{ وأن استغفروا ربكم } عطف على ألا تعبدوا . { ثم توبوا إليه } ثم توسلوا إلى مطلوبكم بالتوبة فإن المعرض عن طريق الحق لا بد له من الرجوع . وقيل استغفروا من الشرك ثم توبوا إلى الله بالطاعة ، ويجوز أن يكون ثم لتفاوت ما بين الأمرين . { يمتّعكم متاعا حسنا } يعيشكم في أمن ودعة . { إلى أجل مسمّى } هو آخر أعماركم المقدرة ، أو لا يهلككم بعذاب الاستئصال والأرزاق والآجال ، وإن كانت متعلقة بالأعمار لكنها مسماة بالإضافة إلى كل أحد فلا تتغير . { ويُؤت كل ذي فضل فضله } ويعط كل ذي فضل في دينه جزاء فضله في الدنيا والآخرة ، وهو وعد للموحد التائب بخير الدارين . { وإن تولّوا } وإن تتولوا . { فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير } يوم القيامة ، وقيل يوم الشدائد وقد ابتلوا بالقحط حتى أكلوا الجيف . وقرئ { وإن تولوا } من ولي .
استغفروا ربَّكم أولاً ثم توبوا إليه بعده .
والاستغفار طلب المغفرة ، يعني قبل أن تتوبوا اطلبوا منه المغفرة بحسن النَّظرة ، وحَمْل الرجاء والثقة بأنه لا يُخَلِّد العاصِيَ في النار ، فلا محالةَ يُخْرِجُه منها . . . فابْتَدِئوا باستغفاركمْ ، ثم توبوا بِتَرْكِ أوزاركم ، والتَنَقِّي عن إصراركم .
ويقال استغفروا في الحال مما سلف ، ثم إنْ ألْمَمْتُم بزِلَّةٍ أخرى فتوبوا .
ويقال استغفروا في الحال ثم لا تعودوا إلى ارتكاب الزلة فاستديموا التوبة - إلى مآلِكم- مما أسلفتم من قبيح أعمالكم .
ويقال : { اسْتَغْفِرُوا } : الاستغفار هو التوبة ، والتنقي من جميع الذنوب ، ثم " توبوا " منْ تَوَهُّم أنكم تُجابُون بتوبتكم ، بل اعلموا أنه يُجِيبكم بِكَرَمِه لا بأعمالكم .
ويقال " الاستغفار " : طَلبُ حظوظكم مِنْ عَفونا . . فإذا فعلْتُم هذا فتوبوا عن طلب كل حظ ونصيب ، وارجعوا إلينا ، واكتفوا بنا ، راضين بما تحوزونه من التجاوز عنكم أو غير ذلك مما يخرجكم به .
قوله جلّ ذكره { إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعَاً حَسَنَاً إلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً } .
أي نُعَيِّشكم عيشاً طيباً حسناً مباركاً .
ويقال هو إعطاء الكفاية مع زوال الحرص .
ويقال هو ألا يخرجَه إلى مخلوق ، ولا يجعل لأحد عليه مِنَّةً لاسيما للئيم .
ويقال هو أن يوفقه لاصطناع المعروف إلى المستحقين .
ويقال هو أن تُقْضَى على يديه حوائج الناس .
ويقال هو ألا يُلِمَّ في حال شبابه بِزَلَّةٍ ، وألا يتصفَ بأنه عن الله في غفلة .
ويقال هو أن يكون راضياً بما يجري عليه من نَوْعَي العسر واليسر .
قوله جلّ ذكره : { وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضَلٍ فَضْلَهُ وَإن تَوَلَّوْا فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } .
مَنْ زادتْ حسناتُه على سيئاتِه أعطاه جزاءَ ما فَضَلَ له من الطاعات ، ومن زادت سيئاته على حسناته كافأه بما يستوجبه من زيادة السيئات . . . هذا بيان التفسير .
ويقال مَنْ فَضَّلَه بحسن توفيقه أوصله إلى ما يستوجبه من لطفه ويزيده . .
