قوله تعالى : { فاذكروني أذكركم } . قال ابن عباس : اذكروني بطاعتي ، أذكركم بمعونتي ، وقال سعيد بن جبير : اذكروني بطاعتي ، أذكركم بمغفرتي . وقيل اذكروني في النعمة والرخاء ، أذكركم في الشدة والبلاء ، بيانه ( فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم ) .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا عمر بن حفص ، أخبرنا أبي ، أخبرنا الأعمش ، قال سمعت أبا صالح عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً ، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة " .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، وثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني قال : حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سراج الطحان ، أخبرنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان ، أخبرنا أبو عبد الملك الدمشقي أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن ، أخبرنا منذر بن زياد عن صخر بن جويرية ، عن الحسن عن أنس قال : إني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد أناملي هذه العشر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى يقول : يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي ، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منهم ، وإن دنوت مني شبراً دنوت منك ذراعاً ، وإن دنوت مني ذراعاً دنوت منك باعا ، وإن مشيت إلي هرولت إليك ، وإن هرولت إلي سعيت إليك ، وإن سألتني أعطيتك ، وإن لم تسألني غضبت عليك " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور السمعاني ، أخبرنا أبو جعفر الرياني ، أخبرنا حميد بن زنجويه ، أخبرنا يحيى بن عبد الله ، أخبرنا الأوزاعي ، أخبرنا إسماعيل بن عبد الله عن أبي الدرداء عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يقول الله عز وجل أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه " . أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنا أبو القاسم البغوي ، أخبرنا علي بن الجعد ، أخبرنا إسماعيل بن عياش ، أخبرنا عمرو بن قيس السكوني عن عبد الله بن بشير قال : " جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول أي الأعمال أفضل ؟ قال : أن تفارق الدنيا إلا ولسانك رطب من ذكر الله تعالى " .
قوله تعالى : { واشكروا لي ولا تكفرون } . يعني واشكروا لي بالطاعة ولا تكفروني بالمعصية ، فإن من أطاع الله فقد شكره ، ومن عصاه فقد كفره .
{ فاذكروني أذكركم } قال سعيد بن المسيب : معناه اذكروني بالطاعة ، أذكركم بالثواب ، وقيل : اذكروني بالدعاء والتسبيح ونحو ذلك ، وقد أكثر المفسرون ، ولا سيما المتصوفة في تفسير هذا الموضع بألفاظ لها معان مخصوصة ، ولا دليل على التخصيص ، وبالجملة فهذه الآية بيان لشرف الذكر وبينها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يرويه عن ربه : " أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه : ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملإ : ذكرته في ملإ خير منهم " والذكر ثلاثة أنواع : ذكر بالقلب ، وذكر باللسان ، وبهما معا .
واعلم أن الذكر أفضل الأعمال على الجملة ، وإن ورد في بعض الأحاديث تفضيل غيره من الأعمال : كالصلاة وغيرها ؛ فإن ذلك لما فيها من معنى الذكر والحضور مع الله تعالى .
والدليل على فضيلة الذكر من ثلاثة أوجه :
الأول : النصوص الواردة بتفضيله على سائر الأعمال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أنبئكم بخير أعمالكم ، وأزكاها عند مليككم ، وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : ذكر الله . وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال أفضل ؟ قال : ذكر الله ، قيل : الذكر أفضل أم الجهاد في سبيل الله ؟ فقال : لو ضرب المجاهد بسيفه في الكفار حتى ينقطع سيفه ويختضب دما لكان الذاكر أفضل منه " .
الوجه الثاني : أن الله تعالى حيث ما أمر بالذكر ، أو أثنى على الذكر اشترط فيه الكثرة ، فقال :{ اذكروا الله ذكرا كثيرا }[ الأحزاب :41 ] ، { والذاكرين الله كثيرا }[ الأحزاب :35 ] ، ولم يشترط ذلك في سائر الأعمال .
الوجه الثالث : أن للذكر مزية هي له خاصة وليست لغيره : وهي الحضور في الحضرة العلية ، والوصول إلى القرب بالذي عبر عنه ما ورد في الحديث من المجالسة والمعية ، فإن الله تعالى يقول : " أنا جليس من ذكرني " ويقول : " أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني " .
وللناس في المقصد بالذكر مقامان : فمقصد العامة اكتساب الأجور ، ومقصد الخاصة القرب والحصور وما بين المقامين بون بعيد فكم بين من يأخذ أجره وهو من وراء حجاب ، وبين من يقرب حتى يكون من خواص الأحباب . واعلم أن الذكر على أنواع كثيرة : فمنها التهليل ، والتسبيح ، والتكبير ، والحمد ، والحوقلة ، والحسبلة ، وذكر كل اسم من أسماء الله تعالى ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، والاستغفار ، وغير ذلك .
وأما التهليل : فثمرته التوحيد : أعني التوحيد الخاص فإن التوحيد العام حاصل لكل مؤمن .
وأما التكبير : فثمرته التعظيم والإجلال لذي الجلال .
وأما الحمد والأسماء التي معناها الإحسان والرحمة كالرحمن الرحيم والكريم والغفار وشبه ذلك ، فثمرتها ثلاث مقامات : وهي الشكر ، وقوة الرجاء ، والمحبة . فإن المحسن محبوب لا محالة .
وأما الحوقلة والحسبلة : فثمرتها التوكل على الله والتفويض إلى الله ، والثقة بالله .
وأما الأسماء التي معناها الاطلاع والإدراك كالعليم والسميع والبصير والقريب وشبه ذلك ، فثمرتها المراقبة .
وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم : فثمرتها شدة المحبة فيه ، والمحافظة على إتباع سنته .
وأما الاستغفار : فثمرته الاستقامة على التقوى ، والمحافظة على شروط التوبة مع إنكار القلب بسبب الذنوب المتقدمة .
ثم إن ثمرة الذكر التي تجمع الأسماء والصفات مجموعة في الذكر الفرد وهو قولنا : الله ، الله . فهذا هو الغاية وإليه المنتهى .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.