معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (6)

قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } . أي : إذا أردتم القيام إلى الصلاة كقوله تعالى : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله } [ النحل : 98 ] أي : إذا أردت القراءة وظاهر الآية يقتضي وجوب الوضوء عند كل مرة يريد القيام إلى الصلاة ، لكن علمنا ببيان السنة ، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد من الآية : إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم على غير طهر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ) . وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بين أربع صلوات بوضوء واحد .

أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنيفي ، أنا أبو الحارث طاهر بن محمد الطاهري ، أنا أبو محمد الحسن بن محمد بن حكيم ، أنا أبو الموجه أنا عبدان ، أنا سفيان ، عن علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم فتح مكة الصلوات الخمس بوضوء واحد ، ومسح على خفيه .

وقال زيد بن أسلم : معنى الآية : إذا قمتم إلى الصلاة من النوم . وقال بعضهم : هو أمر على طريق الندب ، ندب من قام إلى الصلاة أن يجدد لها طهارتها وإن كان على طهر ، روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات ) .

وروي عن عبد الله بن حنظلة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة ، طاهراً أو غير طاهر ، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة .

وقال بعضهم : هذا إعلام من الله سبحانه وتعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا وضوء عليه إلا إذا قام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال ، فإن له أن يفعل بعد الحدث ما له من الأفعال غير الصلاة .

أخبرنا أبو القاسم الحنفي ، أنا أبو الحارث الطاهري ، أنا الحسن بن محمد بن حكيم ، أنا أبو الموجه ، أنا صدقة ، أنا ابن عيينة ، عن عمرو ابن دينار سمع سعيد بن الحويرث ، سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فرجع من الغائط ، فأتي بطعام ، فقيل له : ألا تتوضأ ؟ فقال : لم أصلي فأتوضأ . قوله تعالى : { فاغسلوا وجوهكم } . وحد الوجه من منابت شعر الرأس ، إلى منتهى الذقن طولاً ، وما بين الأذنين عرضاً ، يجب غسل جميعه في الوضوء ، ويجب أيضاً إيصال الماء إلى ما تحت الحاجبين ، وأهداب العينين ، والشارب ، والعذار ، والعنفقة . وإن كانت كثيفة وأما العارض واللحية ، فإن كانت كثيفة لا ترى البشرة من تحتها لا يجب غسل باطنها في الوضوء ، بل يجب غسل ظاهرها . وهل يجب إمرار الماء على ظاهر ما استرسل من اللحية عن الذقن ؟ فيه قولان : أحدهما : لا يجب . وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه ، لأن الشعر النازل عن حد الرأس لا يكون حكمه حكم الرأس في جواز المسح عليه ، كذلك النازل عن حد الوجه في وجوب غسله . والقول الثاني : يجب إمرار الماء على ظاهره ، لأن الله تعالى أمر بغسل الوجه ، والوجه ما يقع به المواجهة من هذا العضو ، ويقال في اللغة : بقل وجه فلان ، وخرج وجهه ، إذا نبتت لحيته .

قوله تعالى : { وأيديكم إلى المرافق } . أي : مع المرافق ، كما قال الله تعالى : { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } [ النساء : 2 ] أي : مع أموالكم ، وقال : { من أنصاري إلى الله } [ آل عمران : 52 ] وسورة [ الصف : 14 ] ، أي : مع الله . وأكثر العلماء على أنه يجب غسل المرفقين ، وفي الرجل يجب غسل الكعبين ، وقال الشعبي ، ومحمد بن جرير : لا يجب غسل المرفقين والكعبين في غسل اليد والرجل ، لأن حرف " إلى " للغاية والحد ، فلا يدخل في المحدود ، قلنا : ليس هذا بحد ولكنه بمعنى " مع " كما ذكرنا . وقيل : الشيء إذا حد إلى جنسه يدخل فيه الغاية ، وإذا حد إلى غير جنسه لا يدخل . كقوله تعالى : { ثم أتموا الصيام إلى الليل } [ البقرة : 187 ] ، لم يدخل الليل فيه لأنه ليس من جنس النهار . قوله تعالى : { وامسحوا برؤوسكم } . اختلف العلماء في قدر الواجب من مسح الرأس ، قال مالك : يجب مسح جميع الرأس كما يجب مسح جميع الوجه في التيمم ، وقال أبو حنيفة : يجب مسح ربع الرأس ، وعند الشافعي رحمه الله : يجب قدر ما يطلق عليه اسم المسح . واحتج من أجاز مسح بعض الرأس مما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا يحيى بن حسان ، عن حماد بن زيد و ابن علية ، عن أيوب السختياني عن ابن سيرين ، عن عمرو بن وهب الثقفي ، عن المغيرة بن شعبة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته ، وعلى عمامته وخفيه ، فأجاز بعض أهل العلم المسح على العمامة بهذا الحديث ، وبه قال الأوزاعي وأحمد ، وإسحاق . ولم يجوز أكثر أهل العلم المسح على العمامة بدلاً من مسح الرأس . وقال في حديث المغيرة : إن فرض المسح سقط عنه بمسح الناصية ، وفيه دليل على أن مسح جميع الرأس غير واجب .

