{ ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا } شديد الغضب وقيل حزينا . { قال بئسما خلفتموني من بعدي } فعلتم بعدي حيث عبدتم العجل ، والخطاب للعبدة أو أقمتم مقامي فلم تكفوا العبدة والخطاب لهارون والمؤمنين معه ! وما نكرة موصوفة تفسر المستكن في بئس والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم ، ومعنى من بعدي من بعد انطلاقي ، أو من بعد ما رأيتم مني من التوحيد والتنزيه والحمل عليه والكف عما ينافيه . { أعجلتم أمر ربكم } أتركتموه غير تام ، كأنه ضمن عجل معنى سبق فعدى تعديته ، أو أعجلتم وعد ربكم الذي وعدنيه من الأربعين وقدرتم موتي وغيرتم بعدي كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم . { وألقى الألواح } طرحها من شدة الغضب وفرط الضجر حمية للدين . روي : أن التوراة كانت سبعة أسباع في سبعة ألواح فلما ألقاها انكسرت فرفع ستة أسباعها وكان فيها تفصيل كل شيء وبقي سبع كان فيه المواعظ والأحكام . { وأخذ برأس أخيه } بشعر رأسه . { يجرّه إليه } توهما بأنه قصر في كفهم ، وهارون كان أكبر منه بثلاث سنين وكان حمولا لينا ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل . { قال ابن أمّ } ذكر الأم ليرققه عليه وكانا من أب وأم . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم هنا وفي " طه " " يا ابن أم " بالكسر وأصله يا ابن أمي فحذفت الياء اكتفاء بالكسرة تخفيفا كالمنادى المضاف إلى الياء ، والباقون بالفتح زيادة في التخفيف لطوله أو تشبيها بخمسة عشر . { إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني } إزاحة لتوهم التقصير في حقه ، والمعنى بذلت وسعي في كفهم حتى قهروني واستضعفوني وقاربوا قتلي . { فلا تُشمت بي الأعداء } فلا تفعل بي ما يشمتون بي لأجله . { ولا تجعلني مع القوم الظالمين } معدودا في عدادهم بالمؤاخذة أو نسبة التقصير .
لو وجد موسى قومه بألف ألف وِفاقٍ لكان متنغِّصَ العيش لِمَا مني به من حرمان سماع الخطاب والرد إلى شهود الأغيار . . فكيف وقد وجد قومه قد ضلوا وعبدوا العجل ؟ ولا يُدْرَى أيُّ المحن كانت أشدَّ على موسى :
أَفِقدانُ سماع الخطابِ ؟ أو بقاؤه عن سؤال الرؤية ؟ أو ما شاهد من افتنان بني إسرائيل ، واستيلاء الشهوة على قلوبهم في عبادة العجل ؟ سبحان الله ! ما أَشدَّ بلاءه على أوليائه !
قوله جلّ ذكره : { وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِى فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الأَعْدَاءَ وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى وَلأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } .
إن موسى عليه السلام وإنْ كان سَمِعَ من اللهِ فتَنَ قومه فإنه لما شَاهَدَهُم أثَّرت فيه المشاهدةُ بما لم يؤثر فيه السماع ، وإنْ عُلِمَ قطعاً أنه تأثر بالسماع إلا أن للمعاينة تأثيراً آخر .
ثم إن موسى لما أخذ برأس أخيه يجره إليه استلطفه هارونُ في الخطاب .
فقال :{ ابْنَ أُمَّ }[ طه : 94 ] فَذَكَرَ الأمَّ هنا للاسترفاق والاسترحام .
وكذلك قوله :{ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى }[ طه : 94 ] يريد بهذا أنه قد توالت المحنُ علي فذرني وما أنا فيه ، ولا تَزِدْ في بلائي ، خلفتني فيهم فلم يستنصحوني . وتلك عليَّ شديدةٌ . ولقيتُ بَعْدَكَ منهم ما ساءني ، ولقد علمت أنها كانت علي عظيمة كبيرة ، وحين رجعتَ أخذتَ في عتابي وجر رأسي وقصدْتَ ضربي ، وكنت أود منك تسليتي وتعزيتي . فرِفقاً بي ولا تُشْمِتْ بي الأعداء ، ولا تضاعِفْ عليّ البلاء .
وعند ذلك رقَّ له موسى - عليه السلام ، ورجع إلى الابتهال إلى الله والسؤال بنشر الافتقار فقال : { رَبِّ اغْفِرْ لِى وَلأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ } وفي هذا إشارة إلى وجوب الاستغفار على العبد في عموم الأحوال ، والتحقق بأنَّ له - سبحانه - تعذيبَ البريءِ ؛ إذ الخلقُ كُلُّهم مِلْكُه ، وتَصَرُّفُ المالكِ في مِلْكه نافذٌ .
ويقال : ارتكابُ الذَّنْبِ كان من بني إسرائيل ، والاعتذارُ كان من موسى وهارون عليهما السلام ، وكذا الشرط في باب خلوص العبودية .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.