قوله تعالى : { والوزن يومئذ الحق } ، يعني : يوم السؤال ، قال مجاهد : معناه والقضاء يومئذ العدل ، وقال الأكثرون : أراد به وزن الأعمال بالميزان ، وذلك أن الله تعالى ينصب ميزاناً له لسان وكفتان ، كل كفة بقدر ما بين المشرق والمغرب ، واختلفوا في كيفية الوزن ، فقال بعضهم : توزن صحائف الأعمال ، وروينا : أن رجلاً ينشر عليه تسعة وتسعون سجلاً ، كل سجل مد البصر ، فيخرج له بطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، فتوضع السجلات في كفة ، والبطاقة في كفة ، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة . وقيل : توزن الأشخاص ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة ) . وقيل : توزن الأعمال ، روي ذلك عن ابن عباس ، فيؤتى بالأعمال الحسنة على صورة حسنة ، وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة ، فتوضع في الميزان ، والحكمة في وزن الأعمال امتحان الله عباده بالإيمان في الدنيا ، وإقامة الحجة عليهم في العقبى .
ولما تقدمت الإشارة بقوله تعالى{ وأوفوا الكيل والميزان بالقسط }[ الأنعام : 152 ] الآية إلى أن المساواة الحقيقية في الميزان معجوز عنها وأنه أبعد المقادير عن التساوي ، والنص في قوله تعالى{ ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها }[ الأنعام : 160 ] على قدرة القدير{[31960]} على ذلك ، وختم الآية السالفة بإحاطة العلم على الوجه الأبلغ المقتضي لذلك على أعلى الوجوه ، أكد الأمر أيضاً وقصره على علمه هنا فقال : { والوزن }{[31961]} بميزان حقيقي لصحف الأعمال أو للاعمال أنفسها بعد تصويرها بما تستحقه من الصور أو بغير ذلك بعد أن يقذف{[31962]} الله في القلوب العلم به ، ولعله حال من نون العظمة في الآية التي قبلها ، أي إنا لا نكتفي بما نقص بل نزنه فيصير{[31963]} بحيث يظهر لكل أحد أنه على غاية ما يكون من التساوي ؛ قال أبو حيان وعلي بن الحسين النحوي الأصفهاني في إعرابه : " الوزن " مبتدأ { يومئذ } ظرف منصوب به { الحق } خبر{[31964]} المبتدأ ، زاد{[31965]} الأصفهاني فقال : واستضعف إعمال المصدر وفيه لام التعريف وقد ذكرنا أنه جاء في التنزيل{ لا يحب الله{[31966]} الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم }[ النساء : 148 ] - انتهى . أي والوزن في ذلك اليوم مقصور على الحق ، يطابقه الواقع مطابقة حقيقية لا فضل فيها أصلاً ولا يتجاوز الوزن في ذلك اليوم الحق إلى شيء من الباطل بزيادة ذرة و{[31967]}لا نقصها ولا ما دون ذلك ، فتحرر أن مقصود السورة الحث على اتباع الكتاب ، وهو يتضمن الحث على اتباع الرسول والدلالة على التوحيد والقدرة على البعث{[31968]} ببيان الأفعال الهائلة في ابتداء الخلق وإهلاك الماضين إشارة إلى أن من لم يتبعه ويوحد - من أنزله{[31969]} على هذا الأسلوب الذي لا يستطاع ، والمنهاج الذي وقفت دونه العقول والطباع ، لما قام من الأدلة على توحيده بعجز من سواه عن أقواله وأفعاله - أوشك أن يعاجله قبل يوم البعث بعقاب مثل عقاب الأمم السالفة والقرون الخالية مع ما ادخر له في ذلك اليوم من سوء المنقلب وإظهار اثر الغضب .
ولما أخبر أن العبرة بالميزان على وجه يظهر أنه لا حيف فيه بوجه ، تسبب عنه قوله : { فمن ثقلت } أي دست ورسبت على ما يعهد في الدنيا { موازينه } أي موزونات أعماله ، أي أعماله{[31970]} الموزونة ، ولعله عبر بها عنها إشارة إلى أن كل عمل يوزن على حدة ليسعى في إصلاحه { فأولئك } أي العالو الهمم { هم } أي خاصة { المفلحون* } أي الظاهرون بجميع مآربهم
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.