قوله تعالى : { وأرجلكم إلى الكعبين } . قرأ نافع ، وابن عامر ، والكسائي ، ويعقوب ، وحفص ، ( وأرجلكم ) بنصب اللام ، وقرأ الآخرون ( وأرجلكم ) بالخفض ، فمن قرأ ( وأرجلكم ) بالنصب ، فيكون عطفاً على قوله : { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم } أي : واغسلوا أرجلكم ، ومن قرأ بالخفض ، فقد ذهب قليل من أهل العلم إلى أنه يمسح على الرجلين . وروي عن ابن عباس أنه قال : الوضوء غسلتان ، ومسحتان . ويروى ذلك عن عكرمة ، و قتادة . وقال الشعبي : نزل جبريل بالمسح ، قال : ألا ترى المتيمم يمسح ما كان غسلاً ، ويلغي ما كان مسحاً ؟ وقال محمد بن جرير الطبري : يتخير المتوضئ بين المسح على الخفين ، وبين غسل الرجلين . وذهب جماعة من أهل العلم من الصحابة ، والتابعين ، وغيرهم : إلى وجوب غسل الرجلين ، وقالوا : خفض اللام في الأرجل على مجاورة اللفظ ، لا على موافقة الحكم . كما قال تبارك وتعالى : { عذاب يوم أليم } فالأليم صفة العذاب ، ولكنه أخذ إعراب اليوم للمجاورة ، وكقولهم : " جحر ضب خرب " فالخرب نعت للحجر ، وأخذ إعراب الضب للمجاورة . والدليل على وجوب غسل الرجلين ما أخبرنا أبو سعيد أحمد ابن محمد بن العباس الحميدي الخطيب ، أنا أبو عبد الله الحافظ ، أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ، أنا يحيى بن محمد بن يحيى ، أنا الحجي ومسدد قالا : أخبرنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو قال : تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر سافرناه ، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ، صلاة العصر ، ونحن نتوضأ ، فجعلنا نمسح على أرجلنا ، فنادانا بأعلى صوته : " ويل للأعقاب من النار " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا عبد الله ، أنا معمر ، حدثني الزهري ، عن عطاء بن زيد ، عن حمران مولى عثمان رضي الله عنه قال : أن عثمان رضي الله عنه توضأ ، فأفرغ على يديه ثلاثاً ، ثم تمضمض واستنشق ، واستنثر ، ثم غسل وجهه ثلاثاً ، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً ، ثم غسل يده اليسرى إلى المرافق ثلاثاً ، ثم مسح برأسه ، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ، ثم اليسرى ثلاثاً ، ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ، ثم قال : " من توضأ وضوئي هذا ، ثم صلى ركعتين ، لا يحدث نفسه فيهما بشيء ، غفر له ما تقدم من ذنبه " .

وقال بعضهم : أراد بقوله { وأرجلكم } المسح على الخفين كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع وضع يديه على ركبتيه ، وليس المراد منه أنه لم يكن بينهما حائل ، ويقال : قبل فلان رأس الأمير ويده ، وإن كان العمامة على رأسه ، ويده في كمه .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا أبو نعيم أنا زكريا عن عامر ، عن عروة ، ابن المغيرة ، عن أبيه رضي الله عنهما قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في سفر فقال : أمعك ماء ؟ فقلت : نعم ، فنزل عن راحلته ، فمشى حتى توارى عني في سواد الليل ، ثم جاء ، فأفرغت عليه من الإداوة فغسل وجهه ويديه ، وعليه جبة من صوف فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة ، فغسل ذراعيه ، ثم مسح برأسه ، ثم أهويت لأنزع خفيه فقال : دعهما ، فإني أدخلتهما طاهرتين ، فمسح عليهما .