ويقال هو أن يستر عليه فضلَه حتى لا يلاحظ حالَه ومقامه ، بل ينظر إلى نفسه ، وما منه ومَا لَه . . . بِعَيْن الاستحقار والاستصغار .
ويقال هو أن يرقيه عن التعريج في أوطان البشرية إلى طاعات شهود الأحدية ، ويُنقيِّه عن ( . . . . . )1 البشرية ، والتكدر بما يبدو من مفاجآت التقدير .
ويقال هو ألا يُوحِشَه شيء بما يجري في الوقت .
ويقال هو أن يُحَقِّقَ له ما تسمو إليه هِمَّتُه ، ويُبَلِّغَه فوق ما يستوجبه محلَّه .
ثم بين - سبحانه - ما يترتب على طاعته من خيرات فقال : { وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ
والاستغفار طلب المغفرة والرحمة من الله - تعالى - .
والتوبة : الإِقلاع عن كل ما نهى الله ، مع التصميم على عدم العودة إلى ذلك فى المستقبل .
ويمتعكم : من الإِمتاع ، وأصل الإِمتاع الإِطالة ، ومنه : أمتعنا الله بك أى : أطال لنا بقاءك .
والآية الكريمة معطوفة على قوله - سبحانه - قبل ذلك : " { أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله . . } .
والمعنى : وعليكم - أيها الناس - بعد أن نبذتم كل عبادة لغير الله ، أن تديموا طلب مغفرته ورحمته ، وأن تتوبوا إليه توبة نصوحا ، فإنكم إن فعلتم ذلك { يُمَتِّعْكُمْ } الله - تعالى - { مَّتَاعاً حَسَناً } بأن يبدل خوفكم أمنا ، وفقركم غنى ، وشقاؤكم سعادة .
قوله : { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } أى : إلى نهاية حياتكم التى قدرها الله لكم فى هذه الدنيا .
وقوله : { وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } أى : ويعط كل صاحب عمل صالح جزاء عمله .
فالمراد بالفضل الأول : العمل الصالح . والمراد بالفضل الثاني الثواب الجزيل من الله - تعالى - .
فالجملة الكريمة ، وعد كريم عن الله - تعالى - لكل من آمن وعمل صالحا .
وجملة { ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ } معطوفة على استغفروا . و { ثم } هنا على بابها من التراخى ، لأن الإِنسان يستغفر أولا ربه من الذنوب ، ثم يتوب إليه التوبة الصادقة النصوح التى لا رجعة معها إلى ارتكاب الذنوب مرة أخرى .
ووصف المتاع بالحسن ، ليدل على أنه عطاء ليس مشوبا بالمكدرات والمنغصات التى تقلق الإِنسان فى دنياه ، وإنما هو عطاء يجعل المؤمن يتمتع بنعم الله التى أسبغها عليه ، مع المداومة على شكره - سبحانه - على هذه النعم .
قال - تعالى - { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ثم حذر - سبحانه - من الإِعراض عن طاعته فقال : { وَإِن تَوَلَّوْاْ فإني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } .
أى : ذكرهم أيها الرسول الكريم بأن فى إخلاصهم العبادة لله ، وفى طاعتهم له ، سعادتهم الدنيوية الأخروية ، وفى إعراضهم عن ذلك شقاؤهم وحلول العذاب بهم .
أى : إن تتولوا - أيها الناس - عن الحق الذى جئتكم به ، فإنى أخاف عليكم عذاب يوم القيامة ، الذى هو عذاب كبير هوله ، عظيم وقعه ، كما أخاف عليكم عذاب الدنيا .
فتنكير { يوم } للتهويل والتعميم ، حتى يشمل عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، حيث إنهم كانوا ينكرون البعث والحساب ، فتخويفهم بالعذابين أزجر لنفوسهم القاسية ، وقلوبهم العاتية .
وفى وصفه بالكبر ، زيادة - أيضا - فى تهويله وشدته ، حتى يثوبوا إلى رشدهم ، ويقلعوا عن غيهم وعنادهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.