه كانت القدرة على إعادته أولى ، والحشر : الجمع بكره .
قوله تعالى : ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ) .
يستنكف من الفعل نكف ومعناه عدل وامتنع . والاستنكاف أو النكف يعني الأنفة والعدول والامتناع والانقطاع ، والانتكاف هو الخروج والميل{[862]} . والآية تعني أن المسيح عليه الصلاة والسلام لن يأنف من عبادة الله ، ولن يمتنع من أن يكون عبدا خاشعا ذليلا لله وحده . بل إن المسيح نبي متواضع كريم خاشع لله تماما ولا يحمل ذرة من كبر يحول دون الخضوع والامتثال لأمر الله . لن يمتنع المسيح من ذلك ( ولا الملائكة المقربون ) والملائكة معطوف على المسيح ، وهؤلاء صنف كريم رفاف من عباد الله الأطهار ، وهم كما وصفتهم الآية فإنهم مقربون من الله من حيث المنزلة والدرجة الرفيعة . حتى إن بعض العلماء قد استدلوا من هذه الآية على أن الملائكة أفضل من النبيين . ولا أتصور صحة هذا الاستدلال فإن الذي يؤخذ من هذه الآية أن الملائكة عباد مقربون ، وكونهم مقربين لا يدل على أفضليتهم . وما التقرب الوارد في الآية إلا مجرد وصف من جملة أوصاف تليق بالملائكة . لكن الراجح أن النبيين خير الخلائق أجمعين .
والاحتمال المعقول من ذكر الملائكة هنا وأنهم مقربون هو دفع للتصور الفاسد الذي راود أذهان العرب المشركين عندما اعتبروا الملائكة بنات الله .
قوله : ( ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا ) ذلك بيان عام للعباد جميعا يتضمن تحذيرا لهم وتخويفا وهو أن العصاة الذين يمتنعون عن عبادة ربهم بإخلاص ثم يستكبرون استكبارا ؛ فإنهم يوم القيامة محشورون بين يدي الله ليعاينوا الحساب ويروا جزاءهم الذي يستحقونه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.