قوله تعالى : { إلى الكعبين } . فالكعبان هما العظمان الناتئان من جانب القدمين ، وهما مجمع مفصل الساق والقدم ، فيجب غسلهما مع القدمين كما ذكرنا في المرفقين . وفرائض الوضوء : غسل الأعضاء الثلاثة كما ذكر الله تعالى ، ومسح الرأس ، واختلف أهل العلم في وجوب النية : فذهب أكثرهم إلى وجوبها ، لأن الوضوء عبادة فيفتقر إلى النية كسائر العبادات ، وذهب بعضهم إلى أنها غير واجبة ، وهو قول الثوري ، واختلفوا في وجوب الترتيب ، وهو أن يغسل أعضاءه على الولاء كما ذكر الله تبارك وتعالى ، فذهب جماعة إلى وجوبه ، وهو قول مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق رحمهم الله ، ويروي ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه . واحتج الشافعي بقوله تعالى : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } ، [ البقرة : 158 ] وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالصفا ، وقال : ( نبدأ بما بدأ الله به ) ، وكذلك هاهنا ، بدأ الله تعالى بذكر غسل الوجه فيجب علينا أن نبدأ فعلاً بما بدأ الله تعالى بذكره . وذهب جماعة إلى أن الترتيب سنة ، وقالوا الواوات المذكورة في الآية للجمع لا للترتيب ، كما قال الله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } [ التوبة : 60 ] الآية ، واتفقوا على أنه لا تجب مراعاة الترتيب في صرف الصدقات إلى أهل السهمين ، ومن أوجب الترتيب أجاب بأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه راعى الترتيب بين أهل السهمين ، وفي الوضوء لم ينقل أنه توضأ إلا مرتباً كما ذكر الله تعالى ، وبيان الكتاب يؤخذ من السنة كما قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا } [ الحج : 77 ] ، لما قدم ذكر الركوع على السجود ، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل إلا كذلك ، فكان مراعاة الترتيب فيه واجبة ، كذلك الترتيب هنا .

قوله تعالى : { وإن كنتم جنباً فاطهروا } ، أي : اغتسلوا .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن هشام بن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة ، بدأ فغسل يديه ، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة ، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره ، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه ، ثم يفيض الماء على جلده كله .

قوله تعالى : { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } ، فيه دليل على أنه يجب مسح الوجه واليدين بالصعيد وهو التراب .

قوله تعالى : { ما يريد الله ليجعل عليكم } ، بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم .

قوله تعالى : { من حرج } ، ضيق .

قوله تعالى : { ولكن يريد ليطهركم } ، من الأحداث والجنابات والذنوب .

قوله تعالى : { وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } . قال محمد بن كعب القرظي : إتمام النعمة تكفير الخطايا بالوضوء . كما قال الله تعالى : { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } [ الفتح : 2 ] ، فجعل تمام نعمته غفران ذنوبه . أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا سفيان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن حمران : أن عثمان توضأ بالمقاعد ثلاثاً ثلاثاً ، ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من توضأ وضوئي هذا خرجت خطاياه من وجهه ، ويديه ، ورجليه .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن حمران مولى عثمان ، أن عثمان بن عفان رضي الله عنه جلس على المقاعد يوماً ، فجاءه المؤذن فآذنه بصلاة العصر ، فدعا بماء فتوضأ ، ثم قال : والله لأحدثنكم حديثاً لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه ، ثم قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما من امرئ مسلم يتوضأ ، فيحسن وضوءه ، ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها } .

قال مالك : أراه يريد هذه الآية { أقم الصلاة لذكري } ، ورواه ابن شهاب ، وقال عروة : الآية { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات } . [ البقرة : 159 ] .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا يحيى بن بكير ، أنا الليث ، عن خالد عن سعيد بن أبي هلال ، عن نعيم المجمر قال : رقيت مع أبي هريرة رضي الله عنه على ظهر المسجد ، فتوضأ ، ثم قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء ، فمن استطاع أن يطيل منكم غرته فليفعل ) .

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (6)

{ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } أي إذا أردتم القيام إليها { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } يعني مع المرفقين { وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } وهما الناشزان من جانبي القدم { وإن كنتم جنبا فاطهروا } فاغتسلوا { وإن كنتم مرضى } مفسر في سورة النساء إلى قوله { ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج } من ضيق في الدين ولكن جعله واسعا بالرخصة في التيمم { ولكن يريد ليطهركم } من الأحداث والجنابات والذنوب لأن الوضوء يكفر الذنوب { وليتم نعمته عليكم } ببيان الشرائع و { لعلكم تشكرون } نعمتي فتطيعوا أمري

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ} (6)

قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } .

