{ واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق } من مطر وسماه رزقا ؛ لأنه سببه . { فأحيا به الأرض بعد موتها } يبسها . { وتصريف الرياح } باختلاف جهاتها وأحوالها ، وقرأ حمزة والكسائي " وتصريف الريح " . { آيات لقوم يعقلون } فيه القراءتان ويلزمهما العطف على عاملين في والابتداء ، أو أن إلا أن يضمر في أو ينصب { آيات } على الاختصاص ، أو يرفع بإضمار هي ، ولعل اختلاف الفواصل الثلاث لاختلاف الآيات في الدقة والظهور .
قوله جل ذكره : { وَاخْتَلاَفِ الَّليْلِ وَالنَّهَارِ وَمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .
جَعَلَ اللَّهُ العلومَ الدينية كسبيةً مُصَحَّحةً بالدلائل ، مُحَقِّقةً بالشواهد . فَمَنْ لم يَسْتَبْصِرْ بها زلَّتْ قَدَمُه عن الصراط المستقيم ، ووقع في عذاب الجحيم ؛ فاليومَ في ظلمة الحيرة والتقليد ، وفي الآخرة في التخليد في الوعيد .
واختلاف الليل والنهار : تعاقبهما وتفاوت أحوالهما .
أحيا به الأرض : أحياها بالزرع .
تصريف الرياح : اختلاف أحوالها .
5- { واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون } .
وفي اختلاف الليل والنهار ، من التعاقب والطول والقصر ، والحر والقر ، والنور والظلمة ، وما يتبع ذلك من تغاير الفصول ، واختلاف المنافع ، وفيما نزل الله من السحاب من مطر تحيا به الأرض بعد جفافها ، ويكون رزقا للإنسان والحيوان والطيور ، وفي تصريف الرياح ، فتهب مرة جنوبا وأخرى شمالا ، وحينا صبا بالرحمة وماء السحاب ، وحينا دبورا تبعث العذاب ، وفيما تؤديه من تلقيح النبات ، وتيسير سير السفن في الأنهار والمحيطات ، إن في ذلك كله لعلامات واضحة لقوم يستخدمون عقولهم ، ليعلموا أن لهذه الأشياء صانعا حكيما ، وخالقا قادرا عظيما .
وقد أفاد فخر الدين الرازي في تفسيره أن هذه العلامات المتعددة بآيات الله ، إذا نظر إليها الإنسان متأملا ؛ قاده ذلك إلى الإيمان ، لذلك قال سبحانه في الآية الثالثة : { إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين } .
وإذا تأمل في خلقه وتدرجه في بطن أمه ، وفي حياته طفلا ويافعا وشابا وشيخا ، ازداد يقينا بهذا الإيمان ، لذلك نجد الآية الرابعة : { وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون } .
وإذا تأمل في حركة الكرة الأرضية وحركة الشمس ، وما يترتب على ذلك من اختلاف الليل والنهار ، ونزول المطر ، وتصريف الرياح بأنواعها المتعددة ، كان ذلك وسيلة إلى يقين العقل والفكر بقدرة الخالق سبحانه ، لذلك جاء في الآية الخامسة : { واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون } .
وقريب من هذا الكلام ما ذكره الجمل في حاشيته على الجلالين ، حيث أفاد أن التعقيب كان على دلائل القدرة كالآتي : { لآيات للمؤمنين } . ثم : { لقوم يوقنون } . ثم : { لقوم يعقلون } . لأن الإنسان إذا نظر في هذا الخلق آمن ، وإذا نظر في خلق نفسه ونموها ازداد إيمانا فأيقن ، وإذا نظر في سائر الحوادث عقل واستحكم علمه ، فاختلاف الفواصل الثلاث لاختلاف الآيات في الدقة والظهور .
اختلاف الليل والنهار : تعاقبهما .
تصريف الرياح : تغييرها من جهةٍ إلى أخرى .
ومثل هذا في اختلافِ الليل والنهار وتعاقُبهما على نظام ثابت ، وفيما أنزل اللهُ من السماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها ويبْسِها ، وتصريف الرياح إلى جهاتٍ متعددة علاماتٌ واضحة { لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .
قرأ حمزة والكسائي : وتصريف الريح بالإفراد . والباقون : وتصريف الرياح قراءات :
قرأ حمزة والكسائي ويعقوب : لآياتٍ بكسر التاء في المواضع الثلاثة ، والباقون : لآياتٍ بكسر التاء الأولى ، وفي الموضعين بعد ذلك آياتٌ لقوم ، بالرفع . بالجمع .
{ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 5 ) }
وفي اختلاف الليل والنار وتعاقبهما عليكم وما أنزل الله من السماء من مطر ، فأحيا به الأرض بعد يُبْسها ، فاهتزت بالنبات والزرع ، وفي تصريف الرياح لكم من جميع الجهات وتصريفها لمنافعكم ، أدلةٌ وحججٌ لقوم يعقلون عن الله حججه وأدلته .
قوله : { واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح } يعني في تعاقب الليل والنهار ، هذا بظلامه ، والآخر بضيائه ، وما أنزل الله من السماء من غيث مغيث يجعل الله منه رزقا للعباد وقوتا وشرابا ، ويحيي به الله الأرض فيثير فيها الخصب والنماء والخضرة والبركة ، بعد أن كانت قفرا يبسا لا ماء فيها ولا نبات ولا حياة . وكذلك تصريف الله للرياح فتهب من الشمال تارة ، ومن الشرق ثانية ، ومن الغرب ثالثة وغير ذلك من أنواع الرياح على اختلاف هبوبها وجهاتها ومنافعها فمنها المبشرات التي تحمل الأمطار فتبشر بالخير والسعة والرزق ، ومنها الساخنة التي تحمل للأرض الحرارة فينضج الزرع ويينع الثمر . ومنها الريح الطيبة التي تحمل النسائم المرغوبة المستطابة فتهيج في الحياة النشاط والبهجة والحركة ، وفي ذلك كله { آيات لقوم يعقلون } فيما تبين من الظواهر الكونية العجاب علامات وبراهين يستدل بها أولو العقول النيرة على قدرة الله الصانع الحكيم{[4182]} .