{ ودوا لو تدهن } تلاينهم بأن تدع نهيهم عن الشرك ، أو توافقهم فيه أحيانا ، { فيدهنون } فيلاينونك بترك الطعن والموافقة ، والفاء للعطف أي ودوا التداهن وتمنوه ، لكنهم أخروا إدهانهم حتى تدهن ، أو للسببية أي ودوا لو تدهن فهم يدهنون حينئذ ، أو ودوا ادهانك فهم الآن يدهنون طمعا فيه ، وفي بعض المصاحف فيدهنوا على أنه جواب التمني .
ودّوا لو تدهن : تمنوا لو تلين لهم بعض الشيء ، وتصانعهم في الدين . قال الليث : الإدهان : اللين والمصانعة والمقاربة .
طلب كفار مكة من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعبد آلهتهم وقتا ما ، فإن كان في إلهه خير أصابوا منه ، وإن كان في آلهتهم خير أصاب منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتمنّوا أن يلين معهم ، وأن يتقرب من آلهتهم ، وأن يصل معهم إلى منتصف الطريق ، فلا يهاجم آلهتهم ، وأن يتقرب إليها أي تقرّب ، وأن يفعلوا مثل ذلك مع إلهه ، لكن الله تعالى نهاه عن ذلك ، وبين أن الحق والباطل لا يلتقيان .
أي : لو تصانعهم في دينك ، فيصانعون في دينهم .
وقال ابن السائب : لو تلين فيلينون لك .
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : ودّ هؤلاء المشركون يا محمد لو تلين لهم في دينك ، بإجابتك إيّاهم إلى الركون إلى آلهتهم ، فيلينون لك في عبادتك إلهك .
كما قال جل ثناؤه : ولولا أن ثبّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا . ( الإسراء : 74 ) .
قال : وإنما هو مأخوذ من الدهن ، شبه التليين في القول بتليين الدّهن .
واختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآيات على ثلاثة أقوال :
ثم أرشده - سبحانه - إلى جانب من مسالكهم الخبيثة ، وصفاتهم القبيحة ، وحذره من الاستجابة إلى شئ من مقترحاتهم ، فقال : { فَلاَ تُطِعِ المكذبين . وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ }
وقوله : { وَدُّواْ } من الود بمعنى المحبة . وقوله : { تُدْهِنُ } من الإدهان وهى المسايرة والمصانعة والملاينة للغير . وأصله أن يجعل على الشئ دهنا لكي يلين أو لكي يحسن شكله ، ثم استعير للملاينة والمساهلة مع الغير .
أي : إن ربك - أيها الرسول الكريم - لا يخفى عليه شئ من أحوالك وأحوالهم ، وما دام الأمر كذلك ، فاحذر أن تطيع هؤلاء المكذبين في شئ مما يقترحونه عليك ، فإنهم أحبوا وودوا أن تقبل بعض مقترحاتهم ، وأن تلاينهم وتطاوعهم فيما يريدون منك . . وهم حينئذ يظهرون لك من جانبهم الملاينة والمصانعة . . حتى لكأنهم يميلون نحو الاستجابة لك ، وترك إيذائك وإيذاء أصحابك .
فالآية الكريمة تشير إلى بعض المساومات التي عرضها المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم وما أكثرها ، ومنها : ما ذكره ابن إسحاق في سيرته من أن بعض زعماء المشركين قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ، فنشترك نحن وأنت في الأمر ، فإن كان الذي تعبد خيرا مما نعبد ، كنا قد أخذنا بحظنا منه ، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد ، كنت قد أخذت بحظك منه ، فنزلت سورة " الكافرون " .
ومنها ما دار بينه صلى الله عليه وسلم وبين الوليد بن المغيرة تارة ، وبينه وبين عتبة بن ربيعة تارة أخرى . . مما هو معروف في كتب السيرة .
ولقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم " لعمه أبي طالب عندما نصحه بأن يترك المشركين وشأنهم ، وقال له : يا ابن أخي أشفق على نفسك وعلي ، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق .
وقال له صلى الله عليه وسلم : يا عماه ، والله لو وضعوا الشمس في يمينى ، والقمر في يساري . على أن أترك هذا الأمر ما تركته ، حتى يظهره الله أو أهلك فيه . . " .
والتعبير بقوله : { وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } يشير إلى أن الملاينة والمصانعة كانت منهم ، لا منه صلى الله عليه وسلم ، فهم الذين كانوا يحبون منه أن يستجيب لمقترحاتهم ، لكي يقابلوا ذلك بالتظاهر بأنهم على صلة طيبة به وبأصحابه .
قال صاحب الكشاف : قوله : { فَلاَ تُطِعِ المكذبين } تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم ، وكانوا قد أرادوا على أن يعبد الله مدة ، وآلهتهم مدة ، ويكفوا عن غوائلهم ، .
وقوله : { لَوْ تُدْهِنُ } لو تلين وتصانع { فَيُدْهِنُونَ } .
فإن : قلت : لماذا رفع " فيدهنون " ولم ينصب بإضمار " أن " وهو جواب التمني ؟ قلت : قد عدل إلى طريق آخر ، وهو أنه جعل خبر مبتدأ محذوف . أي : فهم يدهنون ، كقوله : { فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً } على معنى : ودوا لو تدهن فهم يدهنون . .
قوله : { ودوا لو تدهن فيدهنون } تدهن من الإدهان والمداهنة . وهي المصانعة أو المواربة{[4596]} يعني : ود المشركون لو تصانعهم في دينك يا محمد فيصانعونك في دينهم . أو ودوا لو تعبد آلهتهم مدة من الوقت ليعبدوا إلهك مدة . فقد طلب المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يداهنهم أو يصانعهم في دين الله ، فيتخلى عن بعضه ليتخلوا هم عن بعض دينهم . وذلك هو اللين أو المصانعة والمجاملة للكافرين على حساب دين الله . وذلك هو ديدن الكافرين وأعوانهم في كل زمان . فهم يودون أن يداهنهم دعاة الإسلام ليكفوا عن الدعوة إلى دين الله ، أو لينكفّوا ويجحموا عن بعض قواعده وأحكامه ، ومنها قضايا السياسة والجهاد وغير ذلك من قضايا الأحوال الشخصية ، أو رفض المفاصلة الواضحة بين عقيدة التوحيد الخالص وغيره من ملل الهوى والشرك .
فما يجوز لمسلم البتة أن يلاين الكافرين أو يداهنهم ، فينكفّ عن شيء من أحكام الإسلام ، ليرضى عنه الكافرون الظالمون وأعوانهم من المتمالئين ، وإنما يبتغي المسلم في كل الأحوال مرضاة الله وحده ، فهو بذلك لا يرتضي بغير منهج الله وشرعه بديلا ، ويأبى التنازل عن شيء من أحكامه مهما قل .