يأمر الله عباده المؤمنين إذا قاموا إلى الصلاة أن يتوضأوا . وذلك في قوله : { إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم . . . } أي إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون فعليكم أن تتوضأوا لاستباحة الصلاة . ويستدل من الآية على أن الوضوء شرط لصحة الصلاة .

وقوله : { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } يتضمن أربعة أركان للوضوء فلا تصح الصلاة إلا بأدائها على التمام ، وأيما انخرام في واحد من هذه الأركان ، لا تصح معه الصلاة . وتفصيل ذلك في البيان الآتي :

الركن الأول : غسل الوجه . والوجه في اللغة من المواجهة . فحده من حيث الطول من أول الجبهة عند منابت الشعر إلى منتهى اللحيين . وحده من حيث العرض ، من الأذن إلى الأذن . ولا بد في غسل الوجه من نقل الماء إليه وهو يعني الإسالة وإمرار اليد عليه بمعنى الدلك وهو قول مالك . وقيل : إنما يجب إمرار الماء على الوجه ولا يجب دلكه باليد .

أما شعر اللحية فإن كان خفيفا بحيث تظهر منه البشرة فلا بد من إيصال الماء إليه ، وإن كان كثيفا فقد انتقل الفرض إليه . أي يجب إيصال الماء إلى ظاهر اللحية كشعر الرأس ، لأن ظاهر اللحية يقوم مقام جلدة الوجه . وعلى هذا لا يجب إيصال الماء إلى منابت الشعر وهي الجلد وذلك عندما تكون اللحية خفيفة . وقيل : يجب تخليلها كتخليل أصابع اليد .

الركن الثاني : غسل اليدين إلى المرفقين . والمفرد بكسر الميم . والمرفق هو موصل الذراع بالعضد{[903]} ، وهو المكان الذي يرتفق به أي يتكأ عليه من اليد . وهو داخل في وجوب الغسل مع اليد . وقالوا { إلى } بمعنى مع . أي اغسلوا أيديكم مع المرافق . وقيل : المرفق جزء من اليد ، لأن ما بعد { إلى } من نوع ما قبلها فدخل المرفق في اليد .

الركن الثالث : مسح الرأس . وذلك من قوله تعالى : { وامسحوا برءوسكم } وثمة تفصيل في القدر المجزئ من مسح الرأس . فيجب مسح الرأس كله عند الإمام مالك وكذلك أحمد في أظهر الروايات عنه . ويحتج لذلك بأن الباء في قوله : { برءوسكم } مؤكدة زائدة وهي ليست للإلصاق . فوجب بذلك استيعاب الرأس كله في المسح .

وذهب الإمام أبو حنيفة وكذا الشافعية إلى أن مسح بعض الرأس مجزئ وهو الفرض دون غيره . أما المجزئ من بعض الرأس عند أبي حنيفة وأصحابه فهو الربع وحجتهم في ذلك ما رواه مسلم عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم " توضأ فمسح بناصيته " وقدروا الناصية بربع الرأس .

وعند الشافعية ، يسقط الفرض بأدنى ما يطلق عليه اسم المسح ، لأن النص هنا مطلق فيجب فيه أقل ما يقع عليه اسم المسح . وقالوا أيضا : إن الباء في الآية للتبعيض فيجزئ من المسح ما كان في قدر بعض الرأس قل الممسوح أو أكثر . أو أنها تفيد الإلصاق . فالمراد إلصاق اليد بالرأس من أجل المسح . فيتحقق الواجب بكل ما يكون مسحا .

الركن الرابع : غسل الرجلين إلى الكعبين . وهو مقتضى قوله تعالى : { وأرجلكم إلى الكعبين } أرجلكم منصوب لفعل تقديره ، اغسلوا . والكعبان هما العظمان الناتئتان من الجانبين عند مفصل الساق والقدم . ومنه الكاعب ، وهي الجارية إذا بدا ثديها للنهود .

على أن الفرض في الرجلين الغسل وليس المسح ، وهو قول عامة العلماء واحتجوا بما ثبت في الصحيحين عند عبد الله بن عمرو قال : تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته : " أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار " .

وقيل : الواجب في الرجلين المسح وليس الغسل وهو مذهب الشيعة الإمامية وغيرهم . وحجتهم في ذلك القراءة بالجر . وهي تقتضي كون الرجلين معطوفتين على الرؤوس . وهو ضعيف . وقال داود الظاهري : يجب الجمع بينهما .

ويدخل الكعبان في الغسل ، لأن ما بعد { إلى } من نوع ما قبلها فدخل فيه ، أي أن الكعبين جزءان من القدمين فوجب غسلهما . وهو قول أكثر العلماء{[904]} .

أما جملة الوضوء على وجه العموم فيمكن إيجازها فيما رواه البخاري عن عبد الله بن زيد أنه سئل عن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بتور{[905]} من ماء فتوضأ لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم " فأكفأ على يده من التور فغسل يديه ثلاثا ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات . ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثا ، ثم أدخل يديه فغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة ، ثم غسل رجليه إلى الكعبين "

هذه هي فروض الوضوء ، وهي أركانه الأربعة ، وهي غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين ، مرة واحدة لكل عضو . ذلك أن الواجب من طهارة الأعضاء المغسولة هو مرة مرة إذا أسبغ الماء . وأن الاثنين أو الثلاث مندوب إليها ، لما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وتوضأ مرتين مرتين وتوضأ ثلاثا ثلاثا ، ولأن الأمر بالوضوء لا يقتضي إلا الفعل مرة مرة . يضاف إلى ذلك من السنن غسل الكفين والمضمضة والاستنثار ثلاثا لكل عضو . ثم مسح الأذنين مرة ، وذلك من السنة وهو قول الشافعية وبعض المالكية ، خلافا للحنفية ، إذ قالوا مسح الأذنين فرض إلا أنهما يمسحان مع الرأس بماء واحد . وقيل : يجدد لهما الماء .

أما النية فهي شرط من شروط الوضوء . وهو قول الشافعية والمالكية والحنابلة وأهل الظاهر . وحجتهم أن الوضوء عبادة محضة وهي غير معقولة المعنى فلا تصح إلا بالنية لقوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } ولقوله صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات " .

وذهبت الحنفية إلى أن النية ليست شرطا لصحة الوضوء . ووجه ذلك أن الوضوء عبادة معقولة المعنى كغسل النجاسة فهو بذلك عبادة ونظافة فلا يفتقر إلى النية .

أما ترتيب أفعال الوضوء فقد قيل : إنه سنة . وهو قول الحنفية والمالكية وأهل الظاهر . وقال آخرون إنه فرض ، وهو قول الشافعية والحنابلة . ومثار الخلاف هو وضع الواو العاطفة في الآية . فمن قال : إن واو العطف في الآية تقتضي الترتيب قال بإيجاب الترتيب . ومن رأى أنها لا تقتضي الترتيب لم يقل بإيجابه وثمة سبب آخر في اختلافهم وهو اختلاف في أفعاله صلى الله عليه وسلم ، هل هي محمولة على الوجوب أو على الندب ؟ فمن حملها على الوجوب قال : بوجوب الترتيب ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرو عنه أنه توضأ قط إلا مرتبا . وحملها على الندب قال : إن الترتيب سنة وليس فرضا .

أما الموالاة في أفعال الوضوء فهي عند الإمام مالك ما لم يكن ناسيا أو غير قادر . بخلاف الحنفية والشافعية قالوا : الموالاة ليست فرضا . وسبب الخلاف فهمهم لواو العطف في آية الوضوء . فمن قال : إنها يعطف بها الأشياء المتتابعة المتلاحقة المتراخية بعضها عن بعض قال : بعدم وجوب الموالاة .

أما التسمية في الوضوء فهي سنة وهو قول أكثر العلماء . وقال أحمد وإسحاق : التسمية فرض حتى لو تركها متعمدا بطلت الطهارة . والصحيح كونها سنة ، لأن التسمية غير مذكورة في الآية وقد حكم بحصول الطهارة من دونها .

أما الاستنجاء فليس واجبا عند الحنفية استنادا إلى هذه الآية ، لأنه ذكر الوضوء في الآية ولم يذكر الاستنجاء . ولو كان واجبا لكان أول ما بدأ به في الآية ، وقالوا إنما تجب إزالة النجاسة إذا زادت على قدر الدرهم البغلي وهو الذي على هيأة المثقال قياسا على فم المخرج .

وقالت الشافعية وآخرون من أهل العلم : بوجوب الاستنجاء ، استنادا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم في صاحبي القبرين : " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة ، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله " ولا يعذب إلا على ترك الواجب{[906]} .

وثمة مسألة وهي المسح على الخفين . وهو جائز عند جمهور الفقهاء ولم ينكره غير الشيعة والخوارج ، ورواية عن مالك في إنكاره مطلقا . والصحيح جواز المسح على الخفين لمن لبسهما ورجلاه طاهرتان بطهارة الوضوء . وحجتهم في الجواز ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم " مسح على الخفين بعد نزول هذه الآية " .

وأخرج الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي قال : أنا أسلمت بعد نزول المائدة وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بعد ما أسلمت .

وفي الصحيحين عن همام قال : بال جرير ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل : تفعل هذا ؟ فقال : " نعم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه " .

أما شرط المسح على الخفين فهو أن تكون الرجلان طاهرتين بطهر الوضوء ، وذلك لما ثبت في حديث المغيرة ، إذ أراد أن ينزع الخف عنه فقال عليه الصلاة والسلام : " دعهما فإني أدخلتهما وهما طاهرتان " .

أما صفة الخف ، فهو أن يكون صحيحا غير مخرق تخريقا فاحشا . فإن كان الخرق يسيرا فلا بأس في المسح عليه . وهو قول مالك وأصحابه .

أما الحنفية فقد حددوا اليسير والفاحش في الخرق بما كان الظاهر منه أقل من ثلاثة أصابع . فإن كان دون ثلاثة أصابع فهو يسير . وما زاد فهو فاحش لا يجوز المسح عليه . وكذا لو كان بمقدار ثلاثة أصابع .

وقال آخرون : يجوز المسح على الخف المنخرق ما دام يسمى خفا وإن تفاحش خرقه . وهو قول الثوري .

أما توقيت المسح ، ففيه خلاف بين أهل العلم . فقد ذهبت الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن المقيم يمسح يوما وليلة ، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن . واستدلوا بحديث مسلم عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم " .

وذهب الإمام إلى أن المسح غير مؤقت ، وعلى هذا فإن لابس الخفين يمسح عليهما دائما ما لم ينزعهما أو تصبه جنابة . وهو قول الليث ابن سعد{[907]} .

قوله : { وإن كنتم جنبا فاطهروا } أي فتطهروا ، أدغمت التاء في الطاء لأنهما من مكان واحد . وهذه هي الطهارة الكبرى بعد أن بين الطهارة الصغرى . والكبرى هنا الغسل من الجنابة .

وتحصل الجنابة لسببين . أولهما : نزول المني ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " إنما الماء من الماء " وبذلك فإن مجرد نزول المني يوجب الغسل من أجل الجنابة .

وثانيهما : التقاء الختانين ، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا التقى الختانان وجب الغسل " والغسل معناه إسباغ الماء على أعضاء البدن كله . أما المضمضة والاستنشاق فهما غير واجبين في الغسل وهو قول الشافعية ، خلافا للحنفية إذ قالوا بوجوبهما ، لأنهما من البدن وهما مما يمكن إيصال الماء إليهما من غير حرج . واحتج الشافعية بالخبر " أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت " .

ويحرم على الجنب جملة أمور منها مس المصحف وقراءة القرآن ودخول المسجد . وتفصيل ذلك في مظانه من كتب الفقه .

قوله : { وإن منتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } أبيح للمسلم أن يتيمم لاستباحة الصلاة إن كان مريضا مرضا يخشى منه على النفس أن تهلك أو يخشى منه ازدياد المرض باستعمال الماء .

ويباح التيمم أيضا للمسافر سواء كان السفر قصيرا أو طويلا . وقد بينا تفصيل ذلك في سورة النساء .

وإذا كان المسافر معه ماء وهو يخشى على نفسه العطش باستعمال الماء للوضوء جاز له أن يتيمم دفعا للحرج .

وإذا كان معه ماء وثمة حيوان عنده عطشان يوشك أن يهلك من العطش ، جاز له أن يتيمم كيما يسقي الحيوان العطشان . بل إن صرف الماء للحيوان في مثل هذه الحال واجب ، لأن حق الحيوان في الشرب مقدم على الوضوء الذي يستعاض عنه ببدله وهو التيمم .

إذا كان لا يملك الماء لكن غيره يملكه ولا يمكنه شراؤه منه إلا بغبن فاحش جاز له التيمم ، لأن في احتمال الغبن الفاحش ما يفضي إلى الحرج وهو مرفوع . لقوله تعالى : { وما جعل عليكم في الدين من حرج } .

قوله : { أو جاء أحد منكم من الغائط } الغائط جمع غوط بالضم ، وأغواط وغيطان والغائط كناية عن العذرة أو قضاء الحاجة{[908]} .

قوله : { أو لامستم النساء } ولمس المرأة ينتقض به الوضوء . يستوي في ذلك اللامس والملموس . وقد بينا ذلك في سورة النساء .

قوله : { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } لا خلاف في جواز التيمم لعادم الماء إن كان مريضا أو مسافرا . أما إذا عدم الماء وهو صحيح في الحضر كما لو كان سجينا أو مربوطا فإنه يتيمم بدلا من الوضوء ، لأنه عادم للماء . ولو كان في حالته هذه من السجن أو الربط ولم يجد ماء ولا ترابا وخشي خروج الوقت ففي حكم ذلك عدة أقوال :

أولها : أنه يصلي ولا شيء عليه . وهو الصحيح من مذهب المالكية .

ثانيها : أنه يصلي ويعيد صلاته إذا زال المانع فيما بعد . وهو قول الشافعي .

ثالثها : أنه يصلي ولا يعيد . وهو قول أشهب من المالكية .

رابعها : أنه يصلي ولا يقضي وهو قول أبي حنيفة .

قوله : { فتيمموا صعيدا طيبا } التيمم في اللغة معناه التوخي والتعمد والقصد{[909]} وفي الشرع : الضرب باليدين على الصعيد ثم مسح الوجه واليدين بهما ، على الخلاف في تفصيل ذلك ، وهو ما بيناه في سورة النساء . فقد ذهب جمهور العلماء إلى أن التيمم باليدين على الصعيد . فضربة للوجه وضربة لليدين . وقيل : ضربة واحدة للوجه والكفين معا .

أما الصعيد الطيب فهو التراب الطاهر ، على الخلاف في تفصيل المراد بالصعيد . فقد ذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بالتراب الخالص وهو المراد بالصعيد .

وذهب الإمام مالك وأصحابه إلى جواز التيمم بكل ما صعد على وجه الأرض من أجزائها كالحصا والرمل والتراب وذلك هو الصعيد . وزاد الإمام أبو حنيفة فقال : بكل ما يتولد من الأرض من الحجارة مثل النورة والزرنيخ والجص والطين والرخام . وقال الإمام أحمد : يجوز التيمم بغبار الثوب واللبد .

أما شروط جواز التيمم فهي ثلاثة :

الشرط الأول : النية . فقد ذهب جمهور العلماء إلى اشتراط النية في التيمم لجوازه ، ووجه ذلك أن الطهارة بالتيمم عبادة غير معقولة المعنى فهي عبادة محضة يلزم فيها النية .

الشرط الثاني : طلب الماء . فهو شرط لجواز التيمم عند عدم الماء . وهو مذهب المالكية والشافعية . إذ قالوا : لا يسمى المرء عادما للماء من غير طلب ، فإن طلب الماء ولم يجده سمي عادما له فجاز له التيمم . قال الشافعي في هذا الصدد : المسافر إذا لم يجد الماء بقربه لم يجز له التيمم إلا بعد الطلب عن اليمين واليسار ، وإن كان هناك واد هبط إليه ، وإن كان جبل صعده .

واحتجوا لذلك بقوله تعالى : { فلم تجدوا ماء فتيمموا } فقد جعل عدم وجدان الماء شرطا لجواز التيمم . وعدم الوجدان مشروط بتقديم الطلب ، فدل هذا على أنه لا بد من تقديم الطلب .

وذهب أبو حنيفة رحمه الله : إذا غلب على ظنه عدم الماء لم يجب عليه طلبه .

الشرط الثالث : دخول الوقت . فقد اشترطه الشافعية والمالكية لجواز التيمم ، استنادا إلى ظاهر الآية الذي يقتضي أن لا يجوز التيمم إلا عند دخول الوقت .

فقوله : { يأيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلوة . . فتيمموا } ، أوجب التيمم عند وجوب القيام إلى الصلاة وذلك إذا دخل الوقت . أما الوضوء فلا يشترط دخول الوقت لجوازه ، لأن الشرع خصصه بجواز الحصول قبل الوقت . أما الحنفية وأهل الظاهر فلم يشترطوا دخول الوقت لجواز التيمم قياسا على الوضوء فإنه يجوز حصوله قبل الوقت .

وجملة القول في ذلك كله أنكم أيها المؤمنون إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم مرضى مقيمون أو كنتم مسافرين أصحاء أو أن أحدكم قد جاء من قضاء حاجته أو كان جنبا ولم يجد الماء فتيمموا صعيدا طيبا . أي اقصدوا الأرض الطاهرة فتيمموا منها . وهذا مقتضى قوله : { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } أي امسحوا وجوهكم وأيديكم مما علق بأيديكم من الصعيد ، على الخلاف في تفصيل ذلك مما بيناه سابقا{[910]} .

إذ تبين ذلك بقي أن ننوه بفضل الوضوء والطهارة ، فضلا عن النظافة التي تشير إلى حسن السمت في المؤمن . لا جرم أن حسن سمت المرء ظاهرة من ظواهر الكمال الذي تهوي لبلوغه نفوس البرية السليمة . وفي الحديث " بني الدين على النظافة " أما الوضوء فيكشف عن حقيقته اسمه ، وهو من الوضاءة أي الحسن والنظافة{[911]} .

والوضوء والطهارة صنوان بنيا على طهارة الإنسان المؤمن من حيث ظاهره وباطنه ليكون بذلك نقيا سليما من القذر والأدران بكل أنواعها المادية والمعنوية ، وفي فضل الطهارة والوضوء روى مسلم بسنده عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الطهور شطر الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحانه الله والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض ، والصبر ضياء ، والصدقة برهان ، والقرآن حجة لك أو عليك . كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها " .

وروى مسلم عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يقبل الله صدقة من غلول ، ولا صلاة بغير طهور " .

قوله : { وما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون } أي ما يريد الله بما فرضه عليكم من الوضوء من أجل الصلاة ، والغسل من الجنابة ، والتيمم بالصعيد الطيب عند عدم الماء ، أن يلزمكم في ذلك حرجا ، وهو الضيق ، ولا ليكلفكم بذلك ما فيه إعنات لكم . وإنما يريد الله بهذا التشريع أن يطهركم بما فرضه عليكم من الوضوء والغسل والتيمم فتكونوا بذلك أطهارا أنقياء من الأدناس والذنوب . ودليل نفي الحرج من هذه الشريعة السمحة القائمة على اليسير والتسهيل ما شرعه الله لعباده من إباحة التيمم عند المرض أو السفر أو فقد الماء أو حاجتهم إليه للشرب . لا جرم أن ذلك رحمة وتوسعة للعباد ، فلزم في حقهم أن يبذلوا الله الشكران على ما أفاض عليهم من نعمة التشريع الرحيم . التشريع الذي جاء حافلا بالرحمة والتسهيل والسماحة والرخصة{[912]} .

وذلكم هو شأن الإسلام . هذا الدين الكريم السمح القائم على اليسر والرحمة بالعباد بعيد عن كل ظواهر الضيق والعنت . لا جرم أن هذه مزية كبرى من مزايا الإسلام . تلك المزايا التي تكشف عن كامل الصلوح للإسلام . هذا النظام الهائل الشامل الذي يراعي فطرة الإنسان وينسجم وطبيعته الأساسية الأصيلة{[913]} .


[903]:- القاموس المحيط ص 1145.
[904]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 90-97 وبداية المجتهد ج 1 ص 15 والكشاف ج 1 ص 597-599.
[905]:- التور: إناء يشرب فيه. انظر القاموس المحيط ص 456.
[906]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 96-100 ورح المعاني ج 6 75-80 وتفسير الرازي ج 11 ص 156-163 وبداية المجتهد ج 1 ص8-18.
[907]:- تفسير القرطبي ج 6 ص 100، 101 وبداية المجتهد ج 1 ص19-21 وتفسير الرازي ج 11 ص 166-167.
[908]:- القاموس المحيط ص 878.
[909]:- القاموس المحيط ص 1513.
[910]:- بداية المجتهد ج 1 ص 67-69 وتفسير الرازي ج 11 ص 157-177 وروح المعاني ج 6 ص 80 والكشاف ج1 ص 597-598 وتفسير الطبري ج 6 ص 80-88.
[911]:- القاموس المحيط ص 70.
[912]:- تفسير الرازي ج 11 ص 180 وتفسير الطبري ج 6 ص 88.
[913]:- تفسير ابن كثير ج 2 ص 30.